كلمة مخرجتي الفيلم



جوليا باشا

الحكاية التي نسعى جاهدين إلى سردها في "حارتي" لا تزال غير مكتملة إلى حد بعيد. فلا تزال عائلة محمد وجيرانهم بصدد استرجاع منازلهم، بينما يظل شبح الترحيل خطرا حقيقيا يتهدد مئات آخرين من سكان الشيخ جراح وغيرها من أحياء القدس الشرقية. أما في الوقت الراهن فتتواصل الاحتجاجات التي يشارك فيها إسرائيليون وفلسطينيون، رغم أن مدى نجاح حملتهم في وضع حد لعمليات الإخلاء، والتغلب عليها في نهاية المطاف لا يزال يكتنفها الغموض.

مع ذلك، فإن النهاية المفتوحة لهذه الحكاية، والضرورة الملحة التي تقتضيها هذه اللحظة تحديدا هي تماما ما دفعنا إلى إعداد "حارتي". الأحداث التي تدور في القدس – التي تمثل بؤرة الصراع جغرافيا، ودينيا، وعاطفيا – لها طريقتها في التوسع والانتشار في كافة الاتجاهات، والتأثير إيجابا أو سلبا في الأجواء على مستوى الإقليم بأكمله. يمكن للقدس أن تكون بمثابة برميل بارود قادر على إشعال الشرق الأوسط بأسره، أو أن تكون مدينة مشتركة تتشكل فيها بذرة التعاون والاحترام المتبادل بين الإسرائيليين والفلسطينيين، رغم أن هذا الاحتمال قد يبدو بعيد المنال حاليا.  

فيلم "حارتي" نابع من الرغبة في لفت الانتباه محليا وعالميا إلى أولئك الذين يسعون إلى الخيار الثاني، آملين أن يوفر لهم الحماية والتمكين في هذا الوقت شديد الحساسية. أعددنا هذا الفيلم ونحن ندرك أن هذه المشاهد المتسارعة تجري على الأرض في الوقت الراهن، بينما يبقى مستقبل المدينة على المحك.  

خلال السنوات القليلة الماضية، وبينما كنا نجوب البلاد لعرض فيلمينا السابقين "بدرس" و"نقطة احتكاك" طالما أدهشتنا القدرة على إحداث التحول من خلال لفت انتباه الجمهور. بالنسبة لأشخاص مثل محمد ومثل تسفي، الذين اختاروا أن يمارسوا المقاومة بعيدا عن العنف دفاعا عن مستقبل مدينتهم، فإن معرفتهم بأن آخرين داخل مجتمعاتهم، أو في أنحاء مختلفة من العالم يشاهدونهم ويؤيدونهم لا قيمة لها.  

هذه الفكرة شكلت الأساس لما تحدثت به مؤخرا خلال المؤتمر الدولي "أفكار تستحق النشر". وفي حديثي أوضحت كيف أن الحركات التي تتجنب العنف، وتلك التي تتبنى العنف تعبر بالأساس عن الشيء ذاته، ألا وهو أن الانتباه إلى أمر ما يعد قوة تضفي عليه الشرعية، وهي بمثابة الوقود الذي يغذي كلتا الحركتين. وفي القدس، وربما أكثر من أي موقع آخر في خضم هذا الصراع، أمضينا وقتا أكثر مما ينبغي سعيا إلى لفت الانتباه كثيرا إلى العنف والتطرف، في الوقت الذي أغفلنا الجهود الجريئة التي يبذلها أولئك الذين ينشدون طريقا بناءً أكثر دون استخدام السلاح.  

"حارتي" هو محاولة لتغيير الديناميكية، وبالتالي رؤية القدس ليس فقط من منظور السياسيين، والمتطرفين المتدينين، بل أكثر من وجهة نظر الأفراد الآخذة بالتنامي في المدينة، آملين رغم كل ما يمرون به في مستقبل أكثر نبلا وإنصافا لكل من يعيشون في محيط المدينة. الفيلم بمثابة استجابتنا للتحدي الذي يطرحه أمثال محمد وتسفي أمامنا جميعا كأناس نحرص على مستقبل القدس والمنطقة بأسرها، ونهدف من خلاله إلى تقديم خط قصصي جديد، وطموحات جديدة لهذه المدينة الحبيبة والمحاصرة.

