عايد مُرّار
    منظم مجتمعي
    quote
    "لم يكن اختيارنا للمقاومة غير العنيفة ناتج عن خوف أو خنوع، فالمقاومة اللاعنفية في رأيي تتطلب جُرأة أكبر من المقاومة العنيفة"

    خلفية

    الإقامة: بدرس مسقط الرأس: بدرس سنة الولادة: 1962 الهُوية: فلسطيني مجال العمل: العمل المباشر غير العنيف مكان العمل: منظم مجتمعي أجرت المقابلة: ايرين ناصر، رولا سلامه في العام: 2006
    عايد مرار، قيادي من حركة المقاومة السلمية في بدرس، نظّم أول لجنة شعبية ضد الجدار في الضفة الغربية من خلال توحيد كافة الفصائل السياسية الفلسطينية بما فيها حماس وفتح، وكذلك تشجيع مئات من الإسرائيليين على دخول المناطق الفلسطينية والتظاهر دعما للقرية. وعندما قبلت ابنته التي في سن المراهقة التحدي، وافق على تشكيل مجموعة نسائية سرعان ما انتقلت للخطوط الأمامية. يجسد فيلم "بدرس" آخر أفلام جست فيجن ما حققه عايد والنضال الشعبي السلمي.

    • هل أن تُعرفنا بنفسك وتحدثنا قليلا عن عملك؟

      أنا عايد مُرّار من قرية بُدرس، وهي قرية صغيرة في محافظة رام الله. في عام 2003 شاركت في تأسيس اللجنة الشعبية لمقاومة الجدار والتي تناهض جدار الفصل العنصري الإسرائيلي. تأسست اللجنة الشعبية لمقاومة الجدار في قرية بدرس أولا، وقد جاء تأسيسها بعد أن امتد الجدار قرابة 170 كيلومترا انطلاقا من جنين في شمال الضفة الغربية حتى وصل أخيرا إلى قريتنا. حين بدأ العمل في الجدار، ذهل الفلسطينيون ولم يعرفوا يقينا كيف سيقاومون ذلك الفعل الإسرائيلي. في العام 2002، حين عاودت إسرائيل احتلال المدن الفلسطينية وبدأت ببناء الجدار، لم يكن هناك نموذج فعال للمقاومة. وحين وصل مسار الجدار إلينا، قررنا من خلال مبادرة بسيطة وخاصة أن نقاوم بطريقة مختلفة. خلال الاجتماع الأول لم يكن في أذهاننا تسمية معينة، فقد كنا نبحث عن طرق لمقاومة الجدار في محاولة للخروج بإطار قيادي يوجه نظام عملنا. حضر الاجتماع الأول 70 شخصا يمثلون تسعة قرى هي بدرس، ودير قديس، وخربثا، ونعلين، ومديا، وقبيا، وشبتين، وبلعين. وجهت الدعوة لرؤساء المجالس المحلية ولشخصيات سياسية محلية من أحزاب مختلفة مثل فتح وحماس، وقادة المنظمات الشبابية، وقادة المنظمات الأهلية المحلية. تناقشنا في موضوع الجدار وأجمعنا على أنه عاجلا أم آجلا سيصل على منطقتنا نظرا لموقعنا كقرى حدودية على الخط الأخضر. ناقشنا تطوير وسيلة فعال لمقاومته واتفقنا على تشكيل لجنة صغيرة يطلق عليها اسم اللجنة الشعبية. اشتملت اللجنة على ممثلين عن مختلف المنظمات الأهلية المحلية. كما اتفقنا على أن تشكل لجنة محلية في كل قرية بالإضافة إلى منظمة أوسع تندرج تحت إطارها عدد من القرى. اللجنة الشعبية وهي تطوعية تضم مسئولين أو ممثلين عن المؤسسات الموجودة في كل قرية والتي تؤمن بنفس الفكرة وبنفس الطريق، وهو المقاومة غير العنيفة ضد الاحتلال وخاصة أمام خطر كبير مثل الجدار، وبنفس الوقت لديها الاستعداد والقدرة على العمل. في قرية بُدرس وغيرها من القرى يكون رئيس المجلس القروي أو مُمثلا عنه عضوا في هذه اللجنة ، أو مدير المدرسة أو مُمثلا عنه أو رؤساء الجمعيات أو مُمثلين عنهم كذلك التنظيمات السياسية الموجودة في هذه المواقع تكون مُمثلة في اللجنة الشعبية، وبالطبع الذين يرغبون بذلك أو لديهم القدرة والإيمان بالمقاومة اللاعنفية. منذ ذلك الوقت بدأنا العمل في المقاومة الجماهيرية السلمية اللاعنفية لمقاومة الجدار. استطعنا إنقاذ آلاف الدونمات من الأراضي التي كانت مهددة بالمصادرة من أجل الجدار، ففي قرية بُدرس وحدها خلصنا 400 دونم كانت مزروعة بثلاثة آلاف من أشجار الزيتون . بدرس قرية صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها ألف وخمسمائة شخص ولكن من خلال خمس وخمسين مسيرة استطعنا إنقاذ أرضنا. نعم كان الثمن باهظا حيث استشهد احد أفراد المسيرة وأُصيب حوالي ثلاثمائة شخص واعتقل حوالي ستة وثلاثين شخصا لفترة تراوحت بين أربعة شهور لثمانية شهور. وكان ذلك الثمن وكان علينا أن نكون مستعدين لدفعه وعلينا أن نؤمن أن الحرية لا تأتي بسهولة بل إنها تحتاج لثمن وعلينا دفعه ونظل مؤمنين بأسلوبنا في المقاومة السلمية. من خلال المقاومة اللاعنفية ضد الجدار أقمنا علاقات مع متضامنين دوليين أصبح البعض منهم أعضاء في لجنتنا، نفتخر ونعتز بالعلاقة بهم ونثمن دورهم الإيجابي والمهم في دعمنا ومساندتنا في مسيرة نضالنا السلمية ضد الاحتلال، وهناك متضامنون إسرائيليون كذلك وقد لعبوا دورا هاما وكبيرا في المقاومة غير العنيفة في عدة جوانب كان أولها الجانب الثقافي. لقد تعود الفلسطيني أن يرى المستوطن أو الجندي الإسرائيلي في مواجهته ولم يُجرب أن يرى الشعب على الأرض. ويمكننا كمجتمع فلسطيني مثقف أن نعي أن هناك إسرائيليين يؤمنون بالسلام ويرغبون به. أتيحت الفرصة للمرة الأولى لرؤية الوجه الآخر للإسرائيليين الذين يطمحون في بناء علاقات جيدة مع الشعب الفلسطيني تقوم على المساواة والذين يعارضون الاحتلال والقمع الذي تمارسه إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني. كما أن المتضامنين الإسرائيليين والدوليين يتمتعون بقدرة أكبر في التعاطي مع الإعلام والحديث مع الرأي العام الدولي في دولهم حيث أنهم يملكون القدرة على التحدث في مسألة الجدار مع شعوبهم وممارسة الضغوط على حكوماتهم كي تتخذ موقفا مؤثرا حول بناء الجدار، لذلك نحن نفتخر بعلاقاتنا معهم والتي هي بعيدة عن التطبيع التي نرفضها نحن وإياهم؛ والتطبيع لا يمكن تحقيقه تحت الاحتلال. والتطبيع بمفهومنا مرتبط بالاحتلال الإسرائيلي. والنشطاء الإسرائيليون الذي أتوا لمقاومة الاحتلال يرفضونه ولهذا فهم مناصرون لنا. نحن نرغب في استقطاب جميع أحرار العالم بما فيهم الإسرائيليين للوقوف إلى جانبنا ضد الاحتلال. ونحن نفخر بهذه العلاقات ولأن اللجنة الشعبية تضم أعضاء من فتح، وحماس، وكافة الفصائل الفلسطينية، فإننا لم نترك مكانا للنقد.

