« المقابلة | أبرز المقاطع في المقابلات

مقابلة مع

أخبرينا من فضلك من أين أنت و عن تجربتك مع الصراع

أتيت من جنوب أفريقيا سنة 1967 كمتطوعة في حرب الأيام الست معتقدةً أني سأبقى هنا لحوالي ستة أشهر. كنت أريد أن أغادر جنوب أفريقيا بكل الأحوال لأنني كنت نشيطة في الحركة المعادية للتمييز العنصري و كانت قد بدأت تصبح حينها إكراهية و بشعة. في الواقع كنت أريد العيش في الولايات المتحدة ثم أتيت إلى هنا و منذ مجيئي أصبحت هناك علاقة حب و كراهية بيني و بين هذه البلاد. ولقد حُررت من الوهم في العديد من الطرق و بالكثير من المواقف، لقد واجهت الكثير من التصرفات العنصرية هنا في إسرائيل ذلك الأمر الذي لم أتوقعه. لكن ذلك ليس له علاقة بما أريد أن أقول. ثم ذهبت إلى معهد "اولبان و تزوجت و أنجبت طفلين، و عملت في صحيفة "الجيروساليم پوست" و عملت بعد ذلك مع المهاجرين لأساعدهم في الحصول على عمل. و بعد أن تطلقت جئت إلى تل أبيب و سكنت أنا و أولادي في تعاونيات زراعية "موشاڤ" بالقرب من نتانيا. لقد ربيت أطفالي ديڤيد و ايران بطريقة متساهلة و محبة و متحررة جداً، لقد كنا ثلاثتنا كالمثلث. إلتحق ديڤيد بمدرسة ثيلما يلين للفنون لأنه كان موسيقياً موهوباً. على الأرجح كان هو الوحيد في صفه الذي إلتحق بالجيش. لقد تفاجأت كثيراً لإختياره هذا لكن أعتقد أنك لا تستطيع أن تتحمل المسؤلية في حياة شخص آخر حتى لو كان ذلك الشخص هو ولدك.

حتى أثناء خدمته النظامية في الجيش كان ديڤيد في حالة صراع نفسي لأنه لم يرد أن يخدم في الأراضي المحتلة. ثم أصبح ضابطاً و طُلب منه الذهاب إلى الخليل. لقد أصبح حينها في ورطة و جاء إلي قائلاً: "ماذا سأفعل بحق الجحيم؟ أنا لا أريد أن أكون هناك." قلت له: "حسناً إذا أردت الذهاب إلى السجن سأدعمك لكن السؤال هو هل ستحدث فرقاً إذا ذهبت إلى السجن؟" و بصورة أساسية نقول أن الذي سيحدث هو كالآتي: سيرسل إلى السجن و سيخرج ثانية و ثم سيرسولنه إلى مكان آخر (في الأراضي المحتلة). إنها قصة لامنتهية. لو أن هذا كان سيحدث ضجة كبيرة و يفعل شيئاً لكان هذا هو الخيار الصحيح لكن يمكنك أيضاً الذهاب و أن تكون قدوة لغيرك بمعاملتك لمن حولك من الناس بإحترام.

رأيت الندبات على وجوه أولادي بعد الخدمة العسكرية خلال الإنتفاضة الأولى. لقد ترعرع أولادي في بيت لم يفرق أبداً بين العقيدة و اللون، كنا نحب الناس. خلال كل هذه الخدمة العسكرية هذا ما كان يحدث كل الوقت، ثم شكل بعض الضباط الذين رفضوا الخدمة في الأراضي المحتلة مجموعة وإنضم ديڤيد إليهم و شارك في كل المظاهرات و كان بذلك أيضاً جزء من حركة السلام. بعد الجيش إلتحق ديڤيد بجامعة تل أبيب و درس فيها الفلسفة و علم النفس و ثم بدء بالتحضير للماجستير في فلسفة التعليم. كان يعلم الفلسفة في برنامج ما قبل الخدمة العسكرية لإعداد القيادات الإجتماعية. و كان يعلم في جامعة تل أبيب كذلك.

