حاجيت عوفرون
    باحثة وناشطة
    quote
    "النشاطات الجماهيرية، والتي هي برأيي أهم من الناحية الديمقراطية، وأعتقد أنها أقوى، إذ يجب أن يرفع الجمهور صوته عالياً لكي تخاف الحكومة، وهذا ما يجب أن نحاول فعله."

    خلفية

    الإقامة: القدس مسقط الرأس: القدس سنة الولادة: 1975 الهُوية: اسرائيلي, يهودي مجال العمل: التعبئة السياسية الجماهيرية الأبحاث والتنمية الموقع: Peace Now مكان العمل: حركة "السلام الان" أجرت المقابلة: ليئورا غال وآيرين ناصر في العام: 2010
    مولودة في القدس وترعرعت في كنف عائلة ارثوذكسية سياسية التفكير، درست "هاجيت أوفران" واهتمت بشوق بتاريخ وهوية الشعب الإسرائيلي واليهودي. اليوم، فهي مديرة لفريق مراقبة المستوطنات في حركة "السلام الآن"، حيث تنسق قاعدة البيانات الأكثر شمولا واستقلالا على المستوطنات، تجمع وتنشر تقارير بشأن تطور المستوطنات وشاركت في تقديم أدلة لحملات عدة اغلبها التي تتعامل مع المشروع والبناء الاستيطاني الغير شرعي.

    • قلت إنك من خلفية دينية يسارية. كيف أثر هذا عليك؟

      تربيت في بيتٍ اهتم كثيراً بالدراسة والتعليم، وتوفر لديَّ الوعي بقضايا شعب إسرائيل، فشخصيتي يهودية ويهمني جداً شخصية شعب إسرائيل، الشعب اليهودي، ووجه اليهودية، هذه هي الأمور التي انشغلت بها في البيت. كنت ضمن مجموعةٍ صغيرة من المتدينين اليساريين وكنا منشغلين بموضوع شخصيتنا الدينية الحالية في إسرائيل. الاهتمام بالقضايا العامة تعلمته في البيت من طريقة تربيتي، ويبدو أن هذا أثَّر أيضاً على مشاركتي في الموضوع الأكثر إلحاحاً وأهمية حسب رأيي– وقف الاحتلال.

    • ما الذي جذبك للمشاركة في الجولات في الأراضي المحتلة؟

      يبدو أن لديَّ ميولاً إلى تاريخ شعبي، ففي الجامعة تنقلت بين عدة كليات إلى أن أنهيت البكالوريوس، وقد كان في تاريخ الشعب اليهودي. بعد ذلك التحقت بدورة مرشدي طرق، لمدة سنتين من الدراسة، تعرفت خلالها على تاريخ شعب إسرائيل وشعوبٍ أخرى في إسرائيل. لديَّ ميلٌ إلى أرض إسرائيل، لتلك المناطق التي ليست لنا من ناحيةٍ سياسيةٍ، والتي لن تكون لنا في يوم من الأيام، أريد التعرف عليها قبل أن نفقدها. وهناك شيءٌ يجذبني إلى الجمهور الفلسطيني، حيث تعلمت اللغة العربية، كما أن لديَّ فضولٌ كبيرٌ تجاه الفلسطينيين يجعلني استمتع بلقائهم والتعرف عليهم والتعلم منهم، وأتعلم كيف أتعرف عليهم.

    • ما هي المهمات التي تقومين بها في إطار عملك؟

      هناك مهماتٌ يومية – منها متابعة ما يحدث في المستوطنات، وتوفير معلومات حول موقع المستوطنات، والطرق المؤدية إليها، ومتى بنيت هناك، وماذا يبنون هناك، ومن هم سكانها – توفير مصدر معلومات عن المستوطنات، وتعتبر اليوم حركة "السلام الآن" مصدر المعلومات المستقل الوحيد في هذا المجال. سيدة حكيمة قالت لي إن المهمة الأكثر أهمية بالنسبة لي هي الحفاظ على إنجازات من سبقني، وهو السمعة الجيدة لمنظمة توفر المعلومات الدقيقة والأمينة عن المستوطنات. أي أن الشيء الأهم هو الحفاظ على دقة وصحة المعلومات، وهذا ما أحاول القيام به، وهذا يعني أن أذهب لمتابعة ما يجري هناك ومتابعة كل إعلان يصدر عن الحكومة، وعن مكتب الإحصائيات المركزي، ومتابعة إعلانات المركزين عن البرامج، ومحاولة معرفتها و كتابة تقارير عنها ، وتزويد الصحافة الإسرائيلية بالمعلومات ليطَّلع عليها الجمهور الإسرائيلي. ليست لديَّ صعوبة في قول الحقيقة، وليس هناك ما يدفعني للكذب، ولكن أحيانا لا تتوفر لي معلومات دقيقة، وفي أحيانٍ أخرى تكون المعلومات جزئية. الجميع يسألونني: هل هناك تجميد للاستيطان بالفعل؟ هل يخترقون قرار التجميد أم لا؟ جوابي دائماً أنه من السابق لأوانه معرفة ذلك، في الإدارة المدنية يعرفون بالضبط لأن لديهم قائمة توضح الأماكن المسموح البناء فيها والأماكن غير المسموح. لا تتوفر لدي مثل هذه القائمة، بل تتوفر صورٌ مختلفة – بعضها عن قرب وأخرى عن بعد. عملية التجميد هي جزئية وبمفهومٍ معين لا يوجد تجميد، فإذا ما ذهبتم إلى المستوطنات تجدون حوالي 3000 وحدة سكنية قيد الإنشاء، أي أن عملية بنائها لم تكتمل بعد، أي تجميد هذا؟ التجميد يعني عدم البدء ببناءٍ جديد. من ناحية ليس هناك تجميد بناء، لأننا نشاهد عمليات بناء ومن ناحيةٍ أخرى، هناك قرارات غير مسبوقة حيث أن الحكومة الأكثر يمينية التي كانت لنا قررت بأمر مفصل منع بدء أي عملية بناء جديدة، الأمر الذي لم يفعله حتى رابين. لا أريد القول إنه لا يوجد أي تجميد وإن الأمر لا يعدو كونه هراء، ولكن عندما يحدث شيء حقيقي، من المهم لديَّ أن أبرز النجاحات، رغم أنها نجاحات جزئية، لا تكفي للوصول إلى مفاوضات، وأن الأمر مجرد لعبة من الحكومة. هناك أيضاً عمل يتعلق بالجوانب القانونية، خصوصاً الالتماسات المقدمة لمحكمة العدل العليا ضد فعاليات لها علاقة بالاستيطان – بناء غير قانوني، ونقاط استيطانية غير قانونية، وحفريات تنقيب عن آثار في القدس التي أعتقد أنها غير قانونية، وما إلى ذلك. العمل في هذا المجال يتطلب جمع معلومات، وجمع أدلة، وفي الكثير من الحالات يتطلب الاتصال بأصحاب أراضي فلسطينيين، أو مقدمي الالتماس الفلسطينيين للحصول على الوثائق المطلوبة لمتابعة القضية. هناك أيضاً عملية إعداد الخرائط الجوية على الحاسوب ومقارنتها بالخرائط السابقة، هذا عملٌ متنوعٌ يتضمن لقاءات مع الكثير من الناس وجولات ميدانية.