    • لماذا اخترتم اللاعنف طريقا لنضالكم ضد مسار جدار الفصل في بدرس؟

      نتكلم عن المقاومة غير العنيفة في وقت نعيش حالة من العنف المتبادل في مرحلة الانتفاضة الثانية؛ في مرحلة يحاول فيها الشعب الفلسطيني تجربة أساليب أخرى من المقاومة بعد أن يئس من تحقيق أي إنجاز من خلال المقاومة السلمية، فالشعب الفلسطيني تعود وعلى مدى تاريخه أن يمارس المقاومة غير العنيفة، ففي عام 1929 كان يمارس المقاومة غير العنيفة مع الاحتلال البريطاني، وكذلك خلال الانتفاضة الأولى التي اندلعت عام 1987. ورغم أن معظم الفعاليات كانت كلها سلمية إلا أنّ الشعب الفلسطيني كان يدفع من عمر أبنائه فترة طويلة في السجون لأنه كان يرفع علم فلسطين أو يكتب شعارا ضد الاحتلال أو ينفذ إضراباً عن العمل حسب ذلك الوقت، إلاَ أن الاحتلال كان يجبره على دفع الثمن غالياً. خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، لجأت بعض الفصائل الفلسطينية إلى اتباع أساليب أخرى للمقاومة. نحن نؤمن أن من حق الشعب الفلسطيني أن يقاوم الاحتلال وبأي شكل يرتئيه، والمقاومة هذه تشرعها وتسلم بها جميع الشرائع والمواثيق الدولية التي تسمح للشعب الفلسطيني أن يُمارس كل أشكال المقاومة ضد المُحتَل، لكنني أرى أن على الشعب الفلسطيني أن يختار الأسلوب الأمثل والأصح في المقاومة. لم يكن اختيارنا للمقاومة غير العنيفة ناتج عن خوف أو خنوع، فالمقاومة اللاعنفية في رأيي تتطلب جُرأة أكبر من المقاومة العنيفة؛ لقد قبعت في السجون الإسرائيلية سبع سنوات، وتعرضت لإصابتين، ومارست أساليب مختلفة من المقاومة إلى أن أدركت تماما أن المقاومة السلمية أنجع طريقة يستخدمها الفلسطينيون لمقاومة الاحتلال.

    • قد يتساءل البعض كيف تستخدم وسائل عنيفة في مقاومة سلمية.

      إنني لست بمعرض الحكم أو محاكمة الأشخاص المقاومين، لقد ذكرت آنفا أننا شعب يمتلك الحق في المقاومة. مـَنْ يستطيع الحكم على الفعاليات هو مـَنْ يقوم بالفعاليات، إنني اليوم مسئول عن الفعاليات الشعبية وغير العنيفة التي نمارسها ولن نمارس أي فعل يـُقصد به قتل المدنيين أو يتسبب بأضرار جسدية يـُقصد منها العنف ضد المدنيين أو غير المدنيين. نحن ضد القتل بكل أشكاله ولا نمارسه بأي شكل من الأشكال لكن كل مـَنْ يقوم بهذا الفعل هو الذي يستطيع الإجابة بنفسه على هذا السؤال. إنني أسعى للحصول على حقوقي بالوسائل السلمية والوسائل غير العنيفة، لكن هناك كثير من الفلسطينيين الذين أخذوا يميلون لاختيار طرق أخرى لتحقيق حلمهم بالحرية. واعتقد أنه حتى الذين يقومون باستخدام فعاليات وطرق عنيفة، إذا ما منحوا حريتهم ودولتهم المستقلة سيتوقفون مباشرة عن تلك الفعاليات. إذا نهجنا طريق اللاعنف، سنكون أكثر قدرة على تقديم قضيتنا للعالم للحصول على التأييد الدولي. كما ينبغي على الشعب الفلسطيني أن يحافظ على صورته كضحية للاحتلال في حين أن الدعاية الإسرائيلية التي تسيطر على معظم أجهزة الإعلام العالمية، تحاول أن تعكس الصورة وتظهر الفلسطيني على أنه المجرم وأنّها هي الضحية. بالتالي استطاعوا تسويق مفهوم الإرهاب بينما الشعب الفلسطيني عاجز عن تسويق مفهوم الاحتلال.

