كلمة المخرجة

"عندما التقيت عايد مرار بطل فيلم "بدرس" للمرة الأولى في أيلول 2007، كان يصرّ على أنه لا يستحق أن يُنتج عنه فيلمًا وثائقيًا. غير أن جميع القادة الفلسطينيين من أنصار اللاعنف، الذين اقترحهم عايد أعادوني إليه. وغدا واضحًا أن الحركة اللاعنفية التي أطلقها عايد عام 2003 لمقاومة جدار الفصل الذي تقيمه إسرائيل والذي يمر من قريته قد أصبحت مثالا يحتذي به النشطاء المحليون. أتمنى أن يترك هذا الفيلم أثرًا على مشاهديه بما يوازي الأثر الذي أحدثته القرية على من عاشوا التجربة، فيكون بذلك ملهما لمزيد من الناس ليؤمنوا بالكفاح غير المسلح الذي يجري هذه الأيام في الضفة الغربية وفي القدس الشرقية ويساندوه، ويشاركوا فيه.

منذ سبع سنوات والقرى في الضفة الغربية تشهد تجددًا متواصلا في إستراتيجيات المقاومة السلمية ضد الاحتلال الإسرائيلي. وهذه الحركة التي تبنت بعض أساليب الإنتفاضة الفلسطينية الأولى في ثمانينيات القرن العشرين، معززة بمشاركة فاعلة من النشطاء الإسرائيليين والدوليين، ورغم أنها لا تزال ضعيفة، إلاّ أنها تحمل في طياتها بشائر كبيرة للمنطقة. وكانت قرية بدرس التي يسكنها عايد مرار من أوائل المجتمعات التي انخرطت في هذا النوع من المقاومة، وينظر إليها على أنها نموذجًا للعصيان المدني في مثل هذه الظروف الموضوعية وما يستطيع أن يحقق من إنجازات.

نجح عايد في القيام بما يظنه الكثيرون مستحيلا، فقد وحّد الخصوم السياسيين من حركتي فتح وحماس، وأقحم المرأة في معترك الكفاح من خلال دعمه للدور القيادي الذي اضطلعت به ابنته التزام، كما استقبل المئات من الإسرائيليين الذين دخلوا المناطق الفلسطينية لمؤازرة جهوده اللاعنفية.


حالفني الحظ إذ أتيح لي أن أعمل مع طاقم رائع من الفلسطينيين والإسرائيليين وآخرين من أمريكا الشمالية ضمن مؤسسة "جست فيجن" التي تكرس جهودها لتوثيق، ونشر الأعمال التي يقوم بها المدنيون الفلسطينيون والإسرائيليون سعيا وراء الحرية، والأمن، والكرامة، والسلام دون اللجوء إلى السلاح. واستطعنا من خلال البحث المكثف أن نجمع المقاطع المصورة من أكثر من عشرة نشطاء عاصروا الحركة في قرية بدرس في مرحلة ما. كما تواصلنا باستمرار مع التزام مرار، ابنة عايد المراهقة التي تتمتع بشخصية قيادية قوية كانت بمثابة القلب النابض للفيلم الوثائقي، تمامًا كما كانت القلب النابض للكفاح.


بيد أن الفيلم لم يكن ليكتمل لو أننا لم نستمع إلى وجهة نظر ضباط حرس الحدود الذين قُدّر لهم أن يتعاملوا مع واحدة من أوائل الحركات غير المسلحة التي واجهت مسار جدار الفصل. ومن حسن الطالع أن قائدة فرقة حرس الحدود ياسمين ليفي وافقت على التحدث إلينا. كما تسنى لنا أن نطرح وجهة نظر الرائد دورون سبيلمان الذي كان ناطقا بلسان الجيش الإسرائيلي آنذاك.


وفي هذه الأيام، يجتمع في قرى النبي صالح، ونعلين، وبلعين، وفي الشيخ جراح فلسطينيون، وإسرائيلييون، ومتضامنون دوليون، يجتمعون كل أسبوع بإشراف قيادة نسوية في معظم الأحيان، للاحتجاج على مصادرة حقول الزيتون، وعلى هدم المنازل، وعلى توسع المستوطنات. وهم يقومون بذلك بطرق خلاقة ويحققون نجاحا بدرجات متفاوتة، لكنهم عمليا لا زالوا مجهولين. ويحذونا الأمل بأن يتمكن هذا الفيلم من أن يزيح الستار عنهم حتى نستطيع جميعا أن نستفيد من عملهم الجريء".

جوليا باشا