    • لماذا يشغلك موضوع المستوطنات إلى هذا الحد؟

      لأنها التجسيد اليومي للاحتلال، وهي الشيء الأكثر وضوحاً ودلالةً على الاحتلال، وفي حالة أننا توصلنا إلى مفاوضات واتفاق، فالمستوطنات ستكون هي العقبة، ف لو لم تكن مستوطنات اليوم لما كان احتلال، وحتى بالنسبة لدولة اسرائيل، لو لم تكن هناك مستوطنات لما كان ثمن الانسحاب من المناطق المحتلة باهظاً، فجميع مظاهر الاحتلال كالحواجز، والسدود، والتصاريح، والبنى التحتية التي بنيناها تنبع من الحاجة لحماية المستوطنين، وهذا هو جوهر الاحتلال حالياً. على المستوى الرمزي، بالنسبة لدولة إسرائيل، وافقنا ضمن اتفاقات أوسلو على إقامة دولة فلسطينية، كيان فلسطيني، وأخرجنا جنودنا من المدن الفلسطينية، وبالنسبة لنا، بالنسبة للوعي الإسرائيلي اعتبرنا أننا صنعنا سلام، ولكن خلال كل هذه السنوات واصلنا الاستيطان، ماذا يعني هذا للفلسطينيين؟ إنه ليس لدينا أية نية للخروج . إذا ما كنت تبني هنا فهذا يعني أنك لن تخرج، وأنك ستبقى. يوم أمس كنت في زيارة في بيت لحم لصديقٍ لي يدعى علي من قرية الخضر. من الناحية القانونية تبدو قصته بسيطة، ولكن فعلياً الأمر مضن. ففي عام (1999) قام في إطار عمله مع الأمم المتحدة وتحديدا (UNDP)، التي تساعد المزارعين، قام بتنظيم حملة لاستصلاح الأراضي في منطقة بيت لحم، التي تسمى "غوش عتصيون"، وهذا العمل يتطلب الكثير من الإعداد والتحضير مع المزارعين، حيث عمل مع مجموعة من (UNDP) والمزارعين في ثلاثة عشر موقعاً في المنطقة. حصلوا (الفلسطينيون) على تصاريح من الإدارة المدنية باعتبارهم أصحاب الأراضي، وحين رأى (المستوطنون) ذلك جن جنونهم، وأطلقوا على ذلك "نقاط استيطانية فلسطينية" وذهبوا إلى قائد المنطقة الوسطى وقالوا له: "رئيس الإدارة المدنية أعطى الفلسطينيين تصريحا لإقامة نقاط سكنية." بالتالي يدور صراع على الأرض. وماذا ادعوا؟ ادعوا أن الفلسطينيين يسيطرون على الأراضي التي كان بإمكاننا الإستيلاء عليها نحن. كان المطلوب من علي ومجموعته العمل فقط في أراض مزروعة، وهذا يعني أن المشروع برمته لا يساوي شيئاً لأن الأرض مزروعة أصلاً، وليست بحاجة لتلك الجهود. بعد سنة اندلعت الانتفاضة الثانية وساد العنف في المنطقة، حيث حوصرت منطقة الخضر وبيت لحم، وأصبح محظوراً على السكان الخروج من المنطقة... ومضت أسابيع لم يتمكن فيها الفلسطينيون من الوصول إلى أراضيهم، بينما يشاهدون أربعة مساكن مؤقتة (للمستوطنين) توضع في أرضهم، فاستعانوا بمنظمات حقوق الإنسان لتوفير محامٍ لهم، وتقدموا بالتماس للمحكمة مطالبين بإخلاء أراضيهم. فردت المحكمة عليهم: إذا ما كنتم تريدون أن يخلوا أراضيكم، عليكم استخراج أمر إخلاء، وبذلك تجبرون الدولة على إخلائهم. بالنسبة لدولة إسرائيل فالحديث يدور عن مبانٍ مؤقتة غير قانونية. ولم يحصلوا على تصريح لاستخدام الأراضي، ولا يوجد خارطة هيكلية تسمح لهم بوضع مبانٍ مؤقتة، ولا يوجد كذلك قرار حكومي بإقامة مستوطنة جديدة. والإدارة المدنية أصدرت لهم أوامر هدم ولكن أحداً لم يفعل شيئاً بهذا الخصوص. ابنة عم علي حاولت هي الأخرى وخسرت. قالت لي شيئاً مهماً: "في كل مرة كان يُبنى فيها مستوطنة هنا كانت تُثار الشكوك أنه ربما أن ذات الشخص باع الأرض. لم أصدق إلا عندما حدث ذلك لي – أنت تحاول وتقاوم بالفعل ولكنك لا تنجح". حاولنا التوجه مرة أخرى إلى محكمة العدل العليا بدعوى أخرى، وطالبنا بتنفيذ قرار الهدم الصادر عن الإدارة المدنية. لا يوجد للمستوطنين أي تصريح بالتواجد هنا، إذاً أخرجوهم وأوفوا بالتزاماتكم. كان هذا التماساً قوياً قدمناه قبل أكثر من سنة، ولكن في كل مرة يتم تأجيل النظر فيه.