    • كيف يمكن للمقاومة غير العنيفة أن تساعد في تحقيق أهدافكم من الناحية العملية؟

      الإسرائيليون مُبدعون في استخدام أسلحتهم الفتاكة؛ هذه الأسلحة التي تُعد من أقوى وأحدث الأسلحة لجيوش في العالم من دبابات وطائرات وآليات قتل والتي تعتبر غاية في التطور وهم يبدعون في استخدامها، ونحن نستطيع تحييد هذه الأسلحة لو تبنينا أسلوب المقاومة الجماهيرية. أرى أن الاحتلال كأي مشروع احتلالي آخر له ثلاثة أقدام؛ قدم اقتصادية، وهذه مهمة، وقدم إعلامية، وثالثة عسكرية. على صعيد القدم الاقتصادي في رأيي تكون المقاومة الجماهيرية بمقاطعة البضاعة الإسرائيلية، لا لأننا نريد قطع لقمة العيش لليهود، لكننا معنيون أن نضغط على الاحتلال وهذه واحدة من الطرق الناجعة جدا في المقاومة والتي لم يتمكن بعد الشعب الفلسطيني من استخدمها بشكل فعال، ولو أنه تمكن من ذلك لساهمت كثيرا في إنهاء الاحتلال. أما من حيث الإعلام، فهم يسيطرون وبشكل كبير على وسائل الإعلام في العالم. كنت أسافر إلى أمريكا وأُلقي محاضرات هناك في الجامعات والمؤسسات الأميركية وكنت أتفاجأ ببعض الأسئلة حول العمليات الاستشهادية أو الانتحارية التي ينفذها الفلسطينيون. وكنت أجيب على السؤال بسؤال إذ كنت أسألهم مَن منكم يعلم بأن هناك ألف من الإسرائيليين قد قُتل في السنوات الخمس الماضية؟ وكان الجميع تقريباً يرفع إصبعه، وعندما كنت أسأل مَن منكم يعلم أنه بالمقابل قُتل حوالي أربعة آلاف من الفلسطينيين في نفس الفترة؟ كان يرفع إصبعه حوالي خمسة أو ستة أشخاص.فهم لا يعلمون ذلك، وكل الذي يعرفونه أن الشعب الفلسطيني هو الذي يفجر نفسه بالأطفال وهو الذي يُدمر ويقمع وهو المجرم، وأن الاحتلال وكأنّه يرمي بالزهور والورود على الشعب الفلسطيني. في الولايات المتحدة الأمريكية هناك محطتان عملاقتان هما الـ CNN ومحطة الـ ABC واللتان تنتهجان سياسة واضحة في مؤازرة الاحتلال وإغفال القضية الفلسطينية؛ جربنا محطة الـ ABC في تغطية إحدى المسيرات والفعاليات التي كانت قائمة على مدى نهار كامل في قرية خربثا الحارثية، ولقد أصيب في ذلك النهار خمسين فلسطينيا، وحدث ضمن تلك الفعاليات أن شابا فلسطينيا وقف أمام جندي إسرائيلي وضربه بقدمه، فتركت الـ ABC كل فعاليات النهار والمصابين الخمسين ولم تعرض سوى لقطة ضربة الشاب للجندي وكانت تعيد بثها مرة تلو الأخرى.لكننا أصبحنا ندرك الآن أن الكاميرات الصغيرة التي يحملها المتضامنون الدوليون أثبتت فعاليتها في مواجهة الآلة الإعلامية الهائلة التي يتحكم بها الاحتلال. فنحن بحاجة إلى منظومة إعلامية متكاملة تستطيع أن تعكس صورة الفلسطيني الحقيقية دون تهويل أو تكبير بل كما هي أي ضحية الاحتلال، وتعكس في الوقت ذاته الصورة الحقيقية للاحتلال . فمن المهم لنا أن نـُظهـِر كيف أن الاحتلال يقوم بتدمير أراضينا وهدم بيوتنا ويحرمنا من تحقيق حلمنا بإقامة دولة فلسطينية مستقلة. على سبيل المثال، تقسيم الضفة الغربية إلى أقسام يعمل حتى على قتل الحلم الفلسطيني في إقامة دولة مستقلة. فالاستيطان والجدار وهدم البيوت كلها تـُمثـّل حلقات في سلسلة واحدة للاحتلال. إننا معنيون بالإعلام، لفضح هذا المشروع ونشر فكرة مفادها أن الشعب الفلسطيني يـُمارس مقاومته المشروعة ضد الاحتلال للوصول إلى حريته. يمكننا تحييد القوة العسكرية الإسرائيلية من خلال حرمانهم من الفرصة لاستخدامها. صحيح أننا من خلال الطرق الجماهيرية السلمية في مقاومة الاحتلال سوف نعاني أكثر، لكننا لا نستطيع مواصلة الادعاء بأن العالم بأسره ضدنا. علينا أن نبحث عن طرق للحصول على دعم العالم لنا. فالاحتلال ليس بحاجة لأية ذرائع لقتل الفلسطينيين كما وأنه يرغب بأن ينام الليل وينهض صباحا فلا يرى أي فلسطيني على الأرض الفلسطينية، فالسؤال إذن ما هو الدور الذي ينبغي أن نلعبه؟

    • كيف طبقتم مبادئ المقاومة اللاعنفية في نضالكم في بدرس بالتحديد؟

      المقاومة غير العنيفة لا تعني أن نحمل يافطات ونطلق الغناء أمام الجندي الإسرائيلي ونطلق شعارات، إنما في المقاومة غير العنيفة نحن نستثني القتل فنحن غير معنيين بالقتل ولا استخدام أية وسيلة للقتل. السلاح والقتل ليسا من أهدافنا، فهدفنا أن نوقف الجرافة باستخدام أجسادنا العارية من أي سلاح لوقف. بالنسبة لمفهوم المقاومة غير العنيفة فإن كثيرا من المجتمعات الغربية تتصور أن الأسلوب الغاندي هو الأسلوب الأمثل في المقاومة الجماهيرية، إلا أن المجتمع الفلسطيني يختلف اختلافا كليا عن المجتمع الذي كان يعيش فيه غاندي كما أن الثقافة الفلسطينية تختلف عن الثقافة الهندية، إذ لدى المجتمع الهندي كان عندهم ميل لربوبية القائد، أي التعامل معه وكأنه رب فتبعيتهم للقائد تختلف عنها عند الشعب الفلسطيني. بالتالي في المقاومة غير العنيفة لدى الشعب الفلسطيني لا نقصد فقط إلقاء الشعارات ووقوف الناس أمام الجنود لإعطائهم درسا في الأخلاق؛ ففي كثير من المسيرات التي كنا ننظمها كنا نتدافع ونستخدم أجسادنا في الوصول لهدفنا بوقف تلك الجرافة، وكنا ننجح وبالطبع نُبعد عنا أية وسيلة من وسائل القتل رغم أن القوات الإسرائيلية كانت تمارس علينا العنف بشكل غير طبيعي.