ثم تم إستدعائه للخدمة مع القوات الإحتياطية "ميلوئيم و من جديد تكرر نفس الشيء: ماذا عليه أن يفعل، فهو لا يريد الذهاب و إذا ذهب لا يريد الخدمة في الأراضي المحتلة. و إذا لم يذهب فهو بذلك يخيب أمل جنوده؛ إذا لم يذهب فأي مثال سيكون هو للأولاد الذين يعلمهم الفلسفة لأنهم سوف يدخلون الخدمة العسكرية بعد شهرين من خدمته مع القوات الإحتياطية، و إذا ذهب سيعامل أي شخص، أي فلسطيني بإحترام و كذلك سيفعل جنوده إحتذاء به. قلت له: " قد تكون أنت مثالا جيداً. " فقال لي: " لا أستطيع أن أخيب ظن جنودي و إذا لم أذهب سيذهب أحد بدلاً مني و سيفعل أشياء فظيعة." لذلك فأنا دائماً أقول للجميع ليس هناك أسود و أبيض.

على كل حال، ذهب ديڤيد لتأدية الخدمة الإحتياطية "الملوئيم" و كنت أنا ممتلئة بشعور سيء لا أعرف ما هو لكن أظنه كان خوفاً. إستدعاني ذلك السبت و قال لي: " لقد فعلت كل شيء لحمايتنا، أنت تعرفين أنني أحب حياتي لكن هذا مكان رهيب أشعر أنني هدف هين."  لم يشاركني تلك الأمور قط. لم يخبرني أولادي قط ماذا كانوا يفعلون في الجيش. كانوا دائماً يقولون لي قصصاً سخيفة ظناً منهم أنني سأصدقهم. في اليوم التالي إستيقظت باكراً جداً و ذهبت إلى العمل، قبل موعدي بساعات، لم أرغب بالبقاء في المنزل، حيث تملكني شعور غير مريح.

قتله قناص هو و تسعة أشخاص آخرين. كان في حاجز عسكري بالقرب من عوفرا. و بعد يومين من مقتله دُمر الحاجز وتمت إزالته.أظن أنني كنت أتكلم عن التعايش و التسامح  طوال حياتي، و لا بد لهذا أن يكون مغروساً في نفسي بطريقة ما لأن أول شيء قلته هو: " لا يمكنكم أن تقتلوا أحداً بإسم ولدي." لذا أظن أن هذا أمر غير طبيعي نوعاً ما و غير متوقع مع مثل ذلك النبأ.

أن تصف ما معنى أن تخسر ولداً هو أمر من أكثر الأمور إستحالة ، لأن حياتك كلها تتغير إلى الأبد. لا يعني ذلك أنني لست نفس الشخص، بل أنا نفس الشخص مع الكثير من الألم. أينما أذهب أحمل ذلك معي. تحاول الهروب في البداية لكن لا يمكنك. لقد سافرت عبر البحار، ذهبت إلى الهند و عدت ثانية لكنه يذهب معك أينما ذهبت. كان لدي مكتب علاقات عامة و كنت أعمل مع المحطة الوطنية للتاريخ و الجغرافيا  "ناشينول جيوغرافيك آند هيستوري شانيل" و كنت أعمل مع الطعام و النبيذ و كل الأشياء الجيدة في الحياة، بالإضافة إلى العديد من الأمور التي لها علاقة بمشاريع التعايش مع المواطنين الفلسطينيين الذين يعيشون داخل الخط الأخضر. لم أكن متصلة سياسسياً بشكل خاص كان معظم نشاطي على مستوى إجتماعي: رفاهية الحيوان، و الأطفال، و مشاريع التعايش.