    • هذا يقودني إلى سؤال عن الاستراتيجية. كيف تختارين الاستراتيجية التي تعملين بموجبها؟

      هذا السؤال يتردد دائماً. نحن نذهب إلى محكمة العدل العليا كوسيلة ضغط على الحكومة، والتي بدورها تخترق أصول اللعبة الديمقراطية بتقاعسها عن تطبيق القانون. قولوا إنكم تخترقون أصول الديمقراطية، وتصادرون الأراضي، وتسنون قوانين جائرة تحرم الفلسطينيين من أراضيهم وتبني عليها المستوطنات. شرّعوا قانونا كهذا، وقولوا للناس لكي يعرفوا لمن يصوتوا وماهي سياسة دولة إسرائيل. لذا يتوجب علينا الذهاب إلى المحكمة وممارسة الضغط على الحكومة.

    • في كثيرٍ من الحالات لا يأتِ التوجه إلى المحكمة بأية فائدة.

      أعتقد أن التوجه إلى المحكمة يعود بالكثير من الفوائد ذلك أنه يُجبر الحكومة على مواجهة المشكلة. مثلاً، في إحدى ملفاتنا، لعام 2005، طالبنا بتنفيذ أوامر هدم لبيوت كانت قيد الإنشاء. طالبنا بإصدار أوامر هدم وقلنا: إما أن تهدموا أو على الأقل تتوقفوا عن العمل، إلا أنهم سمحوا لهم بمواصلة البناء وحالياً دخل مستوطنون إلى هذه البيوت وسكنوها، فكيف ستخرجهم منها أو ستهدمها. القضية مطروحة أمام المحمكة منذ أربع سنوات ونصف السنة وقد أبلغت دائرة الإدعاء العام للدولة المحكمة بأنها لن تنفذ أوامر الهدم لأنها تدرس إمكانية تأهيل هذه النقطة الاستيطانية – وهذا يعني إصدار خارطة، وبالتالي إصدار رخص بناء بأثرٍ رجعي. وهذا أمرٌ في غاية الأهمية – هذا يعني من الناحية السياسية أن دولة إسرائيل تُصرح بأنها تنوي إقامة مستوطنات جديدة بصورة منظمة. ليس هذا فحسب بل تعلن بأن الأراضي التي يملكها الفلسطينيون هي أملاك للدولة. فالدولة تدعي بأن هذه الأراضي ملك لها، لأنه لم تتم عملية استخراج قيود لهذه الأراضي. لذا نحن نحاول إحراجهم سياسياً – والدليل أنهم خلال أربع سنوات ونصف السنة لم يقولوا ذلك، فلهذا ثمنٌ سياسيٌ. مع ذلك، فتقريرٌ صحفيٌ هنا، ومظاهرةٌ هناك، ربما تدفع أحدهم هنا وفي العالم ل يعلن عن السياسة الحقيقية لهذه الحكومة. وهذا يشكل وسيلة ضغط مهمة. لديَّ مشكلة مع الجانب القضائي، ففي الكثير من الحالات يمكن التحرك على الصعيد القضائي، ولكن هذه وسيلةٌ غير فعالة على مستوى النتائج الفورية، بمعنى أن أرض علي، حتى وإن تم تنفيذ أمر الهدم غداً صباحاً، فليس من المؤكد أن يسمحوا له بالعودة لفلاحتها، لأنها "قريبة جداً من المستوطنة" وربما سيعلنوها منطقة عسكرية مغلقة.

