الحاخام أريك أشرمان
    حاخام، ناشط حقوق انسان
    quote
    " لا بد لك من درع واق تتحصن به، وإذا غاب الدرع أو كان هشا أكثر مما ينبغي، فسوف تنهار. وإذا كان درعك سميكا أكثر مما ينبغي، فسوف تفقد الإحساس "

    خلفية

    الإقامة: القدس مسقط الرأس: ايري، بنسلفانيا سنة الولادة: 1959 الهُوية: اسرائيلي, يهودي مجال العمل: التعليم حقوق الانسان / المرافعة العمل المباشر غير العنيف العمل الديني الموقع: Rabbis for Human Rights مكان العمل: حاخامات من اجل حقوق الانسان أجرت المقابلة: انات لانجر-جال في العام: 2009
    الحاخام أريك أشرمان هو المدير التنفيذي ل"حاخامات من اجل حقوق الانسان" في اسرائيل. تدعو "حاخامات من اجل حقوق الانسان" لحقوق الانسان والعدل الاجتماعي المبني على التطبيق الانساني لليهودية، وتناضل ضد نزع ملكية الفلسطينيين لاراضيهم، هدم البيوت، استيلاء المستوطنين على الاراضي، كما تناضل للحقوق الاجتماعية للمشاركين في خطة ويسكونسن وامثالها من خطط. تنخرط المؤسسة ايضا في النضال ضد التمييز الموجه للفلسطينيين في القدس الشرقية وخصوصا في حي الشيخ جراح.

    • أنت تعمل مع "حاخامات من أجل السلام" منذ قرابة خمس عشرة سنة، حدثني من فضلك كيف توصلت للقيام بهذا العمل؟

      لطالما كان شيئا من رؤيتي منذ كنت في سن الثالثة عشرة ما نسميه حاليا "إصلاح العالم"، وهذه الفكرة تقوم على محاولة تعزيز بعضا من التعاليم الأخلاقية للتقاليد اليهودية المتعلقة بطريقة تعاملنا مع نظرائنا من بني البشر. عتقد أن هذا نابع من الخلفية التي تربيت عليها من قبل والديّ، وحاخاماتي، ومجتمعي، وعائلتي، وهي أن من المكونات الأساسية للشخص اليهودي أن يحرص على حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية على مستوى العالم، وأن لا يدير لها ظهره، أي أن لا يقف متفرجا بينما جاره ينزف. تلك الأشياء غرست بداخلي في وقت مبكر، سواءً عن طريق التعليم أو الاقتداء بالغير. وكثير من النماذج التي كان يطلب منا الاقتداء بها، حتى في المدارس الدينية، كانت للناس الذين يسعون لتحقيق العدالة الاجتماعية. هؤلاء كانوا قادة حركة الإصلاح، وكانوا بمثابة الكتب المدرسية التي نقرؤها، وكانوا يأتون للتحدث إلينا، ويجعلوا الدموع تفيض من عيني، كما أستطيع أن أجزم أن والديّ كانا نشيطين جدا في كافة المجالات في المجتمع. وأعتقد أنه رغم توفر الميول لدي، إلاّ أن بعض اتجاهاتي السياسية المحددة تبلورت أثناء سنوات الجامعة. كانت فترة تعلمت خلالها الكثير. الأمر الأكثر أهمية والذي كان علامة فارقة بالنسبة لي هو الحركة المناهضة للتمييز العنصري، والدفع باتجاه أن تتخلص جامعة هارفارد من شركاتها الاستثمارية العاملة في جنوب أفريقيا. 90% من تلك المنظمات الناشطة كانت يهودية، ومعظمها لم يكن لنشاطاتها علاقة بكونها يهودية. كثير من الناس كانوا ضمن الجالية اليهودية في الحرم الجامعي المعروفة باسم "هيليل"، وفي الغالب لم تعنى كثيرا بمواضيع العدالة الاجتماعية. وهذه الأمور كانت ترتبط ارتباطا وثيقا في نظري لدرجة أني كنت أشعر بالإحباط والإرباك لأن الآخرين لم يروا ما كان واضحا وضوح الشمس بالنسبة لي. كنت أنوي التوجه مباشرة من الكلية الى المدرسة الحاخامية، لكن الله كان له رأي آخر. في الحقيقة لم أحصل على القبول، وقيل لي أن أتقدم مرة أخرى، ولكن قبل ذلك ينبغي أن أخرج للقيام ببعض الأعمال في العالم أولا، بدل أن أنتقل من مدرسة الى أخرى. كان ذلك مؤلما في حينه، ولكنهم كانوا على حق. كنت أجادل قليلا لأنني سمعت عن هذا البرنامج الذي يدعى "متدربون من أجل السلام"، وكان برنامجا رائعا، وللأسف لم يعد قائما. ومن خلال البرنامج كان العرب واليهود من سكان إسرائيل، ومعهم أناس من خارج البلاد مثلي أنا، كانوا يعملون سويا على تعزيز التعايش بين اليهود والفلسطينيين من سكان إسرائيل. قلت في نفسي إن ذلك عملا مذهلا أريد القيام به، وفي مدرسة الحاخامية قالوا لي: "مثل هذا العمل هو ما نريد أن نراك تقوم به." أمضيت سنتين في طمره، وهي قرية فلسطينية إسرائيلية في الجليل، وكنت أعمل على تعزيز التقارب بين اليهود والفلسطينيين من سكان إسرائيل. في ذلك الوقت قررت أن أنتقل للعيش في إسرائيل، وقررت أن عملي طيلة حياتي سيكون هنا. لم أفكر يوما أنني صهيوني، لأنني لم أكن أؤمن، ولا أؤمن الآن بأن جميع اليهود يجب أن يعيشوا في إسرائيل. بعض الاتجاهات الصهيونية أراها بغيضة وعنصرية، في حين أتفق مع تيارات أخرى كثيرا. لكن القاسم المشترك هو حركة تحرير الشعب اليهودي. وخلال السنتين حيث عملت مع "متدربون من أجل السلام" بدأت أشعر نوعا ما أن الناس الذين يقومون بهذا العمل في إسرائيل هم مجتمعي، وبدأت أشعر بأن هذا هو المكان الذي أستطيع من خلال وجودي فيه أن أسهم إسهاما كبيرا في "إصلاح العالم". في إطار "حاخامات من أجل حقوق الإنسان" ينخرط المرء في أعمال حقوق الإنسان.