كنت دائماً أقوم بالكثير من العمل التطوعي؛ بذلت الكثير في سبيل تلك الأمور و كانت دائماً جزء من كينونتي. لكن بدء عملي يخسر كل شيء... لم أعد أستمتع بالقيام بعملي. أصبح سلم أولوياتي مختلفاً تماماً الآن. لم يعد جلوسي في إجتماع لأقرر في أي طريقة يجب تسويق ذلك النوع من النبيذ أمر له علاقة بالنسبة لي؛ و لم أعد أحتمله. كنت محظوظة جداً حيث كان هناك فتيات رائعات يعملن معي في المكتب و قمن بإدارة المكتب عني لسنة حتى قررت أنني لا أستطيع إحتماله و أغلقته. جاء إسحق فرانكينثال، مؤسسس منتدى العائلات الثكلى، ليكلمني و لم أكن حينها واثقة أن هذا هو الطريق الذي أريد أن أسلكه لكني ذهبت إلى إحدى المؤتمرات. كان هناك الكثير من الإسرائيلين و الفلسطينيين من المجموعة هناك و لم أشعرحينها أنني مقتنعة بعد. و لكن كلما مر الوقت كلما شعرت أنني أريد العمل في مجال ما لأحدث فرقاً.

متى بدأت تنخرطين بالعمل مع منتدى العائلات الثكلى؟

قُتل ديڤيد في آذار و كنت في ذلك المؤتمر في تشرين الأول على ما أعتقد؛ أنا سيئة في تذكر التواريخ. لقد إستغرقني الأمر عاماً لأنخرط معهم فعلاً. كانوا دائماً يدعونني لإجتماعات لكني لم أذهب قط. أغلقت المكتب في كانون الأول و حاولت أن أقرر ما هو مجال العمل الصحيح لي، و كيف لي أن أقوم بعمل ذي قيمة. عملت مع فرقة موسيقية عربية إسرائيلية، و عملت مع طهاة الطعام، لكن لم يكن لذلك نفس التأثير من العمل سوية مع الفلسطينيين. كانت تلك بداية التفاهم و المعرفة كيف لا تكون متحيزاً لأن هذا فخ ممكن الوقوع به بسهولة في هذا المجال من العمل، كأن تقول مثلاً: " أنا أعرف ما الأفضل للفلسطينيين، دعوني أقل لكم ماذا تفعلون." لقد إستغرقني  وقتاً لأدرك ولأرى الفرق في الميول و الثقافات و كل تلك الأمور لأصبح أقل إدانة في أحكامي مما كنت دائماً... أظن أن ديڤيد كان أكثر تسامحاً مني أو بعبارة أخرى كان شخصاً أقل إدانة في أحكامه. لقد تعلمت منه الكثير من الدروس، ولقد خلق الألم في داخلي فراغاً أقل فردية - - ذلك أن أعرف ما هو الأفضل للجميع..كانت السنتان الماضياتان تجربة لا تصدق بالنسبة لي. لقد تعلمت الكثير من أجل تطوري الشخصي، بصرف النظر عن العمل الذي أقوم به، الذي هو تقريباً السبب الذي أستيقظ من أجله كل صباح. أشعر أنه واجبي أن أقوم به؛ إنه ليس الواجب الذي أقوم به كمعروف لأحد بل هو كمهمة شخصية. أنا أعرف أن هذا يجدي نفعاً. أنا أؤمن أن إزالة وصمة العار عن كل من الطرفين و التعرف على الشخص بالطرف الآخر هو إزالة للخوف وهو طريق لنفهم أن عملية المصالحة الطويلة الأمد ممكنة. هذا أيضاً مبني على خلفيتي كشخص من جنوب أفريقيا، و على رؤيتي لمعجزة جنوب أفريقيا و كيف حدث كل هذا و أنه كان في الحقيقة ممكناً. و منذ بدأت العمل بالمنتدى سافرت كثيراً و خاصة إلى الولايات المتحدة. و سافرت إلى إنجلترا و أوروبا كذلك.

