بيان مخرجة الفيلم

على مدى أكثر من عشر سنوات، عندما كنت أسأل قادة الحركات الشعبية الفلسطينية عن النماذج التي يستلهمون أفكارهم منها، كانوا دائماً يشيرون إلى الانتفاضة الأولى. عرفت بعد أن عملت لسنوات في صناعة الأفلام حول المنطقة أنه رغم المكانة الكبيرة للانتفاضة الأولى بين الفلسطينيين، إلاّ أنها ظلت غير مفهومة على الصعيد العالمي، وظلت تخيم عليها رواية مبسطة اختزلت الانتفاضة في صورة واحدة هي صورة الشبان الفلسطينيين وهم يواجهون الدبابات الإسرائيلية بالحجارة. وعندما قررنا في "جست فيجن" أن نجري أبحاثاً مستفيضة خاصة بنا، أدركنا ببساطة كم من الحكاية أغفله التاريخ وأبقاه مبهما. لم تكن الانتفاضة الأولى مجرد حركة مقاومة شعبية سلمية نابضة بالحياة، واستراتيجية، وقادرة على الاستمرار، بل كانت تقودها وعلى مدى شهور شبكة من النساء الفلسطينيات كنّ يخضن نضالاً مزدوجاً من أجل التحرر الوطني من جهة، ومن أجل المساواة بين المرأة والرجل من جهة أخرى.

كنا نعرف أننا سنخرج هذه الحكاية إلى النور عبر إنتاج فيلم وثائقي يستطيع أن يقدم تبصرة وحكمة من الناشطات المتمرسات اللواتي شاركن في الانتفاضة الأولى، إلى القياديات الصاعدات هذه الأيام. شعرنا أنه يقع على عاتقنا مسؤولية تقديم رواية أكثر شمولية عن تلك الحقبة، وتسليط الضوء على كيفية انخراط الفلسطينيين تاريخياً في حركة ناشطة سلمية تؤكد قدرة المجتمع المدني على إحداث التغيير، وتنشيط دور المرأة في المقاومة الشعبية .

كان المشروع يحمل في طياته حاجة ملحة أكبر في أعقاب الانتخابات الأخيرة في الولايات المتحدة، حيث كنت أشاهد تراجعاً متزايداً على صعيد الحريات المدنية والسياسية في البلد الذي أصبحت أسميه موطني، وليس هذا فحسب، بل كنت أشاهد حركة نسائية نابضة تنهض دفاعاً عن المرأة. منذ الانتفاضة الأولى وحتى هذه اللحظة، أصبح واضحاً أن إسناد دور قيادي للمرأة في تنظيم المجتمع المدني مطلب في غاية الأهمية، لكن ذلك المطلب في معظم الأحيان يكون عرضة للتهميش والتجاهل. هذه نزعة مزعجة لأن عدداً من الدراسات الأكاديمية أظهرت أن الحركات التي تتولى فيها النساء مواقع قيادية تميل إلى استخدام أساليب غير عنيفة. كما أن الحركات التي تستخدم المقاومة الشعبية غير المسلحة أقرب كثيراً إلى تحقيق أهدافها. هذا البحث يتفق بشدة مع ما لاحظته "جست فيجن" في الأراضي الفلسطينية المحتلة على مدى أكثر من 14 سنة، وهذا ينطبق على النضال الناجح ضد جدار الفصل الذي دار في "بدرس" – قرية فلسطينية في الضفة الغربية كانت موضوع فيلمنا الذي أنتجناه عام 2009- والذي لعبت النساء والفتيات دوراً مركزياً فيه.

أثبت البحث الذي أجريناه حول الانتفاضة الأولى أن النساء في "بدرس" استلهمن أفكارهن من تراث راسخ. فقد كانت النساء دائماً جزءاً من حركات اجتماعية مؤثرة خرجت من الشرق الأوسط، ولكن الكاميرات تركز دائماً وأبداً على الرجال المسلحين، وتبقي لنا رواية لا تكتفي بتغييب دور المرأة في النضال، بل تعمد غالباً إلى طرح النضالات ذاتها بصورة خاطئة، وكذلك المطالب التي تسعى تلك النضالات إلى تحقيقها. "نائلة والانتفاضة" بمثابة نداء يطالب بالاهتمام بتلك الحركات أثناء حدوثها وكذلك عند تأريخها، كي تستطيع تلك الحركات التي تمتاز بالشجاعة والإبداع أن تتطور، وتتكاثر، وتثبت نجاعتها في نهاية المطاف.

كما أن الفيلم بمثابة حكاية فولكلورية تحذر مستمعيها مما يحدث عندما يتم تجريد النساء من أدوارهن القيادية، واستبعادهن من النضالات التي تجري.

عندما بدأ فريق "جست فيجن" العمل على "نائلة والانتفاضة" قبل قرابة أربع سنوات، عرفنا أن إبراز هذا التاريخ كان مهماً. غير أننا لم نتنبأ تماماً كم سيكون توقيت الفيلم ملائماً. النساء في "نائلة والانتفاضة" لسن مجرد قدوة للأجيال الصاعدة من الفلسطينيين والإسرائيليين الذين يناضلون من أجل العدالة والمساواة. إنهن أيضا يقدمن العبر والدروس للمجتمعات حول العالم، التي تطالب قياداتها بالمزيد من خلال انتظامها للمطالبة بالحقوق والرفاه للجميع.

كانت لنا الحظوة إذ تواصلنا مع عشرات النساء في طريقنا لصناعة هذا الفيلم، وقد أظهرن شجاعة فائقة ومرونة – عبر مقاومتهن المستمرة على عدة مستويات، وكذلك عبر جرأتهن في الموافقة على سرد حكاياتهن رغم التحديات التي يواجهنها. يحذونا الأمل بأن تكون تجاربهن مصدراً للإلهام وللمعلومات للمشاهدين في جميع أنحاء العالم، تماماً كما كانت محفزاً ومصدراً للثقافة بالنسبة لي.

جوليا باشا (2017)