    • ما هو الشيء المهم الذي تود تحقيقه، وكيف تأمل أن تساهم في تحقيق هذا الهدف؟

      ثمة مستويات مختلفة لما نرغب بتحقيقه. من الواضح أن الغاية القصوى هي التوصل إلى عالم يعترف بحقيقة أن كل إنسان هو مخلوق على صورة الله، ولا يكتفي بهذا الاعتراف، بل يتصرف على هذا الأساس. إذا أردنا الحديث عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فلنضع ذلك في سياق ديني، كما أفعل أنا، أو في سياق علماني، أو أي سياق آخر، لمن يفضل ذلك. بالنظر إلى التاريخ، فالجيل الذي نعيشه قد شهد انهيار الاشتراكية والشيوعية. لقد شهدنا بعضا من أسوأ أشكال الرأسمالية، ومبدئيا فإن أي مذهب ظهر في الماضي، أو ستبتكره البشرية مستقبلا، يتوقف نجاحه أو فشله، ازدهاره أو انهياره على واقعية ممارسة أتباعه ومروجيه لتعاليمه، وإن كانوا ينظرون بإجلال إلى صورة الله التي تتجسد في كل إنسان. والأمر ذاته ينطبق على كل هذه الأفكار، ولكنها دون إجلال صورة الله، فسوف تنهار جميعا.