متى كانت نقطة التحول لديك لتبدئي العمل في هذا المجال و متى بدأت تصبحين نشيطة في هذا العمل؟

ا أظن أنه كانت هناك نقطة تحول، أعتقد أنه كان هناك إدراك. لقد أدركت هذا عندما كنت أقيم حدثاً تطوعياً لطفل السلام. إنه شيء مضحك لم يسألني ذلك أحد قط. و فجأة أدركت أنني أقوم بعمل ذي قيمة في هذا الحدث. طفل السلام هي منظمة إسرائيلية يلتقي فيها مواطنين إسرائيليين و فلسطينيين من داخل الخط الأخضر مرة في الأسبوع. لقد  نظمت لهم حدثاً و فجأة أدركت أنه من بين كل الأعمال التي كنت أقوم بها كان هذا هو العمل الوحيد ذو معنى بالنسبة لي لأنه إختلاط بين أشخاص لا يلتقون بعضهم عادةً.  و عرفت أن هناك إمكانية لخلق صداقات و ثقة بين الطرفين مع  شعور التعاطف لبعضهم البعض. و عملت أيضاً مع فرقة أطفال موسيقية؛ كان هذان العملان التطوعيان اللذان كنت أقوم بهما لكن ذلك منحني شعور خاص، إنه أمر يعني لي الكثير.

أعتقد أنه حالما بدأت العمل في المنتدى إسستغرقني القليل من الوقت لأدرك أن هذا هو المكان الذي أريد أن أكون فيه بالفعل. لقد عُرض علي الكثير من الأعمال بسبب خبرتي بالعلاقات العامة، كالعمل مع مؤسسات مقابل أجر عالٍ
لكن ذلك لم يعني شيئاً. كان ذلك ذات مجال عملي. لقد دفعت كل هؤلاء الناس للإعلام طوال حياتي فتراجعت خطوة و أدركت أنه لدي هذه القوة في داخلي التي بها أستطيع أن أوصل رسالة من وجهة نظرغير دينية. أدركت أن المقدرة على التكلم مع الناس و جعلهم ينظرون إلى صورة أخرى هي موهبة. و بالطبع خلال السنيتن الماضيتين تعلمت الكثير عن كيفية القيام بذلك بطريق متسامحة، ليس "أنا أقول لك ما الجيد لك"، بل بإظهار جانباً آخر. هذا يأتي من جزء أكثر تواضعاً عندما ترى و تعرف الألم، الألم الحقيقي للفلسطينيين كشعب.

و من الأشياء الأخرى التي حدثت على الصعيد الشخصي هو إلقاء القبض على القناص الذي قتل ديڤيد، كان ذلك بالنسبة لي خطوة كبيرة. فهذا كان بمثابة الإمتحان الحقيقي؛ هل أعني فعلاً ما أقول أو أنني أقوله لمجرد... هذا هو الإمتحان: إذا كنت صادقة و نزيهة بالنسبة للعمل الذي أقوم به.

ماذا تقصدين بالنزاهة؟

أقصد هل أعني فعلاً ما أقوله عن المصالحة.  لقد كتبت رسالة للعائلة. لقد إستغرقني الأمر أربعة شهور لأتوصل إلى قرار، لم أنم ليال عديدة، و بحثت كثيراً في داخلي لأعرف إذا ما كان هذا بالفعل ما أعنيه. كتبت لهم رسالة سلمها لهم فلسطينييان من مجموعتنا. و وعدوني أن يكتبوا لي رسالة. سيستغرق ذلك وقتاً هذه الأمور تستغرق وقتاً، و أنا أنتظر. قد يستغرقهم الأمر خمس سنوات ليقوموا بذلك. سيسلمون الرسالة التي كتبتها لولدهم في السجن. كان هذا حدثاً مهماً على صعيد تطوري الشخصي.