    • ماهي المجالات الأخرى التي تعملين فيها، بالإضافة إلى الجوانب القانونية؟

      عندما نتوجه إلى المحكمة من المحتمل أن نخسر، وربما لأننا نركز جهودنا على الجانب القضائي، نهمل جوانب أخرى، هي الجوانب الجماهيرية، والتي هي برأيي أهم من الناحية الديمقراطية، وأعتقد أنها أقوى، إذ يجب أن يرفع الجمهور صوته عالياً لكي تخاف الحكومة، وهذا ما يجب أن نحاول فعله.أعتقد أن هذا ما حدث معي شخصياً خلال السنتين الماضيتين – بدأت بالتركيز على الجانب القضائي، وخلال عملي تعرفت على الكثير من الفلسطينيين، والكثير من القصص والرسائل التي تشكل بداية لإجراءات قانونية تحولت فيما بعد إلى التماسات قدمت لمحكمة العدل العليا. مع ذلك وجدت أن تركيز الجهود على الجوانب القضائية جعلني أهمل التحدي الأصعب ألا وهو الضغط الجماهيري، وهذا صعبٌ جداً لأن وضع معسكر السلام صعبٌ، ولا يؤمن الناس بأن هناك فائدة من الخروج إلى الشوارع وهكذا تسود حالة من اليأس...

    • قلت إن التوجه إلى الجمهور الإسرائيلي صعب. لماذا؟

      الحقيقة أن الناس يائسون. يمكن دائماً النظر إلى النصف الفارغ من الكأس أو إلى النصف الممتلئ. النصف المليء هو أن الإسرائيليين لم يتحدثوا قبل عشر سنوات عن تقسيم القدس، وإخلاء المستوطنات وتسوية موضوع اللاجئين. أما اليوم فإن أولمرت، وشارون، وتسيبي ليفني، والآن بيبي، جميعهم يقولون في نهاية الأمر كلمة "دولتين" سواءً كانوا راضين أو غير راضين عنها. وهذا يعني أننا انتصرنا وأن الجمهور أصبح أكثر استعداداً للذهاب لتقسيم هذه البلاد إلى دولتين، هذا هو الجانب الإيجابي. أما الجانب السلبي فيكمن في أنهم في ذات الوقت الذي يقولون فيه: "نعم للدولتين"، يقولون أيضاً: "لكن هذا لن يحدث أبدا"، أو "لن يوافق الفلسطينيون أبداً"، أو "ليس في جيلنا". كل طرف له مبرراته. هذا يعني أن الإحساس بعدم وجود شريك للسلام هو الإحساس السائد والمسيطر، وهذا يجعل الأمور صعبة جداً، لأن الناس لا يصدقون بأن هذا ممكنا "أنا مستعد، ولكن ليبدأ الفلسطينيون..." و "انظروا ماذا حصل في غزة"، وما إلى ذلك. على الصعيد السياسي أعتقد أن الخطيئة الأكبر التي تسببت لنا في هذه الضائقة هو ما قام به حزب العمل، حيث قادنا إيهود باراك إلى تسويات دائمة، وكانت تلك المفاوضات الأكثر جدية حيث تحدثوا عن: "من أين ستمر الحدود"، وأي المستوطنات سيتم إخلاؤها وأيها ستبقى، لكنه لم ينجح في التوصل إلى اتفاق. فبعد أن خسر باراك الانتخابات لصالح شارون أخذ يقول: "أنا لم أفشل – لا يمكن صنع السلام. أنا كنت على صواب، أثْبَتُّ للعالم أنه لا يوجد شريك." المعتدلون أو من يمثل التيار المركزي الإسرائيلي، معسكر السلام المعتدل يأتي ويقول: وصلنا إلى نتيجة أنه ليس هناك مايمكن عمله الآن. وماذا حدث إذاً لمعسكر السلام الذي لازال يؤمن بوجود شريك؟ انحدر إلى الهوامش، مع ميرتس ومع السلام الآن. السياسيون والخطاب الجماهيري المعتدل الوسطي تحرك باتجاه اليمين، وهؤلاء الناس (اليساريون) تحولوا إلى ما يسميه الناس "حالمون"، لأنه لايوجد لديهم فكرة لطرحها على المستوى السياسي. في إطار عملنا في السلام الآن، ما نحاول عمله هو التأثير على الرأي العام، ويجب علينا دائماً ربط ذلك بالمستوى السياسي ووضعه على جدول الأعمال السياسي كي يلقى صدىً في الحراك الجماهيري. في الكثير من المرات نتنازل عن بعض النشاطات لأننا نعتقد أنها حالمة ولن تجد صدىً على الصعيد الجماهيري. ولكن هناك دائماً خلاف حول إلى أي مدى يمكننا أن نتنازل لأنفسنا، وإلى أي مدى نقول لأنفسنا إنه حتى وإن كان ذلك لن يجد صدىً على الصعيد الجماهيري إلا أننا يجب أن نحاول، هذا خطٌ رفيع. أين يتوقفون عن الإصغاء لك عندما تكون حالماً؟ وأين تتوقف عن التأثير كي تبقى داخل الإجماع الوطني؟

    • أنتم في حركة السلام الآن تنادون بحل الدولتين، إلا أن كثيراًمن الفلسطينيين لم يعودوا يؤمنوا بهذا الحل.