    • ما رأيك أن تذكر بعض الإنجازات على الصعيد الشخصي؟

      حاولت دائما أن أكون ابنا بارا، وأباً محبا. أعتقد أنني نجحت في تقديم نموذج يحتذى به من حيث كوني متدينا، وناشطا اجتماعيا، وخصوصا في ظل ما يعلموننا اياه بأنه ليس لنا الخيرة في أن نكف عن القيام بالمهمات الأساسية. لا يتوقع منا أن ننجزها كاملة وحدنا، لكنه لا يسمح لنا بالكف عن القيام بها. أتمنى وأعتقد أنني تمكنت من أن أكون ملهما للآخرين، بطريقة أو بأخرى، وخصوصا جيل الشباب، كنموذج للتدين، والالتزام بالعدالة الاجتماعية. للأسف، كثير من الأمور التي أفتخر بها هي أمور أتمنى لو أنه لم تكن حاجة للقيام بها. هنا فيما يتعلق بصراع الشرق الأوسط، تستحثني كل الأشياء التي لم تتحقق بعد. في السنة المنصرمة كانت الذكرى العشرين لتأسيس "حاخامات من أجل حقوق الإنسان"، لكن لم يكن هناك ما يدعو على الاحتفال، وذلك لأننا لو قمنا بواجبنا لما عادت هناك حاجة لوجودنا. لكنني أعتقد أن هناك إسرائيليين ينعمون برعاية صحية أفضل نتيجة أشياء قمنا بها. يوجد اليوم أناس في الخضيرة، وفي وادي عاره، وغيرها من الأماكن يندرجون في إطار خطة ويسكونسين الإسرائيلية، ويحصلون على قوتهم لأننا ساعدناهم على استرجاع مستحقاتهم. هناك مزارعون فلسطينيون يصلون إلى أراضيهم التي لم يكن باستطاعتهم الوصول إليها على مدى سنتين، أو خمس سنوات، أو عشر، أو خمس عشرة سنة. كما أن عملنا ساعد مزارعين آخرين على استرداد أرضهم التي استولى عليها المستوطنون. وهناك فلسطينيون يجدون سقوفا تأويهم تأويهم بسبب عملنا في مناهضة هدم المنازل. أحيانا أفكر أن ما نقوم به اليوم في إطار "حاخامات من أجل حقوق الإنسان"، والذي هو أهم من أي شيء نجحنا في تحقيقه تجاه الاحتلال على الأقل، على صعيد الحد من انتهاكات حقوق الإنسان أو التعامل معها، كان تحطيم الصور النمطية، وخلق الأمل. وحسبما أرى، فإن استفتاءا تلو الآخر يظهر الغالبية ذاتها من الإسرائيليين والفلسطينيين الذين يرغبون في اتفاق وتسوية من خلال المفاوضات. كما أن هناك نسبة أكبر من الطرفين يقولون نريد السلام، ولكن الطرف الآخر لا يريده، لذلك فليس هناك من نتحدث إليه. من الواضح أننا يجب أن نتوخى الحذر في طريقة كلامنا، حتى لا يبدو وكأن هناك نوعا من التساوي حين نتحدث عن الإسرائيليين والفلسطينيين، وذلك لأننا نحن الإسرائيليين نتمتع بقوة سياسية، واقتصادية، وعسكرية أكبر بكثير. لكنني أرى أننا نتساوى بطريقتين. الأولى أننا نشعر في أعماقنا بأننا ضحايا وتثور ثائرتنا إذا قال قائل بأننا الجلادون. "كيف تجرؤ على نعتنا بالجلادين؟ نحن الضحايا." أما الطريقة الثانية التي نتساوى بها فهي "أننا نريد السلام، وهم لا يريدونه،" فما الحافز لأن نمضي قدما، ونجازف من أجل السلام بينما لا يوجد من يبادلنا ذلك؟ لا أدرى كم من المرات توجهنا لإعادة بناء بيوت مهدمة، وكم من الآباء كانوا يصرون على أن يأتي الأطفال ليلتقوا بنا، وكما يحدث في ظاهرة دي جافو "من يشعر أنه عاش أحداث حالية من قبل" لقد سمعت مثل هذا الحوار مرارا وتكرارا – طفل في العاشرة شاهد للتو بيته يهدم، وأبويه يتعرضان للإهانة، ماذا تقول لطفل في العاشرة حين يقول لك: "أريد أن أكبر لأصبح إرهابيا؟"يجب أن نبين لهم أنه ليس كل إسرائيلي يأتي إليهم حاملا بندقية ليهدم بيوتهم، وإنما هناك إسرائيليون يأتون لمساعدتهم في إعادة بناء بيوتهم.وحين يغضب البعض من الدعايات التحريضية ضد الإسرائيليين في المدارس الفلسطينية، فإن سؤالي لهم هو: ما الذي سنفعله بهذا الخصوص؟ بدل أن نلعن الظلام، لنشعل شمعة. ما الذي سنفعله لندعم الوالد الفلسطيني الذي يريد أن يتعلم أبناؤه المزيد عن الإسرائيليين؟ بعض الفلسطينيين الذين عملنا معهم – وبلا شك في أوج الانتفاضة الثانية – كانوا يُسألون لماذا ينخرطون في نشاطات تعاونية سلمية مع الإسرائيليين. وعندما أصبحت بعض نتائج عملنا جلية للعيان، تمخض عنها دعم على أعلى مستوى من قبل السلطة الفلسطينية والمجتمع الفلسطيني. واحد ممن أعتبرهم أبطالا هو رجل أمضى في سجوننا الأمنية ثلاث عشرة سنة ورغم ذلك يقول: "كنت طرفا في المقاومة المسلحة، لكن لا يوجد دم على يدي." ثلاث عشرة سنة منحته ما يكفي من الوقت للتفكير، وخرج ليس يحترم السجناء فحسب، بل يلتزم باللاعنف. لقد رأيته يمسك بذراع شاب من الذين يرمون الحجارة حين كان يهم بقذف الحجر. كنا نتحدث عن أهمية أن زملاءه الفلسطينيين شاهدوا النجاح يأتي من خلال النشاطات السلمية. نحن الإسرائيليين نستطيع أن نتحدث عن السلام وحقوق الإنسان زمنا طويلا، ولكن –لا قدّر الله- إذا انفجرت قنبلة داخل حافلة في مكان ما في إسرائيل، فمن سيصغي إلينا؟ وكذلك حال الفلسطينيين من صناع السلام يستطيعون الحديث عن السلام طويلا، ولكن عندما تقضي قذائفنا الصاروخية على عائلات في غزة، فمن الذي سيصغي إليهم؟ لذا أعتقد جازما أن ما نحن بحاجة إليه هو أن نوجد تحالفا من الأمل. الغالبية هي ذاتها لدى الطرفين، وأنا فقط أو نحن كإسرائيليين يمكننا أن نغير الصور النمطية السائدة عند الفلسطينيين عن الإسرائيليين، وبالتالي فإننا نعزز موقف صناع السلام بين أبناء شعبهم. والفلسطينيون فقط هم الذين يستطيعون أن يصنعوا مني بطلا بين زملائي الإسرائيليين. أعتقد أن الطريق ما زال طويلا لتحقيق ذلك. أسمع باستمرار حين يأتي الناس ويشاهدوني أعتمر "الكيبا"- القبعة اليهودية- ويشاهدون لحيتي، فيتبادر إلى أذهانهم أنني مستوطن آخر من المجانين الذين يمارسون العنف... وتكون الدهشة حين تفكر أنني أمثل منظمة بأكملها من الحاخامات الذين يفكرون بطريقة مختلفة. ربما يكون ذلك وغيره من النجاحات الملموسة التي استطاعت أن تغير الصور النمطية عن الإسرائيليين، وتعزز موقف صناع السلام الفلسطينيين ليقولوا: "اسمعوا، يمكننا أن نحرز تقدما بمثل هذه الطريقة، ومع مثل هؤلاء الناس." ربما كان هذا أكثر أهمية من أي عمل آخر قمت به.