كيف كان شعورك عندما عرفت أنه تم إلقاء القبض على القناص؟

لم أشعر بشيء عندما أخبروني لم أشعر بالرضى عندما قبضوا عليه، ربما شعرت بالرضى لأنه لن يستطيع أن يفعل ذلك لأي شخص آخر. ليس هناك شعور بالإنتقام و لم أسعى إليه قط. هل أنا سعيدة لأنهم قبضوا عليه؟ أنا لست سعيدة نوعاً ما لأنهم قبضوا عليه لأن هذا أدخلني في معضلة. علينا الإنتظار لنرى ماذا سيحدث. لا يعود الأمر لي شخصياً. إذا كتبوا لي رسالة رداً على رسالتي، أستطيع أن أنشر الرسالتين و هذا ممكن أن يظهر كمثال أن هناك طريقة لبعض الناس. إن  آخر الناس الذين تتوقع منهم يستطيعون القيام بذلك، فهذا سيكون بكل تأكيد مثلاً لباقي الناس ليبدأوا بالبحث عن طريق.

ماذا كان رأي الناس من حولك؟

في ذلك الوقت حاول الكل أن يسألني ماذا برأي يجب أن يحدث للقناص، و إذا أردت أن يقتلوه إذا قبضوا عليه . قلت أنه قتل ديڤيد ليس لأنه ديڤيد؛ فلو إلتقى  بديڤيد لأحبه. عمل ديڤيد من أجل السلام و كان من الجنود الذين لم يريدوا الخدمة في الأراضي المحتلة. لقد كان  ديڤيد من أكثر الأشخاص محبة، لو كان قد جلس معه و شربا القهوة سوية لأصبحا أصدقاء. هناك مقولة لخليل جبران على قبر ديڤيد تقول: " كل الأرض هي مكان مولدي وكل البشر هم إخوتي".  لقد وضعتها لأني بحثت عن شيئ، حيث أعطوني مهلة بضعة أيام، و كان هذا أصدق ما وجدت. قلت أن القناص لم يقتل ديڤيد لأنه ديڤيد، لقد قتل ديڤيد لأنه كان رمزاً لجيش احتلال.

هلا حدتثني عن منتدى العائلات الثكلى؟

هذه عقيدة المنتدى. أقصد كل هؤلاء الناس الذين فقدوا أحداً، فلسطينيين أو إسرائيليين، من الذين فقدوا أحداً من أفراد العائلة المقربين، هؤلاء هم آخر من أتوقع أن يسلكوا طريقاً آخر. إن رد الفعل الفوري هو "الإنتقام" كما يتحدث عنه الناس. و بدلاً من توجيه الألم نحو الإنتقام قام معظم الناس أو كلهم في مجموعتنا بإختيار إتجاه آخر لألمهم. الألم يكسر الحواجز بسرعة بين الفلسطينيين و الإسرائيليين في المجموعة. هناك شعور بالثقة. إنه ليس الحمص أوالعناق, إنه أعمق من ذلك بكثير. إنه الإعتراف و التعاطف الذي يتم بشكل أسرع من أي لقاء إعتيادي آخر بين فلسطيني و إسرائيلي لأننا نمييز بعضنا البعض بسرعة من خلال الألم.

ماذا تفعلون في لقاءاتكم؟

معظم العمل الذي نقوم به موجه نحو عملية المصالحة الطويلة الأمد. المحاضرات التي نلقيها في المدارس تشكل جزءً كبيراً من الذي نقوم به. و هذه عبارة عن حوارات صفية توجه للطلاب من عمر 16-17 سنة. لقد اخترنا هذا العمر تحديداً في إسرائيل لأنهم يلتحقون بالجيش بعد ذلك. و نفعل ذات الشيء مع الفلسطينيين حيث نعقد محاضرات في الجانب الفلسطيني. ما يحدث هو أنه عندما تذهب إلى صف في إسرائيل تكتشف أنه على الأغلب 85-90% من الطلاب في الصف سافروا عبر البحار لكن لا أحد منهم يعرف أحداً من أقرب قرية فلسطينية التي قد تبعد عشرة دقائق عن مدارسهم.