    • كيف يمكن لوسيلة احتجاج لاعنفية أن تكون فعالة حين تواجه بالعنف؟

      احتاجت إحدى المظاهرات إلى حوالي 120-130 جنديا إسرائيليا، وكانت تدور خمس مظاهرات في الوقت ذاته في قرى غربي رام الله، فيمكنك التخيل بأنه في جزء من محافظة واحدة كان هناك ما يفوق خمسمائة جندي، تـُستنزف قوتهم وطاقتهم وجهدهم ومعنوياتهم في مواجهة أشخاص عـُزّل لا يمتلكون السلاح. في مثل تلك الحالات يضطر الجنود إلى إعادة التفكير في قناعتهم بأن لهم الحق في قتل الناس لحماية شعبهم ووطنهم. لكن في المقاومة الشعبية لا يوجد مَنْ يريد قتل الجنود أو تهديد حياتهم. المتظاهرون هم أشخاص عـُزّل من أطفال ونساء وشيوخ وشباب جاءوا ليقولوا للجنود إنه لا يحق لهم قمع الناس مصادرة أراضيهم. في مظاهرة في النبي صالح رأيت كيف أن جنديا تمرد على قيادته ورمى بقبعته وذهب إلى سيارة الجيب العسكرية. فبهذه الفعاليات السلمية نحن نـُسقط الادعاء الإسرائيلي بأن الجندي الإسرائيلي هو ضحية لأننا نثبت أنه الجلاد. علينا أن نعزز صورة الجلاد لدى الجندي الإسرائيلي لتشجيعه على رفض الخدمة العسكرية. فهناك حوالي ستمائة جندي مَنْ يرفضون الخدمة في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذه ظاهرة مهمة لنا وعلينا تشجيعها. في مقاومتنا الشعبية، يجب أن نتخلص من تفكيرنا القديم وندخل في مثل هذا الموضوع، ونطور من منظومتنا النضالية التي تتعاطى مع العالم والظروف المحيطة بشكل ذكيّ وواع. أرى من واجب الشعب أن ينتقي الأسلوب الأمثل لمقاومة الاحتلال، نعم إن المقاومة الجماهيرية أصعب لكننا معنيون عندما ننظم مسيرة جماهيرية أن يُشارك أكبر عدد ممكن من الجماهير فيها لنفس الهدف وبنفس الطريقة، بينما العمل العسكري لا يتطلب سوى إقناع شخص لشخص آخر بعد إعطائه السلاح بأن يكمن وعن مسافة بعيدة لأية دورية مثلا ويُطلق النار باتجاهها وهذا لا يتطلب جُرأة كبيرة ولا جهد كبير في إقناع هذا الشخص، بينما من الصعب إقناع آلاف الأشخاص ومن بينهم النساء والأطفال والشيوخ ليخرجوا ويشاركوا في المسيرة، وأتصور أننا لسنا بحاجة لأكثر من نصف عدد الذين يخرجون في تشييع جنازات شهدائنا أو إغلاق شارع مستوطنة لفك أو إزالة أو إزاحة نقطة عسكرية. من خلال المقاومة الجماهيرية استطعنا أن نوقف قرارات عسكرية بهدم بيوت أو تأجيل الهدم ليومين أو ثلاثة رغم الأوامر العسكرية وهذا ما كان في الماضي يُعتبر في من المستحيل. في عام 2004 استطعنا أن نقتحم أكبر نقطة عسكرية ألا وهي نقطة قلنديا العسكرية وبأسلوب غير عنيف وجماهيري وهذا ما يعتبره الناس من دروب المستحيل والخيال بأن تستطيع اقتحام حاجز عسكري كبير مثل ذلك الذي يقسم الضفة الغربية إلى جزأين. كما أننا استطعنا أن نمرر مئات الأشخاص دون أن يضطروا إلى التعرض لعملية التفتيش المضنية التي يقوم بها الجنود.

    • ما هو دور اللاعنف على صعيد السياسة الداخلية الفلسطينية؟

      الشعب الفلسطيني يتمتع بقدرة أسطورية في مواجهة العدوان الخارجي، لكننا نخشى الاقتتال الداخلي. وما يقلق الشعب الفلسطيني هو أن يستخدم السلاح الذي استخدم في المقاومة العسكرية ضد الاحتلال في اقتتال داخلي، وبما أننا تعودنا أن نسير في المقاومة الجماهيرية فلن يكون هناك سلاح لاستخدامه في وجه بعضنا البعض، والحرب الأهلية أطلت برأسها في فترة من الفترات في قطاع غزة وهددت بأن تصل إلى الضفة الغربية. برأيي تجييش الشارع وتسليحه يكون له مردود سلبي فالسلاح يحب الفوضى والضجة حتى يجد الجهة التي يُطلق النار باتجاهها. إذا أردنا التكلم عن الحرب الأهلية, في تصوري أن الشعب الفلسطيني في المرحلة الأخيرة قد خلق أعظم عملية ديمقراطية في الشرق الأوسط، وعندما نتكلم عن الديمقراطية في الشرق الأوسط هذا يشبه وجود كوخ أو متنزه في حقل ألغام، وبالتالي يجب علينا كشعب فلسطيني ألا نفرط بهذه التجربة ولا نسمح للسلاح غير المضبوط أن يهدد هذه الديمقراطية التي نفتخر بها، كما أنه لا يجوز أن يُسخر السلاح الفلسطيني في غير وجهته. السلاح الفلسطيني وإن كان قد أفادنا في المقاومة المسلحة إلا أنه يبقى الخميرة الموجودة والقائمة في الاقتتال الداخلي، لكن بكل الطرق إنّه في تصوري تبقى المقاومة غير العنيفة أو المقاومة الجماهيرية هي الأكثر قُدرة على تحقيق أهدافنا وتشكل الطريق الأقصر والأسهل لبلوغ أهداف الشعب الفلسطيني.