      ربما. أنا لا أعتقد أننا فقدنا هذا الخيار، وعندما يعقد اتفاق، أفترض أن معظم الشعب الفلسطيني سيوقع عليه، حتى أولئك الذين صوتوا لحماس سيوافقون على هذه التسوية – بشرط أن تكون تسوية حقيقية وليس مثل إتفاق أوسلو. التسوية الدائمة ستشمل إزالة مستوطنات، وشرقي القدس عاصمة لفلسطين، وحل عادل لقضية اللاجئين. أنا أؤمن أنه بالرغم من كون الفلسطينيين يفضلون دولة واحدة فإنهم سيوقعون، ويقبلون أيضاً بحل الدولتين. ربما أكون مخطئة، ولكنني لم أيأس بعد.أعتقد أن الدولة الواحدة ليست حلاً. ببساطة سوف تسفك دماء، وسيتحول هذا المكان إلى مكانٍ سيءٍ اقتصادياً واجتماعياً، وسيسود التطرف والعنف، وسيهرب من هنا من كانت لديه القدرة على الهرب، وسيبقى المتطرفون والمتدينون، وستكون هذه دولتهم الواحدة. هذا بشع. إذا أصبح هذا أمراً واقعياً، فسيكون أصعب عليَّ من الناحية المبدئية لأنني سأكون مطالبة بأن أسأل نفسي عن صهيونيتي، ولماذا لا تكون دولة واحدة، لماذا يجب أن تكون دولة ذات أغلبية يهودية؟ ولكن لحسن حظي، أنه لازال بإمكاني القول إنه لأسباب تكتيكية ستكون هذه كارثة وأن الدولتين يمكنهما أن يقيما نوع من الكونفدرالية أو التعاون على أساسٍ مستقل، لليهود أيضاً.

    • حركة السلام الآن تتوجه إلى المجتمع الدولي وتنشر معلومات وتقارير. كيف يؤثر ذلك على العلاقة مع الجمهور الإسرائيلي؟

      توجه إلينا الكثير من الانتقادات غير المبررة. اليمين يستغل ذلك لمناكفتنا، وكأن توجهنا وعلاقاتنا مع دول صديقة تريد مساعدة إسرائيل، وترغب في رؤية السلام هنا، عمل ضد دولة إسرائيل. وفي الوقت ذاته تقيم جميع المؤسسات التابعة لمستوطنين علاقات قوية مع نصف الجهات وترسل لها معلومات وتحاول التأثير على رأيها. مثلاً، لديهم لوبي في الولايات المتحدة، ويفعلون الكثير، حتى أكثر منا، بهدف الـتأثير على صناع القرارات في العالم. نحن نعيش في مكان يتدخل فيه العالم كثيراً، وليس مقبولاً عليَّ أن ي أسمح لجهة دون الأخرى بإقامة علاقات مع العالم والتأثير على مواقفه، أي أن يكون الأمر مسموحاً لليمين، وممنوعاً على اليسار. كثيرون يقولون عن عملي إنه عمل تجسسي، وإنني أكشف للعالم ما تفعله إسرائيل. أرد عليهم، بأنني أولاً أقول لإسرائيل ما تفعل حكومتها. ولكن يصعب شرح ذلك، خصوصاً في ظل الهجوم الممنهج ضدنا. المستوطنون يعتبروننا أعداء ولذلك يحاولون تشويهنا وعرقلة عملنا والإدعاء بعدم شرعيتنا. من الأسهل مواجهة المتحدث من مواجهة جوهر الموضوع، وهذا ما يفعلون. في المقابل عندما أحضر إلى فعاليات للأحزاب اليسارية، ليس فقط لحركة "السلام الآن"، دائماً يسخرون مني ويقولون: "جاء اليسار الصهيوني" – يسخرون مني!دائماً أسمع هجومهم: "أنتم أصلاً يمينيون، قوميون". من وجهة نظري، الأمر الأهم هو أن الناس في إسرائل يعتقدون بأننا تنازلنا عن المستوطنات.جميعهم يعرفون بأن المستوطنات المعزولة ستُخلى – هناك من يقول بأن "الكتل الاستيطانية لنا" في حين أن وراء هذه المقولة تقف وجهة نظر تقول إن المستوطنات غير التابعة للكتل الاستيطانية هي ليست لنا. أعتقد بأن الناس يشعرون بأننا لسنا في المناطق المحتلة، وهذا وهمٌ نفسيٌ صعبٌ جداً لأنهم لا يدركون "ماذا دهى الفلسطينيين؟ لماذا هم غاضبون؟ فنحن مستعدون، وافقنا، وهم الذين لا يوافقون، لا يكتفون". والخديعة هي أن الناس لا يعلمون أننا لا زلنا في الأراضي المحتلة. لدينا استعداد مبدئي للخروج من المناطق المحتلة، ولكن هذا لا يغير حقيقة أننا موجودون هناك ونواصل بناء المستوطنات،وعملياً فإن جميع منظومة الاحتلال مكرسة لاستمرار وجودنا في المستوطنات.

    • إذاً، كيف يمكن التأثير بشكل أفضل على الرأي العام في إسرائيل حول موضوع المستوطنات؟

      هذا سؤال المليون دولار. نحن نحاول التأثير على الجمهور بواسطة أكبر كم من المعلومات، ومن خلال توزيع المنشورات وتنظيم المؤتمرات والاجتماعات والمحاضرات – جميع هذه الطرق مباشرة – وكذلك عن طريق وسائل الإعلام، وهذا يتعلق بمدى اهتمامها بالمعلومات التي نوفرها، وإذا ما كنا مستعدين للحديث بلغة ترغب الصحافة في سماعها وإسماعها. الأمر الأكثر أهمية هو توفير أكبر قدر من المعلومات، وفي حالتنا لدينا أفضلية، ذلك أن معظم النقاشات تدور دون الإستناد إلى معلومات مهمة.