    • ما الذي تشعر أنك قد تعلمته من قيامك بهذا العمل؟

      هذا سؤال محبط جدا بالنسبة لي نوعا ما لأنني أعتقد بعد هذه الخبرة، وبعد أن اشتعل الرأس شيبا، أنه لا بد أنني اكتسبت شيئا من الحكمة. وفي هذه المرحلة ينبغي أن أكون قادرا على القول: "حسنا، هذه أفضل إستراتيجية، على الأقل في مثل هذه الحالة،" أو القول: "هذه أفضل إستراتيجية لمثل هذه الحالة،" وهذا ليس هو الحال. مع كل هذه الخبرة المفترضة، لا أزال أجهل أية إستراتيجية وأي تكتيك سوف يناسب وضعا معينا، وكل ما تعلمته هو أن على المرء أن يجربها جميعا، وفي عدد مدهش من الحالات - وليس في جميع الحالات- تنجح إحدى الإستراتيجيات إذا احتفظنا بالإيمان، وقمنا بما ينبغي علينا أن نقوم به.

    • أنتم تستخدمون التكتيكات السلمية في "حاخامات من أجل حقوق الإنسان"، وأحيانا تمارسون العصيان المدني. هل في الديانة اليهودية موقف من العصيان المدني؟

      شاركت في تجربة للعصيان المدني في 2004-2005 حيث كنا نقف أمام الجرافات التي أتت لهدم منازل فلسطينية في موقعين منفصلين في القدس الشرقية. وصادف اليوم الذي بدأنا فيه التجربة الذكرى السنوية للحاخام هيشيل، وكذلك يوم مولد مارتن لوثر كينغ، وكان الدور في أسبوع تلاوة التوراة على الآيات الأولى من سفر الخروج. وهناك تعلمنا عما قد يكون أول مثال في سجلات التاريخ للعصيان المدني، ألا وهو القابلات (العبريات) اللواتي تحدين فرعون. وسيكون من المغالاة أن أقارن نفسي بأي من هؤلاء، ولكنني بالتأكيد شعرت بأنني أحذو حذوهن، وأسير على نهجهن، وأسلك السبيل الذي بدأنه. لذا أعتقد أنه حتى في الإنجيل لدينا نموذج رائع للعصيان المدني. ومن المبادئ الأخرى التي تعلمناها وكانت في غاية الأهمية هو أن الوصايا كان لها مستويات، ودرجات. كنا نتلقى دروسا حول جميع أنواع القوانين، وباستثناء ثلاثة قوانين، فإن كل قانون يمكن، بل يجب أن يخرق من أجل إنقاذ حياة إنسان، وهو ما نسميه بالعبرية "بيكوح نيفيش". وهذا المبدأ يقوم على أن بعض الأشياء أهم من القانون. أود أن أتطرق إلى شيء آخر بخصوص فكرة الديانة اليهودية والعصيان المدني، وكذلك اللاعنف والعصيان المدني. واحد من تعاليم التلمود أتمسك به دائما وقد ورد في نص سانهدرين، وأنا أستخدمه لتحديد إذا ما كان مناسبا أو غير مناسب للدولة أن تلجأ لاستخدام القوة- وإذا كان مناسبا أو غير مناسب لها أن تخوض حربا، بيد أنني أعتقد أنه ينطبق كذلك على أخلاقيات العصيان المدني. يعلموننا أنه إذا كان شخص يطارد آخر شاهرا سكينا بهدف قتله، فعلينا ليس جوازا فقط بل وجوبا أن نوقف المطارِد- ليس لإنقاذ المطارَد فحسب، بل لإنقاذ المطارِد من نفسه سواء كان رجلا أم امرأة. لكننا نتعلم أنك لو قتلت ذلك المهاجم كي توقفه، وكان بمقدورك أن توقفه بأن تصيبه في قدمه، وحتى لو كان مقصدك فعل الخير، فأنت حسب التلمود تكون قد ارتكبت جريمة قتل. ومن هذا أشتق بضع قوانين. أول تلك القوانين أنه سواءً كانت دولة تخوض حربا، أو تهدم المنازل، أو نشطاء ينفذون عصيانا مدنيا، فأول ما يؤخذ بعين الاعتبار هو مقدار ما يترتب على ذلك العمل من نتائج. لو أنني حقا اعتقدت أنك ستنقذ أرواحا بشرية بهدمك للمنازل، فربما أصك أسناني وأقول إن حياة البشر أكثر أهمية، وبالتالي يجب القيام بذلك. وما نتعلمه من قصة إدانة من يقتل شخصا في الوقت الذي بمقدوره أن يوقفه بوسائل أخرى، فهو وجوب الالتزام بمبدأ الحد الأدنى من استخدام القوة. وعليه حتى لو كان هدم منزل سيحول دون عمل إرهابي، فلو توفرت طريقة أخرى أقل فظاعة لتحقيق الهدف ذاته، فلا يسمح باللجوء إلى ذلك العقاب الجماعي. لكن إذا كان علينا تنفيذ عصيان مدني كلما اختلفنا في الرأي مع سياسة ما فسوف تعم الفوضى. وبعبارة أخرى، استخدام الحد الأدنى من القوة يقصد به أن يكون العصيان المدني آخر ما نلجأ إليه، وليس أول الخيارات، أي أن نلجأ إليه حين لا يكون أمامنا خيار غيره. اعتراض جرافة جاءت لتهدم منزلا يختلف تماما عن إغلاق شارع بقصد الاحتجاج. وبالتأمل في أخلاقيات العصيان المدني، حتى في غياب نصوص في التلمود حول كيفية القيام بالعصيان المدني، أعتقد أن هناك تعاليم يمكننا أن نتأملها لنستخلص منها نوعا من الأفكار اليهودية. في موضع ما من النص التلمودي المسمى السبت "شبات" يعلموننا أن المرء إذا كان قادرا على الاحتجاج ولم يفعل تقع عليه مسؤولية. يعلموننا- على مستوى العائلة، أو المجتمع، أو العالم أنك إذا كنت تستطيع الاحتجاج على شيء ما ولم تفعل، تترتب عليك مسؤولية.