    • ما هو برأيك سبب نجاح النضال اللاعنفي ضد الجدار في بدرس؟

      ما يحدد النجاح هو الدافعية والممارسات على الأرض، في قرية بُدرس أوجدنا المثال الجيد لتطبيق الأفكار التي قيلت في الاجتماع إذ فوجئنا بالنساء وللمرة الأولى في القرية اللواتي أبدين الحماس والنشاط للمشاركة في العمل الجماهيري أكثر من الرجل أحيانا وكذلك الأطفال. ففي المسيرة كان يشارك معنا حوالي خمسمائة شخص من عدد سكان القرية والذي يبلغ حوالي ألف وثلاثمائة، حيث كان النساء والطلاب والشيوخ يشاركون في المسيرة واستطعنا أن نخلق نموذجا يُحتذى به في باقي المواقع.

    • *كيف يمكن تطبيق النجاح الذي حققته بدرس في تجارب نضالية أخرى؟

      نسعى إلى نشر مثل هذا النوع من المقاومة بين الفلسطينيين وإشراك أكبر عدد ممكن من الناس. وباستخدام النموذج الذي اتبعناه في مقاومة الجدار نحاول أن نبذل جهودا مماثلة في مجالات أخرى كالحواجز العسكرية الإسرائيلية على سبيل المثال. فبالإضافة إلى الجدار نحاول إيجاد آلية لاستقطاب طلبة الجامعات نحو مقاومة أشكال الاحتلال الأخرى كالحواجز العسكرية. لقد نظمنا مسيرتين طلابيتين باتجاه حاجز عطارة. من الصعب تنظيم فعالية تضم عددا كبيرا من الناس خصوصا أن معظم آليات المقاومة الحالية في فلسطين تقوم على المقاومة المسلحة. فنحن بحاجة إلى مزيد من الدعم الدولي والتغطية الإعلامية، فالأحداث الدامية عادة ما تستهوي وسائل الإعلام ونحن بحاجة لتشجيع تلك الوسائل على تغطية هذا النوع من المقاومة. لم نتوقع أن ينتشر أسلوبنا إلى هذا الحد عندما بدأناه، لكنني فخور بالنتائج. ومن أجل تطوير النموذج الذي ابتكرناه، لا بد من جهود كبيرة وعمل شاق، لكننا لا نزال نراهن بقوة على المقاومة اللاعنفية ونؤمن بالسلام. بعد ذلك أصبحت كل القرى المتضررة من الجدار تقتدي بما قمنا به في بُدرس وتعرف الطريق الذي تختاره والآلية التي تعمل بها لمقاومة الجدار. مع نهاية 2003 وبداية 2004 كان هناك ما يشبه الانتفاضة الجماهيرية حيث كانت تنظم كل يوم حوالي عشرين أو خمسة وعشرين مظاهرة سلمية في قرى مختلفة مثل بلعين، ودير قديس، وبدو، وخربثا، وبيت سوريك، وغيرها بنفس الآلية وبنفس الطريقة، وتشكلت لجان في كل قرية. لقد كانت مُبادرة ذاتية في قرية بُدرس لكنها كانت مثالا اقتدت به كل القرى التي مر بها الجدار، ففي كل قرية تشكلت لجنة فرعية وفي كل منطقة تضم مجموعة قرى لجنة عُليا، وفي كل محافظة منسقين عن لجان المناطق وعلى مستوى الوطن كله لجنة ترعى هذا الموضوع. ذكرت سابقا أن هذا النوع من المقاومة يتطلب جهدا كبيرا فلا يمكن للقائد الفلسطيني أن يقود جماهيره وهو جالس على مكتبه، فمن السهل على القادة العسكريين والقادة الآخرين أن يتبنوا المقاومة المسلحة لأن ذلك لا يتطلب منهم النزول عن كراسيهم ويقاوموا فيكفي أربعة أو خمسة أشخاص من هذه المنطقة وثلاثة أو أربعة أشخاص من منطقة أخرى ويقوموا بالمهمة، بينما في المقاومة الجماهيرية نحتاج إلى طاقات كبيرة والقائد يجب أن يكون في مقدمة الجماهير.

    • *ذكرت سابقا أن المتضامنين الإسرائيليين لهم قدرة اكبر على الاتصال في العالم، لماذا برأيك؟

      عندما يتكلم طرف يكون محسوبا على الاحتلال ويقول للعالم بأن الاحتلال سيء تكون كلمته مسموعة أكثر من الطرف الآخر الذي حكم مسبقا على الاحتلال، فمن المهم أن تجد من الخصم شاهدا يقف إلى جانبك. وبهذا نكون قد أوجدنا فرصة للعالم ليكونوا شهود عيان، نحن لا نريد الدعاية أبدا بل نرغب فقط بنقل الحقيقة والواقع ليس أكثر؛ كانوا يلعبون دور شهود العيان على وقائع وحقائق، أي ما يفعله الجدار في المجتمع الفلسطيني، وكيف يسلبه لقمة عيشه، وكيف يشتته ويهجره، فكانوا بمثابة شهود العيان ويعكسون هذه الصورة لمجتمعاتهم . ربما لو سمع الأميركي هذا الأمر لقال إن الفلسطيني ضد الإسرائيلي وضد الأميركي بأي شكل من الأشكال وتحت أي ظرف من الظروف لكن عندما يسمع الكلام من الأميركي نفسه أو الإسرائيلي نفسه عندما يقول رأيه يختلف الأمر. عندما ذهبت إلى أمريكا وكنت ألقي محاضرات هناك، كان بصحبتي إسرائيلي وكان يتكلم ويقول رأيه بالاحتلال، إذ أن الإنسان الحرّ لا يقبل على نفسه ذلك أي كما لا يقبل لنفسه أن يكون تحت الاحتلال لا يقبل لنفسه أن يمارس دور الاحتلال أو يوقع الاحتلال على غيره.