    • عندما تزورين المستوطنات هل تجرين حوارا مباشرا مع الناس هناك؟

      لا، لا أجري حوارا مباشرا مع المستوطنين في الميدان وأعتقد أن الكثيرين منهم غاضبون مني، لأنني لست مستعدة للحديث معهم. زيارة المستوطنة هي وضعٌ متوترٌ جداً بالنسبة لي وأحاول أن لا يشاهدونني، أبقى في السيارة. في الماضي كان بإمكاني الخروج والوقوف والتقاط الصور، وإذا ما رآني أحدٌ على الأكثر كان يشتمني، ولكن اليوم أصبح الأمر خطراً فعلاً، ربما يضربونني أو يرشقونني بالحجارة، وقد حدث أن رشقوني بالحجارة. أعرف أنهم يكرهونني، ويشتمونني، وأحياناً يمنعونني من الدخول إلى المستوطنة، وفي إحدى المرات منعوني من الخروج، وهذا مخيف أكثر. هناك أمور مخيفة أكثر، فمنذ فترة وزَّع المستوطنون فيما بينهم صورتي وصورة (درور أكتوس) وعلقوها على بوابات المستوطنات وطلبوا منعنا من الدخول، "هؤلاء أعداء داخليون". هذا يبعث على التوتر. يعلقون صورتي في المستوطنات، وكأنني أنا القضية. أنا لست القضية. التفاعل لا يجري في الميدان. أين يجري إذاً؟ أحياناً عبر البريد الالكتروني، أو الهاتف، أو أتلقى دعوة لمحاضرة، وهذا أمرٌ مختلف، حيث أنني مستعدة للحديث. كثيراً ما يحاول المستوطنون أخذ الشرعية مني، بأن يقولوا لي مثلاً: "صحيح أننا على خلاف ولكن يجب أن تتقبلينا" فأقول: "أنا أتقبلك كإنسان وليس كمستوطن". حسب رأيي عندما نقول "وحدة الشعب" "ويجب ألا تكون هناك خلافات"، هذا غير مناسب، فيجب أن تكون خلافات، ويجب أن يكون هناك جدل وأشياء نتنازع من أجلها، لكي يكون للناس علاقةٌ بما يحدث، ولكي لا يقولوا إن الأمرَ لا يهمهم – نحن متحدون.. أنا والمستوطنون من نفس العائلة، نحن من عائلة اليهود، وفي حالات معينة نحن عائلة بالفعل – أبناء عم أو ربما أخي الذي ترك السكن في المستوطنة قبل عدة أشهر – نعم في هذا نحن متحدون، ولكننا مختلفون جداً حول الطريقة. أنا لا أرى أية مشكلة في الجدل. لم لا؟ من المهم أن يكون هنالك جدل.

    • يتحدثون كثيراً في اليمين عن عنصرية في المنظمات اليسارية تجاه اليهود. كيف تواجهين هذا الإدعاء؟

      نحن نتابع عمليات البناء غير القانونية لليهود وليس للعرب، الحديث يدور عن مسألة سياسية. البناء غير القانوني للمستوطنين يعنيني، لأنه يجري في المناطق المحتلة ولأنه يضر بدولة إسرائيل، وليس لأسباب قانونية أو عدم قانونية بل لمسألة سياسية محضة. فأنا أرى في عدم قانونية المستوطنات أداة لتجاوز الطرق الديمقراطية لقرارات الحكومة. أعتقد أن بناء اليهود في المستوطنات يضر مباشرةً بدولة إسرائيل، بينما البناء غير الشرعي للعرب في الضفة لايؤثر أبداً على مستقبل إسرائيل، وليس له أهمية سياسية، لذلك لا نهتم به. بخصوص المخالفات نفسها، عندما يدور الحديث عن المستوطنات – هنا يكمن كل الفرق. أولاً، معظم البناء غير المرخص الذي يقوم به الفلسطينيون يجري على أراضٍ مملوكة لهم، بينما البناء غير المرخص الذي يقوم به اليهود يجري على أراضٍ تحت سيطرة الدولة، أو ما يسمى "أراضٍ أميرية"، أو على أراضٍ خاصة مملوكة لفلسطينيين. وبهذا فإن الموضوع ليس بنفس المستوى، لنقل إن المخالفة هي مخالفة أخلاقية. وأنا أقول هذا ويدي على قلبي:لن تجد أحداً من المستوطنين مستعداً لأن يكون مكان الفلسطينيين. وفرصة الفلسطينيين في الحصول على رخصة بناء أقل بكثير من فرصة تطبيق أمر الهدم ضد الفلسطينيين. بادرت الدولة إلى إقامة عشرات آلاف الوحدات السكنية في المستوطنات بينما لم تبنِ بيتاً واحداً للفلسطينين في الأراضي المحتلة، فلا توجد مساواة.

    • ماهي العبر الأساسية التي استخلصتها بخصوص الاستراتيجيات التي تعملين بموجبها، خصوصاً من أجل أُناسٍ آخرين يعملون ويريدون التعلم؟

      هذا هو سؤال الأسئلة. ذات مرةٍ بدأت بإجراء بحثٍ حول مسألة كيف أن النضال الجماهيري يحقق نتائج إيجابية– وأعتقد أن هذا كان نضالاً جماهيرياً – وهو الذي أدى إلى إنسحابنا من لبنان، حاولت أن أفهم كيف فعلوا ذلك، وكأن هناك صيغة يمكن استنساخها. للأسف لا توجد صيغة كهذه، وخصوصاً أن الحديث لا يدور عن معركة مثل الانسحاب من لبنان أو "الافراج عن جلعاد شاليت" بل "عن إنهاء الاحتلال"، لأن الحديث يدور عن تحولٍ أكبر. أعتقد أن المفتاح موجود لدى الجمهور الإسرائيلي. إذا ما طالب الجمهور الإسرائيلي بإنهاء الاحتلال أو حتى سمح بذلك، فإن ذلك سيحدث.