ربيكا وينغرت-جابي

بدأت التصوير في حي الشيخ جراح للمرة الأولى عام 2008، وكانت العائلات الفلسطينية وقتئذ قد بدأت تتلقى أوامر بإخلاء منازلها. في ذلك الوقت كنت أتردد على المنطقة ذهابا وإيابا على مدار سبع سنوات. أدركت جيدا مدى تأثير التوسع الاستيطاني، وإخلاء المنازل على آفاق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لكنني شعرت أن تأثير ذلك على حياة المتضررين لم يلق اهتماما كبيرا، فأردت أن ألقي الضوء على هذه الأمور من خلال فيلم، أملا في فهم أفضل لهذه العقبات التي تعترض طريق السلام.

التقيت محمدا وكان عمره آنذاك 12 عاما عندما كنت أصور في الحي. عرفني بنفسه وسألني ما إذا كان باستطاعته أن يجري مقابلة معي في إطار فيلم كان يعده. كان شديد الفضول، ويتمتع بطاقة أذهلتني نظرا لأنها تنبعث من شخص أخلي من منزله منذ فترة وجيزة. بعد أن أجرى مقابلة معي، بدأت أنا أجري مقابلة معه، وتبين لي أن الأفلام والشعر كانت وسيلته في التعبير عن حالة الغضب والضعف التي كانت تعتريه بعد أن تم إخلاء عائلته وجيرانهم من منازلهم. رده كان يعبر بإيجاز عما كنت قد شاهدته في حي الشيخ جراح. منذ البداية كانت تلك المجموعة مصممة على النضال بإصرار شديد من أجل العدالة بدون عنف. ومن خلال ذلك، انبثق عن عمليات الإخلاء المؤلمة لدى السكان شعور مذهل بالأمل بأنهم إذا ما واصلوا نضالهم، فسوف تسود العدالة في نهاية المطاف.   

عندما بدأ الإسرائيليون باجتياز الخط الوهمي بين القدس الغربية والقدس الشرقية للاحتجاج على إخلاء السكان من منازلهم، وجد بعض السكان في ذلك مدعاة للأمل، فيما اعترى الشك آخرين. أما محمد، الذي لم يعرف من الإسرائيليين سوى المستوطنين، وأفراد الشرطة، فقد أقام علاقات صداقة مع إسرائيليين من أمثال تسفي الذي اختار أن يناضل في سبيل العدالة ذاتها التي كان ينشدها محمد. لم أتوقع مطلقا أن أشاهد مثل هذه التفاعلات في مثل هذه المنطقة التي توشك على الانفجار، وذهلت كثيرا لحدوثها، في أوج المعركة على مستقبل القدس، لدرجة أنني شهدت وضع حجر الأساس للسلام في المدينة.

ومع هذا الكم من الأمل الذي منحتني إياه تلك التجربة، إلاّ أن الواقع على الأرض في الشيخ جراح مقلق هذه الأيام. بعد أن تم إخلاءه من منزل والده، انتقل محمد للعيش مع جدته، وها هو الآن يواجه إمكانية الإخلاء من هذا المنزل أيضا، والخطر ذاته يتهدد مئات آخرين في الشيخ جراح وغيرها من أحياء القدس الشرقية، فيما يواصل أشخاص جريئون من الفلسطينيين والإسرائيليين الاحتجاج بعيدا عن العنف في الشيخ جراح، ويحاولن الإبقاء على المعنوية الفريدة التي انبثقت من هناك. آمل أنهم حين تخرج حكاياتهم للجماهير، سيجدون في ذلك ما يمدهم بالقوة للإبقاء على تلك الروح والمعنوية حية في الموقع الذي هو بأمس الحاجة إليها، ألا وهو القدس التي هي قلب الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.