    • كيف تشعرون بأنه طرأ تغير على نشاطكم منذ الانتفاضة الثانية؟

      لا أعتقد أن عملنا طرأ عليه تغيير، رغم أن كل ما يدور حولنا قد تغير. نعلم أن الانتفاضة الثانية دفعت الكثيرين من النشطاء للاستسلام. وهذا الانهيار أثر على حركة السلام في هذه البلاد أكثر مما أثر في حركة حقوق الإنسان. وحقوق الإنسان قد تكون حتى أكثر أهمية حين تتعامل مع مشكلات النزاع. ولا يشترط في حقوق الإنسان وجود شريك في عملية السلام. بعد اندلاع الانتفاضة الأولى مباشرة، صدر قرار عن شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية بمقاطعة العمل مع المنظمات الأهلية الإسرائيلية. وحتى الآن لم يقاطعنا الفلسطينيون، بل استمروا في العمل معنا. كما استثنيت بعض المنظمات من المقاطعة التي قررتها شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، ومن بينها منظمات حقوق الإنسان.

    • كيف تشعرون بأنه طرأ تغير على نشاطكم منذ الانتفاضة الثانية؟

      لا أعتقد أن عملنا طرأ عليه تغيير، رغم أن كل ما يدور حولنا قد تغير. نعلم أن الانتفاضة الثانية دفعت الكثيرين من النشطاء للاستسلام. وهذا الانهيار أثر على حركة السلام في هذه البلاد أكثر مما أثر في حركة حقوق الإنسان. وحقوق الإنسان قد تكون حتى أكثر أهمية حين تتعامل مع مشكلات النزاع. ولا يشترط في حقوق الإنسان وجود شريك في عملية السلام. بعد اندلاع الانتفاضة الأولى مباشرة، صدر قرار عن شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية بمقاطعة العمل مع المنظمات الأهلية الإسرائيلية. وحتى الآن لم يقاطعنا الفلسطينيون، بل استمروا في العمل معنا. كما استثنيت بعض المنظمات من المقاطعة التي قررتها شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، ومن بينها منظمات حقوق الإنسان. أعتقد بوجود سببين جعلا الفلسطينيين يواصلون العمل معنا، أولهما أننا بذلنا قصارى جهدنا- ولا أدعي هنا بأي شكل من الأشكال أننا كنا مثاليين في ذلك- كي نعمل على أساس من المساواة. والسبب الثاني كان أننا حققنا بعض النتائج المرئية- من مكاسب عملية ملموسة استطاع الناس أن يقدموها على أنها نتاج عملهم معنا.نحن الذين أطلقنا أول نشاط فلسطيني إسرائيلي مشترك على مستوى كبير إبان الانتفاضة الثانية، وهو قطف الزيتون. وكان ذلك حين كانت القرى مغلقة ومحاصرة. خرجنا في مسيرات مع الفلسطينيين باتجاه أراضيهم. في البداية كان الجيش يعترض طريقنا، لكنهم في نهاية المطاف أصبحوا يوفرون لنا الحماية من المستوطنين الذين كانوا يقطفون زيتون (الفلسطينيين)، وما إلى ذلك. وفي السنة التالية بدأنا نرسل أتباعنا ليكونوا دروعا بشرية. في قرية ياسوف الفلسطينية كان المستوطنون من سكان مستوطنة كفار تبواح المجاورة يأتون على مدار ثلاثة أيام ويسرقون الزيتون (الفلسطيني). أطلقت النار باتجاه إحدى المتطوعات، وكانت بريطانية الجنسية. وكانت قوات الجيش أو الشرطة (الإسرائيلية) تأتي كل بضع ساعات في الجيبات، وتلقي نظرة ثم تنصرف. ولا داعي للقول أننا كنا نأتي في اليوم التالي لا لسبب، بل لمجرد التواجد مع الأصدقاء. ما حدث في ذلك اليوم على وجه الخصوص هو أن الجيش كان يوفر لنا الحماية في البداية، وبعد ذلك تجمع المستوطنون ومعهم كلابهم، وكنا ندرك من خلال الاستماع إلى أجهزة اللاسلكي أن الجيش لم يجد طريقة لمعالجة الموقف، ولذا كان أسهل عليهم بدل مجابهة عنف المستوطنين، أن يتخلصوا من النشطاء المسالمين اللطفاء، ومن ثم يغلقوا المنطقة ويعلنوها منطقة عسكرية يحظر الاقتراب منها، ثم يطردوننا من هناك. بعض النشطاء، وعلى لسانهم، كانوا على استعداد للوقوف دروعا بشرية من أجل قطف الزيتون. هكذا بدأت الأمور حقيقة حتى لو لم يكن ذلك نتيجة مباشرة للانتفاضة الثانية.