    • ما هي جذور الصراع من وجهة نظرك؟

      جذور الصراع هي في النهضة القومية في القرن التاسع عشر والعشرين، وفي عودة اليهود إلى أرض إسرائيل، وفي الصهيونية، حيث أتى اليهود إلى هنا فجأة وقالوا: "هذا وطننا"، أنا أيضاً أقول إن هذا وطننا، وطني، ولنا الحق في العيش هنا. ولكن جذور الصراع تكمن في أن هذا سيأتِ على حساب شعبٍ آخر يعيش هنا، هذه هي جذور الصراع. ماهي التأثيرات؟ ماهو الحل؟ الحياة المشتركة هنا في نفس الأرض على أساس تسوية. هذا يعني أن لا يحصل الطرفان على الحد الأقصى من مطالبهم، بل يكتفيان بالحصول على مصالحهم الأساسية، وهذا هو حل الدولتين. ولكن حتى وإن قلت إن جذور الصراع تنبع من الصهيونية ، ومن الصراع القومي على الأرض، فإن هذا لا يقلل من أهمية الاحتلال، لأن الاحتلال هو المشكلة الملتهبة، وهو الشيء الذي إن تمكنا من إخماده فإننا سننقل الصراع برمته إلى مستوى مختلف، مستوى شبه فلسفي، في اللحظة التي سننهي الاحتلال، يمكن لهذا الصراع أن يستمر دون أن يقتل أحدنا الآخر، وبهذا المفهوم تكون الصهيونية قد حققت انتصاراً كبيراً. في العام 1988 وافق الفلسطينييون ومنظمة التحرير الفلسطينية على مبدأ الدولتين، وقراري 242 و 338، وتنازلوا عن أرض إسرائيل الكاملة. العالم العربي كله مستعد للاعتراف بدولة إسرائيل ولتقبلنا، بما في ذلك تطبيع العلاقات معنا، في اللحظة التي نبرم فيها اتفاقاً، نكون قد انتصرنا! ويمكن الاطمئنان ولا يجب أن نقول دائماً: "سيسيطر العرب علينا". انتصرنا، الآن يمكن العيش، تعالوا نسمح لأنفسنا أن نعيش. مستعدين لقبولك– إذاً تفضل، وتوقف عن القتال. بالأمس تدخل أحد جيران علي في حديثنا قائلاً: "أنتِ تُطيلين عمر الاحتلال". لم يقل احتلال بل قال: "ظلم، استبداد". أعتقد أنه يريد القول إنني أعمل على تسهيل إمكانية استمرار الاحتلال. ولكن لا، هو قال هذا بطريقة أبسط بكثير: "هذه أرضٌ مقدسة، ومعروف أن الأرض المقدسة تلفظ الظلم، ولهذا يجب أن يبسط الظلم كامل نفوذه لكي تلفظكم الأرض". هو قال ذلك من منطلق ديني، فهو شخصٌ متدينٌ جداً. "وأنت بمجيئك هنا لمساعدتنا، إنما تطيلين عمر الظلم". هناك شيءٌ في أقواله. عندما ألتقي زملائي الميدانيين من المنظمات اليسارية، كثيرون منهم يقترحون صيغاً مختلفة للمقاومة، وهذا يطرح الكثير من علامات السؤال. لدينا الكثير لنفكر فيه.

    • كيف تتوافق نشاطاتك مع نشاطات منظمات أخرى، ذات استراتيجيات مختلفة؟

      أنا سعيدة جداً بالتعاون الميداني بين المنظمات. هذه ليست مسألة تنظيمية، بل شخصية – أنا أعرف أشخاصاً يعملون في المكان من منظمة بتسيلم، وجمعية حقوق الإنسان، وأشخاص لا يعملون في منظمات بل ناشطون في مجموعات مثل "الشيخ جراح" أو "حاخامات من أجل حقوق الإنسان"، و"تعايش"، و"أبناء إبراهيم"، و"كاسرو الصمت". هناك تعاون يومي وشخصي مع مثل هؤلاء الأشخاص – أتلقى مكالمات هاتفية، ويشاهدون أشياءً أو يزودونني بمعلوماتٍ مهمة في مجال عملي. تتوفر لدينا إمكانيات كبيرة في مجال رسم الخرائط والمعلومات التي جمعناها، التي تستفيد منها مؤسسات أخرى – خارطة حقل لشخص مُنع من حرثه، أو صورة جوية تلزم لقضية مطروحة أمام القضاء وأشياء أخرى، يمكنني بسهولة إعداد خارطة. أنا أستمتع بهذا التعاون. على المستوى التنظيمي الموضوع يبدو أصعب، لأن لكل واحدٍ مصالحه التنظيمية والجهات الداعمة التي يجب أن يحرص على استرضائها للحصول على الدعم. ولكن على المستوى الشخصي بين الناشطين الميدانيين، فالجميع لديهم هدفٌ مشتركٌ واحدٌ، وهذا ممتعٌ، أشعر أن هذا جزءٌ من الشخصية الاجتماعية. أعتقد أن اليسار الإسرائيلي تعلم أن يُثمن ما تفعله حركة "السلام الآن"، ذلك أنه وفي نهاية الأمر، بالرغم من كل الاحباط وقد يكون هذا محبطاً جداً، لازالت لدى "السلام الآن" القدرة على التأثير وهذا ليس فقط لأسباب تاريخية كون "السلام الآن" موجودة منذ ثلاثين عاماً، بل بسبب طريقتنا في العمل، التي تعتمد المنطق. فأحياناً لا تحظى مظاهرة كبيرة جداً بالاهتمام الجماهيري والإعلامي في حين تحظى فعالية لقلة من الناس بصدى جماهيري أوسع. كل شيء متعلق بالتوقيت وبالسياق السياسي للفعالية. هذا عمل استمر لسنواتٍ واكتسب تجربة الحديث بلغة يتقبلها التيار المركزي – أو على الأقل يكون بإمكان الصحافة التي تزود التيار المركزي تقبلها. هذا جهدٌ مضن ومهمٌ يقع على كاهل أشخاص، يسرني أن أكون جزءاً منهم.