    • *لقد تكلمت عن بعض ما أنجزت هذه اللجان، هل برأيك طريقة اللاعنف كأسلوب في مقاومة الاحتلال هي أسلوب مثمر ومُجدي؟

      نعم إن آثاره مجدية على المدى البعيد وكذلك القريب؛ فعلى المدى القريب استطاعت إنقاذ آلاف من الدونمات التي كانت مهددة بالمصادرة ولم تكن مهددة بالمصادرة فقط بل كانت هناك قرارات فيها بالمصادرة وتراجعوا عنها أمام المقاومة الجماهيرية وغير العنيفة، وعلى المدى البعيد لو سألت الفلسطينيين أو الإسرائيليين يقول الطرفان إنهم يرغبون بالسلام بين الطرفين وكل له رأيه بالسلام وكيف يبنى السلام؟ لكن كيف يمكن أن ينسى الطرفان مئة عام من القتل وآلاف القتلى ما بين الطرفين، كيف يمكن لنا أن نجعلهم ينسون ذلك كي نصل إلى السلام؟ نحن عندما نصل إلى السلام نرغب بأن يكون السلام من داخل قلوبنا وليس سلاما مبنيا على مصالح معينة وموازين قوى . نحن نطمح بأن تعيش أجيالنا القادمة مع أجيالهم القادمة بسلام وكل يأخذ حريته وحقه ويعيش بسلام في المستقبل وينسى كل ذلك التاريخ، فالقتل والقمع يؤجل عملية التفاهم وفهم الطرف الآخر، وكلما زاد القتل زادت الفجوة ما بين الطرفين وطالت الفترة اللازمة لنسيان الماضي.

    • *كيف يمكن أن تُقنع الفلسطيني الذي يعيش تحت الاحتلال أن يتبنى سياسة اللاعنف؟

      أستطيع إقناع الفلسطينيين إذا ما وجدت تشجيعا أو تصميما عاما من العالم أجمع يدفعني أو يشعرني بأنني يمكن أن أحقق نتيجة من هذا الأسلوب. هم يوجهون لنا نحن الفلسطينيين في الوقت الحاضر باتهام العنف، فلو نبذنا العنف وتبنينا المقاومة غير العنيفة، هل يمكن لأميركا أن تضغط على إسرائيل كي تنهي الاحتلال وتعطينا حقوقنا؟ وإن كان ذلك ممكنا فهم يساعدوننا، لأنها كلها عجلات مسننة يجب أن تدخل في بعضها البعض لتنجز مهمة، فيسهل بعد ذلك إقناع الشعب الفلسطيني، لا شك أنه سوف يعاني ويتعب أكثر لكن بالمقابل سوف يشعر أنه لا يناضل وحده .

    • * من أين جاءت قناعاتك حول اللاعنف؟

      لم أجرح أو أقتل إسرائيليا يوما. في الانتفاضة الأولى كان الفلسطيني يوضع في السجن لمدة ثلاث سنوات لمجرد أنه رفع علما أو نفذ إضرابا شاملا أو كتب شعارا أو وزع بيانا في الشارع. كنت مسئولا عن فعاليات حركة فتح في منطقة غربي رام الله خلال الانتفاضة الأولى وهذه هي التهمة التي بسببها سجنت سبع سنوات، ومع ذلك لم أمارس يوما المقاومة العنيف. يمتاز السجناء الفلسطينيون بالثقافة الواسعة والتنظيم الجيد، فهم قادرون على المطالعة وتثقيف أنفسهم. الفترة التي قضيتها في السجن لعبت دورا كبيرا في تشكيل وتطير طريقة تفكيري، كما أنها ساعدتني في نشر فكرتي عن المقاومة اللاعنفية، فلولا أنني كنت سجينا سابقا، لاتهمني البعض بأنني لجأت إلى المقاومة اللاعنفية لأنني لا أملك الشجاعة للقيام بغير ذلك، ولكن لأن الناس يعلمون أنني عانيت ودفعت ثمنا باهضا داخل السجن، فلن يجرؤ أحد على اتهامي بالجبن.

    • *ما هي أهم الصعوبات التي تواجهك في عملك؟

      بالدرجة أولى قمع الاحتلال الذي لا يُقصر في قمع المظاهرات، في مظاهرة واحدة تضم حوالي خمسمائة شخص يسقط سبعون جريحا بالرصاص المطاطي الذي هو في حقيقة الأمر كرات معدنية مغلفة بالمطاط. وفي مظاهرة سلمية جرت في نفس اليوم في قرية بدو عام 2004 سقط خمسة شهداء؟ وهؤلاء الجرحى والشهداء لم يشاركوا في المظاهرات حاملين صواريخ ولا متفجرات ولا أحزمة ناسفة بل تظاهروا فقط بأجسادهم العارية من السلاح ليوقفوا الجرافة التي تقتلع أشجارهم وتدمر أراضيهم. القمع الإسرائيلي من أكبر الصعوبات التي واجهتنا. من المعوقات أيضا الروتين الفلسطيني لكنني أرغب أن أذكر بصراحة أنني شخص يحب دائما أن يعكس الصورة كما هي سواء في الطرف الفلسطيني أو الإسرائيلي. في إحدى المرات قمنا بمسيرة أمام مجلس الوزراء الفلسطيني من أجل طلب دعمهم ومساعدتهم حيث طلبنا منهم موقفا سياسيا حاسما وواضحا حول المقاومة ضد الجدار والدعم المعنوي للشعب البسيط الذي يعاني جراء بناء هذا الجدار، حين يرى الفلسطينيون عضو برلمان أو أحد الوزراء يقف إلى جانبه فهذا يعطيهم دفعة معنوية لكن عندما يشعر الواحد منهم بأنه يموت في الدفاع عن أرضه ومجلس الوزراء لا يعيره انتباها ولا حتى الحكومة، هذا يجعله يتصور بأن الأمر متفق عليه بين الحكومتين ويدفعه باتجاه التراخي والإحباط. وجود المال مضرّ في الحركة الجماهيرية؛ فالناس العاديون الذين نحتاج لدعمهم وثقتهم قد تتزعزع ثقتهم بالمسئول عنهم لو وجد جهة داعمة ماليا إذ قد يفسر عمله على أنه مكرس للحصول على المال .الإرهاق المالي كان يؤثر على عملنا؛ على سبيل المثال إنني كمسئول عن اللجان الشعبية لمقاومة الجدار لمنطقة رام الله وكموظف حكومي لم يتقاضى راتبه منذ ثمانية شهور، كنت لا أستطيع في كثير من الأحيان الذهاب للمشاركة في مسيرة في قرية بلعين لعدم تمكني من توفير أجرة التنقل في كثير من المرات، مع أنني كمسئول يفترض أن أكون معهم، كل ذلك كان يؤثر في سير عملنا.

