أنا عايد مُرّار من قرية بُدرس، وهي قرية صغيرة في محافظة رام الله. في عام 2003 شاركت في تأسيس اللجنة الشعبية لمقاومة الجدار والتي تناهض جدار الفصل العنصري الإسرائيلي.
تأسست اللجنة الشعبية لمقاومة الجدار في قرية بدرس أولا، وقد جاء تأسيسها بعد أن امتد الجدار قرابة 170 كيلومترا انطلاقا من جنين في شمال الضفة الغربية حتى وصل أخيرا إلى قريتنا. حين بدأ العمل في الجدار، ذهل الفلسطينيون ولم يعرفوا يقينا كيف سيقاومون ذلك الفعل الإسرائيلي. في العام 2002، حين عاودت إسرائيل احتلال المدن الفلسطينية وبدأت ببناء الجدار، لم يكن هناك نموذج فعال للمقاومة. وحين وصل مسار الجدار إلينا، قررنا من خلال مبادرة بسيطة وخاصة أن نقاوم بطريقة مختلفة. خلال الاجتماع الأول لم يكن في أذهاننا تسمية معينة، فقد كنا نبحث عن طرق لمقاومة الجدار في محاولة للخروج بإطار قيادي يوجه نظام عملنا.
حضر الاجتماع الأول 70 شخصا يمثلون تسعة قرى هي بدرس، ودير قديس، وخربثا، ونعلين، ومديا، وقبيا، وشبتين، وبلعين. وجهت الدعوة لرؤساء المجالس المحلية ولشخصيات سياسية محلية من أحزاب مختلفة مثل فتح وحماس، وقادة المنظمات الشبابية، وقادة المنظمات الأهلية المحلية. تناقشنا في موضوع الجدار وأجمعنا على أنه عاجلا أم آجلا سيصل على منطقتنا نظرا لموقعنا كقرى حدودية على الخط الأخضر. ناقشنا تطوير وسيلة فعال لمقاومته واتفقنا على تشكيل لجنة صغيرة يطلق عليها اسم اللجنة الشعبية. اشتملت اللجنة على ممثلين عن مختلف المنظمات الأهلية المحلية. كما اتفقنا على أن تشكل لجنة محلية في كل قرية بالإضافة إلى منظمة أوسع تندرج تحت إطارها عدد من القرى.
اللجنة الشعبية وهي تطوعية تضم مسئولين أو ممثلين عن المؤسسات الموجودة في كل قرية والتي تؤمن بنفس الفكرة وبنفس الطريق، وهو المقاومة غير العنيفة ضد الاحتلال وخاصة أمام خطر كبير مثل الجدار، وبنفس الوقت لديها الاستعداد والقدرة على العمل. في قرية بُدرس وغيرها من القرى يكون رئيس المجلس القروي أو مُمثلا عنه عضوا في هذه اللجنة ، أو مدير المدرسة أو مُمثلا عنه أو رؤساء الجمعيات أو مُمثلين عنهم كذلك التنظيمات السياسية الموجودة في هذه المواقع تكون مُمثلة في اللجنة الشعبية، وبالطبع الذين يرغبون بذلك أو لديهم القدرة والإيمان بالمقاومة اللاعنفية.
منذ ذلك الوقت بدأنا العمل في المقاومة الجماهيرية السلمية اللاعنفية لمقاومة الجدار. استطعنا إنقاذ آلاف الدونمات من الأراضي التي كانت مهددة بالمصادرة من أجل الجدار، ففي قرية بُدرس وحدها خلصنا 400 دونم كانت مزروعة بثلاثة آلاف من أشجار الزيتون . بدرس قرية صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها ألف وخمسمائة شخص ولكن من خلال خمس وخمسين مسيرة استطعنا إنقاذ أرضنا. نعم كان الثمن باهظا حيث استشهد احد أفراد المسيرة وأُصيب حوالي ثلاثمائة شخص واعتقل حوالي ستة وثلاثين شخصا لفترة تراوحت بين أربعة شهور لثمانية شهور. وكان ذلك الثمن وكان علينا أن نكون مستعدين لدفعه وعلينا أن نؤمن أن الحرية لا تأتي بسهولة بل إنها تحتاج لثمن وعلينا دفعه ونظل مؤمنين بأسلوبنا في المقاومة السلمية.
من خلال المقاومة اللاعنفية ضد الجدار أقمنا علاقات مع متضامنين دوليين أصبح البعض منهم أعضاء في لجنتنا، نفتخر ونعتز بالعلاقة بهم ونثمن دورهم الإيجابي والمهم في دعمنا ومساندتنا في مسيرة نضالنا السلمية ضد الاحتلال، وهناك متضامنون إسرائيليون كذلك وقد لعبوا دورا هاما وكبيرا في المقاومة غير العنيفة في عدة جوانب كان أولها الجانب الثقافي.
لقد تعود الفلسطيني أن يرى المستوطن أو الجندي الإسرائيلي في مواجهته ولم يُجرب أن يرى الشعب على الأرض. ويمكننا كمجتمع فلسطيني مثقف أن نعي أن هناك إسرائيليين يؤمنون بالسلام ويرغبون به. أتيحت الفرصة للمرة الأولى لرؤية الوجه الآخر للإسرائيليين الذين يطمحون في بناء علاقات جيدة مع الشعب الفلسطيني تقوم على المساواة والذين يعارضون الاحتلال والقمع الذي تمارسه إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني.
كما أن المتضامنين الإسرائيليين والدوليين يتمتعون بقدرة أكبر في التعاطي مع الإعلام والحديث مع الرأي العام الدولي في دولهم حيث أنهم يملكون القدرة على التحدث في مسألة الجدار مع شعوبهم وممارسة الضغوط على حكوماتهم كي تتخذ موقفا مؤثرا حول بناء الجدار، لذلك نحن نفتخر بعلاقاتنا معهم والتي هي بعيدة عن التطبيع التي نرفضها نحن وإياهم؛ والتطبيع لا يمكن تحقيقه تحت الاحتلال.
والتطبيع بمفهومنا مرتبط بالاحتلال الإسرائيلي. والنشطاء الإسرائيليون الذي أتوا لمقاومة الاحتلال يرفضونه ولهذا فهم مناصرون لنا. نحن نرغب في استقطاب جميع أحرار العالم بما فيهم الإسرائيليين للوقوف إلى جانبنا ضد الاحتلال. ونحن نفخر بهذه العلاقات ولأن اللجنة الشعبية تضم أعضاء من فتح، وحماس، وكافة الفصائل الفلسطينية، فإننا لم نترك مكانا للنقد.