    • ماهي العلاقة بين العمل الذي تقومين به في متابعة المستوطنات وبين اتفاق السلام المستقبلي؟

      أعتقد أن عملي يساهم في إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام. أحياناً أفكر بأن لدينا تأثير وقائي، رغم أن مستواه صغير، فمثلاً في موضوع النقاط الاستيطانية، وكانت هذه طريقة متبعة لإقامة المزيد من المستوطنات، ولكنها توقفت، لا يقيمون المزيد من المستوطنات. لم يكن هذا بفضل "السلام الآن" وحدها ولكنها ساهمت كثيراً فهي "السلام الآن" التي طرحت الموضوع على جدول الأعمال الجماهيري وقدمت التماسات، وكان ثمناً باهظاً بالنسبة للحكومة. فمنذ عام 2005 لا توجد مستوطنات جديدة. لا توجد مثل ألعاب الأطفال هذه، يبنون خياماً ويهدمونها، ولكن هذه ليست مستوطنات جديدة ذات بُنى تحتية – لقد توقفوا عن ذلك. عندما تحدث مفاوضات، إن شاء الله قريباً، فسيكون عدد المستوطنات المطلوب إزالتها أقل. وعلى صعيدٍ آخر، أنا واثقة بأننا نؤثر في الرأي العام، ولو بالقليل، إلا أنه من المهم أنَّ هناك من يُطلع الجمهور في إسرائيل، وأن هناك من يعبر عن هذا الموقف ويحارب لأجله، من أجل التهيئة لاتفاق السلام القادم، وحشد التأييد لهذا الاتفاق لجعله ممكناً.

    • أين ترين بصيص الأمل الآن؟

      قلت إنه في الرأي العام، الذي أصبح جاهزاً لاتفاق سلام، وفي كون نتنياهو يتجاوب مع الضغوطات، بالرغم من كونه استفزازي وماكر. أما إدارة أوباما فأنا لم أيأس منها بعد، ولكن ببساطة لا يمكن تعليق الآمال عليه. غير أن السلام ممكن، وأعتقد أنَّ معظم الناس في إسرائيل والفلسطينيين أيضاً سئموا هذا الصراع. فقط أعطوهم فرصة للحياة.

    • كيف تنظر عائلتك إلى نشاطاتك؟

      أعتقد أن هذا يسبب الحرج لبعض أقربائي. لديَّ عائلة كبيرة. حسناً ماذا يمكنني أن أفعل؟ عليهم مواجهة ذلك، فأنا قريبتهم. قلت إن عائلتي يساريين متدينين، وهذا الجانب الأغلب، وليس جميعهم يوافقونني. في المستوطنات يقولون لي: "أنت من عائلة عريقة" يقصدون بذلك ابن عمي، وهو حاخام مشهور في المستوطنات.

    • حدثينا قليلاً عن علاقتك بجدك المرحوم يشيعياهو ليفوفيتش

      بالنسبة لي هو كان جدي، وكان شخصاً يرغب الكثير من الناس في سماعه؟ دائماً كان يتردد عليه الناس للحديث معه في قضايا فلسفية وجودية، وفي أسئلة حول الحياة، والقيم. أنا أيضاً كنت أسأله كثيراً، أتحدث معه، أجلس معه. كان رجلاً حكيماً، كبيراً في مجاله العلمي الواسع، مستواه يفوق المتوسط. وكان أيضاً استفزازياً، يتحدث بطريقة تجذب الاهتمام، وأعتقد أنه كان يستخدم مصطلحات استفزازية بهدف إثارة الجدل ليس فقط في موضوع المناطق المحتلة، بل في مواضيع متعلقة بالمعتقدات. وعلاقتي بجدي أثرت عليَّ في الكثير من المجالات.

    • في كانون أول 2010 أبلغتنا حاجيت:

      نشاطاتي تتغير حسب جدول الأعمال السياسي. عندما التقينا تحدثت بيقينٍ عن تجميد الاستيطان – اليوم لا يوجد تجميد. اليوم يوجد بناء، أقول بناء بطريقة مجنونة، في أكثر من ستين – أكثر من نصف - المستوطنات. المستوطنات التي لم نشاهد فيها الكثير من البناء فجأة أصبح فيها مشاريع. الأمر مقلق خصوصاً في ضوء حقيقة أنه لا يوجد تجميد وبالتالي ليس هناك اهتمام بالبناء في المستوطنات. الحكومة قررت عدم تجميد البناء حالياً، وهذا القرار يترك الحبل على الغارب ويسمح بكل شيء. المستوطنون يمكنهم فعل كل شيء يحلو لهم بلا عقوبات.