    • هل ترى علاقة بين ما تقومون به، وبين عملية سلام قد تحدث في المستقبل؟

      كنا نتنبأ بحدوث الانتفاضة الثانية قبل اندلاعها بسنة ونصف السنة- وأقصد الذين كانوا ينخرطون في أعمال ميدانية. وبالطريقة ذاتها كنا نشاهد العديد من الإسرائيليين يضيقون ذرعا بعملية السلام حين لم تكن السلطة الفلسطينية تبدي استعدادا لوقف الإرهاب، وكذلك كان الفلسطينيون من عامة الناس ينظرون إلى انتهاكات حقوق الإنسان المتواصلة ويقولون إن هذه ليست بعملية سلام. قبل أسبوع من قدوم أنور السادات إلى القدس، كانت استطلاعات الرأي تظهر معارضة بالأغلبية للأشياء ذاتها التي أصبح الإسرائيليون وبالأغلبية يتقبلونها بعد زيارة أنور السادات. مخاطبته للشعب الإسرائيلي من الكنيست قلبت كل الأمور رأسا على عقب. لا بد أن ينطبق هذا على كل ما تحدثت عنه سابقا حول أن العمل يغير الصور النمطية يمنح الأمل للناس في الطرف الآخر بأن هناك من يتحدثون إليه، وأن الواقع يمكن أن يتغير. كلما نجحنا في حماية أرض من المصادرة، أو من استيلاء المستوطنين عليها، أو أعدنا أخرى إلى أصحابها، كلما عززنا قناعة الفلسطينيين أنه لا زال هناك ما يعيشون من أجله إذا ما تحقق اتفاق سلام. عندما تتغير الصور النمطية ينبعث الأمل، ويرى الناس أن هناك في الطرف الآخر من يستطيعون من أجله تحقيق السلام. أعتقد على هذين المستويين، أن ما نقوم به ضروري لعملية السلام.