لماذا العلاقات بين أولاد المدارس الإسرائيلية و الفلسطينية قليلة جداً ؟

لأن هذه من أكبر المشاكل: عدم معرفة بعضهم البعض. إنه سخيف جداً. عندما تذهب إلى صف فلسطيني أو إسرائيلي فذات الأمور تنطبق على الطفل الفلسطيني لأن الإسرائيليين الوحيدين الذين يتواصلون معهم هم الجنود الذين يلتقونهم على الحواجز، أو المستوطنين. إنها نفس و صمة العار التي تنسب للأم: الإسرائيليون يتكلمون عن الأمهات الفلسطينيات اللواتي لا يكترثن بخسارة أطفالهم، لأنهم مشبعون بالأراء المتطرفة التي يرونها في التلفاز. لذا يرون الأم الفلسطينية و كأنها ترسل إبنها ليفجر نفسه. الأطفال الفلسطينيون يرون أن الأم الإسرائيلية تفتخر أن تقدم إبنها من أجل إسرائيل أعظم. فجأة  من خلال التواصل يرون البشر و الألم البشري وراء كل هذه القصة، و هذا يزرع بذوراً. لا أقول أن هؤلاء الأولاد أصبحوا مارتن لوثر كينغ، لكن هناك بداية للتطلع نحو شيئاً آخر، بداية للأمل.

في العام 2004 عقدنا 1000 صف للحوار. إنه عدد كبير من المحاضرات إذا نظرنا إلى معدل عدد الأطفل في الصف. بالطبع ليس كل الأطفال، بعضهم من الجانب الفلسطيني يبقى مع فكرة " إبنك إستحق أن يموت". و بعضهم من الجانب الإسرائيلي يبقى مع فكرة "العربي الوحيد الجيد هو عربي ميت"  لأنهم لا يفكرون حتى أن يقولوا عن الفلسطيني أنه فلسطيني. لكن بالرغم من ذلك أعتقد أن أغلبية هؤلاء الأطفال يبدأون فجأة بالإنتباه. جاء مرة طفل إلى الصف و قال لي: " كيف تجرؤين على إحضار فلسطيني؟ هذا ما إعتقدته في البداية، و كنت أريد أن آتي إلى الصف و أخرب الحصة بكاملها و أرى..."  ثم قال لي: " لكنك منحتني ما أفكر فيه." لا أقول أنه تغير  لكنه أمر مجزي أن نجد  طفلاً إستمع بتعاطف. في الحقيقة المعلمون شاكرون لنا؛ فهذه أول مرة يرون الصف بأكمله صامتاً لساعة و نصف، لأن رؤية فلسطيني و إسرائيلي يتكلمان بصوت واحد له تأثير مروع. بالنسبة للطفل الإسرائيلي إن الألم الفلسطيني لفقدان أحد أفراد العائلة أمر إستثنائي لأنهم لم يسمعوا بذلك من قبل.

ما الذي يجعل الطلاب يصغون لمحاضرات أعضاء منتدى العائلات الثكلى؟

ينذهلون تماماً، و بالنهاية يدركون فجأة أنه قد يكون هناك إحتمال أن يكون هذا الفلسطيني إنسان، و ذات الشيء في الجانب الآخر. نحن نأتي برسالة مختلفة تماماً عن الأفكار المشبعة لدى غالبية الناس: رسالة المصالحة. أتكلم كثيراً في محاضراتي عن مانديلا و جنوب أفريقيا و عن الكراهية التي كانت موجودة هناك و حقيقة أن معجزة حدثت هناك. إذاً نعم هناك تأثير و أنا أختبر هذا أينما ذهبت.