    • *ما هو المطلوب من الشعوب لدعمكم؟

      المقاومة الشعبية تعاني من قلة الدعم المادي، فحين يصاب أحد المتظاهرين خلال مسيرة فإنه بحاجة إلى المساعدة المادية، كما أن فعالياتنا في حد ذاتها بحاجة إلى تغطية مالية، ونحن لا نملك شيئا من الناحية المالية. أتوجه لكل أحرار العالم، سواء كانوا أمريكيين أم غيرهم والذين يؤمنون بالمقاومة الشعبية وأعني المقاومة غير العنيفة، بأن يجدوا لأنفسهم دورا في دعم القضية الفلسطينية وممارسة المقاومة السلمية ضد المحتل. حتى عـُمقنا الاستراتيجي العربي، هناك كثير من العلاقات الدولية التي تضغط عليهم وتحدد مشاركتهم في المقاومة الفلسطينية، لكن علينا كشعب أن نتـفهّم هذه الضغوطات وهذه العلاقات وهذه الاتفاقيات فيما بينهم وكذلك الأمر مع هوامش المشاركة للشعوب العربية والدولية في المقاومة السلمية. لا أحد يستطيع ممارسة المقاومة العنيفة من خارج فلسطين، لكن يستطيع أن يـُقاطع بضائع المستوطنات ويستطيع أن يضغط اقتصاديا وإعلاميا واجتماعيا وسياسيا على الاحتلال. لو أن طفلة صغيرة تبلغ من العمر أربع سنوات على سبيل المثال، سواء كانت في أمريكا أو فرنسا أو جنوب إفريقيا أو أي مكان في العالم، امتنعت عن شراء حلوى صُنعت في المستوطنات الإسرائيلية فهي بذلك تـُقاوم الاحتلال. باللجوء إلى وسائل المقاومة السلمية نستطيع أن نجبر الاحتلال على التخلي عن هذا المشروع الخاسر وعلى منحنا حقوقنا الثابتة.

    • * ما هي صورة الحل برأيك؟

      السياسة الشرق أوسطية تقوم على ردة الفعل وليس على خلق إستراتيجيات وإتباع هذه الإستراتيجيات، لذلك بإمكان أي مجنون أو أي شخص مهما كان أن يصنع حدثا ويجبر العالم أن يرد عليه بردة فعل معينة وبالتالي يجر كل المنطقة إلى الهاوية. إن من الممكن في مرحلة من المراحل بما أننا نتكلم عن حكومة وحدة وطنية أن توقف الاعتداء على غزة وتجلس على طاولة المفاوضات والاتفاق على حل، فهذا ممكن وكل المجالات والآفاق مفتوحة. الشعب الفلسطيني وأحرار العالم لم يفقدوا الأمل بالله سبحانه وتعالى، ونحن على قناعة بأن هذا الظلم لا يدوم ولا يستمر، ويأخذ كل ذي حق حقه فمن حق الشعب الفلسطيني أن يعيش بسلام وهدوء كذلك من حق الشعب الإسرائيلي أن يعيش بسلام وهدوء، لكن يجب أن ينال الشعب الفلسطيني حريته أولا. أعتقد أن الفلسطينيين يحتاجون إلى الإسرائيليين بقدر ما يحتاج الإسرائيليون إلى الفلسطينيين، فكلا الشعبين يعيشان على بقعة من الأرض تتمتع بأهمية كبرى على الصعيد الإقليمي، والدولي، والسياسي، والجغرافي، ومن مصلحة الجانبين أن يحافظا على العلاقة بينهما وتحسين تلك العلاقة، ولكنني أؤكد ثانية أن تلك العلاقة يجب أن تقوم على العدالة والمساواة. لا يمكن لنا كفلسطينيين أن ننسى أن يافا فلسطينية أو حيفا فلسطينية، لكن علينا أن نتعامل بواقعية سياسية تضمنها كل الشرائع الدولية كمجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة وكل العالم يقول إن أدنى حق للفلسطينيين لنيل دولتهم هو في حدود عام 1967، ونحن نطالب بالحد الأدنى من حقوقنا وهو بناء دولتنا في حدود عام 1967 وحتى أدنى حد والذي يؤيدنا فيه كل العالم لا نستطيع الحصول عليه لنيل حريتنا وسيادتنا وبناء مستقبلنا ودولتنا على ما تبقى من أرضنا. بالتالي لا يمكن أبدا وتحت أي ظرف من الظروف أن يُفرط الشعب الفلسطيني بالحد الأدنى من حقه والذي يتمثل بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على المناطق التي احتلت عام 1967 وعاصمتها القدس، ونحن أقرب ما نكون لهذا الهدف. كفى عبثاً بأرواح الناس آجلا أم عاجلا سوف يوجد الحل ويُفرض علينا إن لم نفرضه على أنفسنا وبالتالي لا داعي للآلاف من الشهداء أو القتلى من الطرفين، لو جلسنا جلسة منفتحة مع أنفسنا لوجدنا أن كل هذه الآلاف من الأرواح تذهب هباء وتلعب دورا كبيرا في تلويث الجو ما بين اثنين من الجيران في علاقة محترمة في المستقبل. سئل في إحدى المرات شمعون بيرس وكان رئيس الوزراء آنذاك:" لماذا تريد أن تصنع السلام مع العرب؟ " فأجاب:" أرغب أن ألعب كرة القدم في الدوري العربي." للوهلة الأولى يعتقد المرء أنه ساذج لأنه يريد أن يصنع السلام ليلعب كرة القدم لكن في الواقع إنه يهدف لأن يُصبح جزءا من الوطن العربي ويكون هذا الجزء مرغوبا به في الوطن العربي بشكل طبيعي وعادي حتى في كرة القدم والديمقراطية والاقتصاد وكل القضايا أن تكون جزءا من الشرق الأوسط. لا توجد إمكانية أمام إسرائيل أن تدخل الشرق الأوسط دون حل قضية الشعب الفلسطيني، فهي تحتاج إلى الفلسطينيين لبلوغ هذا الهدف، وفي الوقت ذاته على الفلسطينيين تطوير اقتصادهم بعد نيل استقلالهم والاستفادة من الإسرائيليين في التقدم التكنولوجي والاقتصادي والديمقراطي، فكل طرف بحاجة للطرف الآخر لكن على كل طرف أن يفهم الطرف الآخر فكما أننا نفهم أنهم بحاجة للأمن، عليهم أيضا أن يفهموا أننا بحاجة للحرية.