    • وما هي الخطوات التالية برأيك؟ ما هي إستراتيجيتكم للأعوام القادمة؟

      نمط عملنا المفضل هو أن نضع قدما بين العامة، والأخرى في مربع أصحاب النفوذ. لذا أبحث عن مواضيع يمكن من خلالها تنفيذ عمل ميداني على مستوى القاعدة، وكذلك يمنحنا المعرفة، والصوت الأخلاقي كي نتوجه إلى الصحافة، وإلى الكنيست، وإلى المجتمع الدولي، وإلى المحاكم وما إلى ذلك. بعض الناس لا يودون معرفة أن لدينا ديمقراطية في إسرائيل، لكنني حين أنظر كيف أننا مبدئيا من خلال محام واحد، وبعد ذلك عدد قليل من المحامين الآخرين يقومون بأشياء قليلة هنا أو هناك، استطعنا أن نستعيد آلاف الدونمات من الأرض لأصحابها (الفلسطينيين) أصحاب الحق. منذ السنوات العشر الأخيرة وأنا أقول إنه لو كان لدينا عشر محامين لاستطعنا أن نوقف 90% من حالات الاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية. لقد تلقينا للتو بضع منح مالية كبيرة، وأصبح لدينا ثلاث محامين بدل واحد، ونأمل أن يكون لدينا محام رابع في الصيف القادم. المزيد من الانتصارات القانونية للحيلولة دون الاستيلاء على الأراضي، واسترجاع أخرى هو بعض الإنجازات التي أراها نصب أعيننا. ونحن نبذل جهدا أقل في محاولة حماية منازل منفردة من عمليات الهدم. ونبحث حاليا عن طرق لرفض مبدأ السماح بعمليات الهدم من الأساس. كما أننا نعمل في مجال التثقيف حول الديانة اليهودية وحقوق الإنسان مع الجيش، ومع الشبان الذين يقضون سنة ما بين المرحلة الثانوية، وبين الخدمة العسكرية، للعمل في مجال العدالة الاقتصادية للإسرائيليين، ولللاجئين السودانيين الباحثين عن اللجوء في إسرائيل. لطالما كنت مقتنعا بأهمية النشاطات التربوية التي نقوم بها، ولكنني الآن أكثر قناعة بأهميتها من أي وقت مضى. بينما نخرج للبحث عن "السلام الآن"، كان هناك آخرون أصحاب رؤى مختلفة يعملون بهدوء، وبعيدا عن الأضواء على تثقيف العامة. أرى واضحا على الوجوه أن هذا الجيل مقتنع تماما بأنه على حق، وبأن الله إلى جانبهم. أرى ذلك في أماكن عديدة، وبالطبع ليس أمامنا 40 عاما لنتراجع عن ذلك. لكنني أجد أننا يجب أن نقوم حتى بأكثر مما قمنا به حتى الآن في مجال تثقيف الشباب الإسرائيلي. المواد التي ابتكرناها- وهي شروحات بالأسلوب التلمودي، وإعادة صياغة لإعلان الاستقلال، وعمل مع الأكاديميات قبل مرحلة الخدمة العسكرية- ينبغي أن نجد طرقا للقيام بأكثر منها بكثير. في القدس الشرقية سنواجه معضلة كبيرة. وسيكون الأمر مثيرا لأننا من ناحية كمنظمة حقوق إنسان لم يسبق لنا أن أعلنا موقفا من حق العودة للفلسطينيين. لكننا بكل تأكيد قد أعلنا موقفنا المناهض لمبدأ الكيل بمكيالين- أو ازدواجية المعايير. أعتقد أن أحد الأسباب التي جعلت تيدي كوليك، رئيس بلدية القدس الأسطوري يحذر طوال كل تلك السنين من مغبة فتح صندوق باندورا (صندوق الشرور بأنواعها) الخاص بالادعاءات الإسرائيلية (حول القدس الشرقية)، والتي مفادها أن هذه العائلات (الفلسطينية) في الشيخ جراح يجب إخلاؤها لأن جماعات يهودية كانت تمتلك الأرض قبل عام 48. بالطبع، كم من الإسرائيليين يودون أن نطبق مبدأ أن يعود كل منا إلى المكان الذي كان يعيش فيه قبل عام 48؟ في هذه الحالة سيكون الإسرائيليون هم الخاسر الأكبر في المعادلة. لكننا بدأنا نعمل مع الناس في الشيخ جراح: أخذنا أم كامل إلى المحكمة – وهي من أوائل الناس الذين تعرضوا للإخلاء- ومن ثم أقمنا خيمة رمزية في المكان الذي كانت تعيش فيه العائلة في القدس الغربية. ونحن بصدد البدء باصطحاب مزيد من الناس في جولات علنية إلى حيث كانت تسكن عائلاتهم. وربما نصل إلى مرحلة رفع دعوى قضائية. بعض هذه العائلات تملك وثائق تثبت مكان سكنها قبل 48، لأنهم إذا أرادوا أن يطردوهم من بيوتهم، فسوف يرغبون بالعودة إلى بيوتهم السابقة (في القدس الغربية).

    • هل ستواظب على هذا العمل؟ هل تتوقع أن تستمر في هذا العمل، أو في هذا الطريق خلال السنوات العشرين القادمة؟

      ليس هذا بالعمل الممتع لي كحاخام، وكيهودي، وكصهيوني، أن تتعامل مع أكثر الزوايا عمقا، وأحلكها ظلمة، في البلاد التي أحبها، لكنني أعتقد أنه أهم عمل أستطيع أن أقوم به في حياتي في هذه الأثناء. وأنا فخور كل الفخر بأن لدينا طاقم رائع يقوم بأمور مذهلة، وهذا يتحقق لأن العديد من الناس في العالم يؤمنون بما نقوم به، ويشاركونا وجهة نظرنا لما ينبغي أن تكون عليه هذه البلاد، والحال الذي أرادت هذه البلاد أصلا أن تكون عليه حسب اعتقادي. إعلان الاستقلال (الإسرائيلي) يتحدث عن الحرية، والعدالة، والسلام كما تصورها أنبياء إسرائيل.

    • ما هي جذور الصراع؟

      لقد سبق أن قلتها: إنها عدم مقدرتنا، وغياب إرادتنا لأن نتعرف على صورة الله ونبجلها في كل إنسان.

    • وماذا سيكون دور الدين في حل الصراع؟

      يجب أن لا يكون الحل من خلال ترك الميدان، ولكن الذين يفهمون دينهم بصورة مغايرة، كالديانة اليهودية في حالتي أنا، بحاجة إلى أن يناضلوا من داخل الميدان، لا أن يكتفوا بالتخلي عن الميدان لأصحاب وجهات النظر الأخرى. أعتقد أنه لا يمكننا القول بأن من يفسرون تقاليدنا اليهودية بنوع من الخوف، أو العنصرية ليس لديهم ما يبرر مواقفهم. يمكنهم أن يجدوا شيئا في التلمود، أو في الإنجيل، أو في الكثير من المصادر اليهودية، تماما كما أجدها أنا، ولكن على الأقل يمكننا أن نبين أن رؤيتنا – وهذه مهمة أخرى تلقى على عاتقنا، كحاخامات من أجل حقوق الإنسان- صادقة، ومبنية على نصوص، ويهودية، وأن نناضل من الداخل دفاعا عن فهمنا الإنساني للتوراة.

    • كيف ترى أثر المخاوف على الصراع؟ تحدثت عن الضحية والجلاد، لكن أي دور يلعبه الخوف في هذا الصراع؟ هل تعتقد أن مخاوف الفلسطينيين والإسرائيليين متشابهة؟ وهل أنت تشاطرهم تلك المخاوف؟

      عندما كنت أعمل مع "متدربون من أجل السلام" كان ذلك أثناء حرب لبنان الأولى، كنت أعمل في القرية الفلسطينية الإسرائيلية طمره، والقرية التعاونية الإسرائيلية كريات آتا بالقرب من حيفا. في كريات آتا كان الناس يقولون: "الآن ونحن في حالة حرب، سوف يصبح عرب إسرائيل طابورا خامسا- سوف يطعنونا من الخلف." وفي طمره كان الناس يقولون: "انظروا إلى ما جرى في صبرا وشاتيلا، سوف يأتي الجيش (الإسرائيلي) ويقترف فعلة كهذه في الغد. أعتقد أن الخوف ينجم عن مفاهيمنا حول الواقع والحقيقة. ورغم كل التأثير النفسي الذي نستطيع القيام به، إلاّ أن الناس يبتكرون حقائقهم الخاصة، وهذه تكون حقيقة بالنسبة لهم، وينبغي أن تكون مع الناس أينما كانوا إذا أردت لتلك الحقائق أن تتزحزح، وتتغير. عملية الاعتراف بالمخاوف تتألف من جزأين- بدل التقليل من شأنها- وهما تفهم الحقائق التي ابتكرها الناس لأنفسهم، والتي تمخضت عنها تلك المخاوف، وبعد ذلك التوجه لمحاولة زحزحة الناس قليلا.

    • أين ترى دلائل تبعث على الأمل؟

      أرى بشائر الأمل حين نحقق انتصارات بسيطة، حين أمضي الوقت مع زملائي الإسرائيليين والفلسطينيين، ومن الواضح تماما بالنسبة لي أن الغالبية العظمى منهم أناس طيبون يريدون مستقبلا أفضل للجميع. وأعلم أن ما نحتاج إليه هو مسألة مساعدة كي نصل إلى تلك الغاية. والنصيب الأكبر من عملية الوصول هو نفسي، وأنا أعلم أنه ممكن، وسيكون دائما ممكنا. وأعتقد أن هذا ينطبق على العالم بأسره، ولا يقتصر على الشرق الأوسط. حين أفكر في العصر "المسياتي" أي بعد ظهور المسيح، أفكر في أنني لا أريد أن أرى عالما نفقد فيه إرادتنا الحرة، ويتوجب علينا أن نكون "طيبين". بل أعتقد أنه في العالم اليوم نجد أن القليل من النوايا السيئة، والقليل من الشر- أو ليس حتى الشر- والقليل من الخوف، وكل هذه الأشياء تفوق في وزنها أو تأثيرها إلى حد كبير ذلك الكم الهائل من الخير الموجود في البشر. وهكذا فإن فكرة العصر المسياتي تقوم على أن هذا الخير سيكون له وزنه المناسب. وعلى ذكر الأوزان والمقاييس، والتوازنات، والموازين، حين ألقي خطبة أختم حديثي في معظم الأحيان بتلك الصورة المذهلة الموجودة لدينا في التلمود على مستوى الفرد، وعلى مستوى الكون. ينبغي دائما أن ننظر إلى أنفسنا على أن لنا حقوق بقدر ما علينا واجبات- وأن كل شيء يتمتع باتزان تام، ولا نعرف أبدا أي فعل بسيط سنقوم به ويبدو غير منطقي، وغير مجد، وخارج عن السياق، ولا فائدة منه في حينه- ولكنه قد يرجح كفة هذا الطرف أو ذاك. وبالطبع يكون ذلك بمثابة الخادم أو السيد، لأنك لن تكون حرا أبدا، فالشيء الذي لا تقوى على القيام به لأن التعب قد أنهكك، هو الشيء ذاته الذي يرجح الكفة. ومن الأمور التي حين نعرفها نتحرر بصورة مدهشة الإيمان بأننا حتى لو لم نستطع أن نرى الأشياء وهي تحدث، فإنها تحدث فعلا.آمل، وأتمنى البركة لنا جميعا سواءً على صعيد الشرق الأوسط، أو على صعيد حياتنا الخاصة والعامة في كافة المجالات. ينبغي أن تتحلوا بالشجاعة، والحكمة، والإيمان لترجيح الكفة بالاتجاه الصحيح.