    • *ما هي جذور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟

      الصراع بالأساس يدور حول الأرض، لا شيء سوى الأرض إذ قبل الاحتلال وعلى امتداد التاريخ لم يكن هناك أية مشاكل بين العرب واليهود فلا يوجد صراع بينهما إلا على الأرض. في زمن الرسول أي قبل حوالي ألف وأربعمائة عام في المدينة المنورة كان هناك بعض الاحتكاكات وحُسم بينهما الصراع في ذلك الوقت وانتهى، ليس هناك أي صراع ديني بيننا. لا يوجد بيننا أي صراع أيديولوجي أو أي صراع آخر، الصراع الحقيقي والأساسي نجم عن احتلال إسرائيل لفلسطين. في سياق حديثنا عن الاحتلال نجد في كثير من المواقع كلمة يهود وكلمة إسرائيليين وكلمة صهاينة وكلمة احتلال. نحن في المقاومة الشعبية ليس لنا أي مشكلة من قريب أو بعيد مع اليهودية كديانة ولا مع الإسرائيليين كشعب، مشكلتنا هي فقط مع الاحتلال.

    • *ماذا تعني لك كلمة سلام؟

      تعني الطمأنينة لي ولطفلي. عشنا في ظروف ولقناعة قلنا أن ذلك كان قدرنا وحياتنا، فالذي لم نستطع أن نحققه لأنفسنا نحلم بأن نحققه لأطفالنا. أنا كفلسطيني والإسرائيلي الذي نعيش هنا نحلم جميعا بأن يحقق أبناءنا أحلامهم، فالإسرائيلي يرغب أن يوفر لابنه الأمان الذي لم يتوفر له هو. السلام يعني أن أربي أطفالي وأثقفهم.

    • *كيف هو الوضع اليوم في قرية بـُدرس ونحن في شهر كانون الثاني لعام 2010، وقد مرّ على إجراء المقابلة الأولى حوالي سنتين؟

      اليوم هو الثلاثاء 5/1/2010 ، تغيبت عن عملي يوم الأحد في 3/1/2010 في وزارة الداخلية الفلسطينية وذلك بسبب مظاهرة طارئة انطلقت في الساعة الثالثة من فجر ذلك اليوم منعتنا من النوم، ردا على تحرشات الجيش الإسرائيلي. لقد بدأ الجيش بإلقاء القنابل الصوتية على منازل الأهالي الفلسطينيين في قرية بـُدرس في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، مع إطلاق نداءات عبر مكبرات الصوت من داخل سياراتهم العسكرية وهم يجولون في القرية ويقولون: "عليكم منع الأطفال من التوجه إلى الجدار وإلا ستلاقون منا مثل هذا الإزعاج الليلي." وكان الجيش يتقدم هذه السيارات العسكرية وهو يلقي بقنابل الصوت المريعة إلى داخل البيوت الآمنة لترويع سكانها من أطفال وشيوخ ونساء... وكردة فعل على هذا الحدث، تجمع سكان القرية واتجهوا نحو الجدار وقاموا بتظاهرة، وأطلقت باتجاههم قنابل الصوت وقنابل غاز وكأننا بوضح النهار.

    • *عايد! بعد عرض فيلم بـُدرس ضمن مهرجان دبي السينمائي، ما هو تقييمك للفيلم، وما هو انطباعك حول ردة فعل المشاهدين؟ هل يمكن للتغطية الإعلام المركزة أن تعطي دفعة كبيرة للنضال؟

      لقد سُررت جدا لتفاعل الناس مع الفيلم؛ كان الحضور مميزا وتعاطي الجمهور مع الفيلم كان كبيرا. سُررت جدا بحضور شخصيات إعلامية وفنية من العالم العربي وشخصيات فنية أجنبية، كما أن انفعال الجمهور بعد انتهاء الفيلم وشدة وحرارة التصفيق التي تلت عرض الفيلم يبعث على التشجيع... أعتقد أن المقاومة الشعبية ستكون شيئا آخر بعد الفيلم بإذن الله. أقول إنّ الفيلم يـُكمـّل الهدف الذي وضعناه نـُصب أعيننا في صناعة نموذج في المقاومة الشعبية. حيث كانت لدينا قناعة سابقة بأن الحديث والتخاطب وإلقاء المحاضرات حول المقاومة الشعبية وضرورة إشراك الناس بها لا يكفي، وبأنه لا بد من خلق نموذج حي على الأرض ليقتدي به الناس. فيلم بـُدرس يساعدنا على نشر النموذج على طبيعته، فهو يتكلم عن قصة بـُدرس، وبداياتها، والإستراتيجية، والقيادة، والشكل، والهدف، والنتيجة... إنني متأكد من أنّ هذا الفيلم سوف يلعب دورا هاما في تعميم المقاومة الشعبية في جميع أنحاء فلسطين. فهذا هو النموذج الذي ننظر له على أنه أسهل الطرق للوصول إلى الأهداف الوطنية التي تتمثل في الحرية وإقامة الدولة المستقلة. في تصوري القضية ليست قضية مقاومة شعبية، إنـّما هي قضية حرّية، والمقاومة الشعبية ليست هدفا للشعب الفلسطيني بل إنـّها وسيلة للوصول إلى الهدف. فنحن في المقاومة الشعبية نشعر أن أنها هي الوسيلة الأسهل والأمثل للوصول إلى الهدف الوطني ألا وهو الحرّية. إن تعميم المقاومة الشعبية في العالم ليس هدفا بحد ذاته، إنـّما الهدف هو إقناع العالم بالرسالة الفلسطينية التي تحملها المقاومة الشعبية. والرسالة التي تحملها المقاومة الشعبية إلى العالم بأسره هي أن الفلسطينيين هم شعب يعيش فوق أرضه ومن حقه أن يمارس المقاومة، ومن حقه أن يبني حياته باستقلال وحرية مثلها في ذلك مثل أي شعب في العالم. ونحن نمارس المقاومة الشعبية من أجل تحقيق الحرية وإقامة الدولة، فمن حقنا أن نمنح أطفالنا الأمل بأن ينعموا بالسلام، والحرية، والأمان أسوة بغيرهم من الشعوب التي تعيش على هذا الكوكب.