بالطبع نجد أينما ذهبنا الكثير من الناس المجانين أسيري خوفهم لدرجة أنهم لا يستطيعون أن يسمعوا أي شخص آخر يتكلم. لست أتكلم فقط عن الأطفال الآن بل أتكلم عن البالغين. لكن بشكل أساسي هناك موقف معين أن الأشخاص الثكالى يجعلون الآخرين يستمعون لهم في مجتمعاتهم. قد يعتقدون " آه إنها أم ثكلى لذا علينا أن ندعها تقول ما تشاء فهي حمقاء على كل حال." لكن في نهاية محاضرة من هذا النوع يصبحون مهتمين جداً بالرسالة، مهتمين لأنها رسالة مختلفة، مهتمين لأنها تأتي من شخصين من شعبين يتكلمون بصوت واحد. أعتقد أن هذا أمر لا تستطيع أي مجموعة سلام أخرى أن تقوم به. و هذا ما يجعله إستثنائي. هذا أحد المشاريع التي نقوم بها و أعتقد أنه مشروع مهم جداً. بعد أن رأينا ما حدث في إيرلندا و في كل أنحاء العالم، نقوم بنفس المشروع لبرنامج تربوي للبالغين. لدينا لقاءات الآن  التي سبق أن بدأت. لقد بدأنا برعاية من مشروع دينماركي الذي إفتتح الكثير من البيوت و القاعات،  هذا أحد النشاطات الرئيسية التي ستجري خلال العام 2006.

بالعودة لأولاد المدارس, ماذا تتوقعين أن يكتسبوا من هذه اللقاءات؟

أعتقد انهم يكتسبون وجهة نظر أخرى. لكن هذا ليس كافياً. بعد إنتهاء هذه الحصص يقوم الطلاب بتعبئة إستمارة ليقولوا فيها ماذا حدث معهم. في الحقيقة إنه لأمر ملهم في  و مذهل. 80% من هؤلاء الأطفال من الطرفين يعبرون فجأة عن رغبتهم بلقاء المجموعة الأخرى، ليلتقوا بالفلسطينيين أو ليلتقوا بالإسرائيليين. لذا لدينا إستمرارية في هذا المشروع و هذا أمر رائع. على سبيل المثال عقدنا لقاء بين مدرسة من بيت صفافا و مدرسة من أشدود –التي هي ليست معقلاً  لحركة السلام- و كان هناك أطفال متدينون من كلا الطرفين. لقد أمضوا نهاية الأسبوع سوية و المدهش أنه في نهاية الأسبوع لم يرد أيٌ منهم أن يصعد إلى الحافلة و يعود إلى بيته. و الأهم من هذا أنهم بدءوا يكتبون لبعضهم البعض بشكل مقرب. لقد دعا الأطفال من أشدود أطفال بيت صفافا ليبقوا على إتصال معهم و ليأتوا عندهم في نهاية الأسبوع. قمنا بنفس الشيء بين مدرسة بالقرب من جنين و مدرسة من تل موند. نحاول إختيار المناطق الخارجية البعيدة عن المركز بحيث لا يكونون من الأطفال الذين يعيشون سلام تل أبيب الشمالي بشكل طبيعي. و هذا يجدي نفعاً، لديهم موقعاً على شبكة الإنترنيت يكتبون فيه لبعضهم البعض بالإنجليزية. كثيراً ما أقرأ ما يكتبون؛ إنه مدهش. إنه ليس الحمص و العناق الذي تحدتث عنه سابقاً إنه أمر عميق جداً. إن ما نهدف إليه هو أن يتم خلق صداقات بينهم خارج إطار منظمتنا. يمكننا أن نخلق البذرة و عليهم أن يسقوها لتستمر. لكننا نوفر لهم فرصة ليلتقوا.                

تحدثت عن لقاءات مع إسرائيليين في سن 16-17 سنة، كيف تتوقعين أن تؤثر هذه اللقاءات على خدمتهم المقبلة في الجيش؟

إنه أمر في غاية الصعوبة أن أقوله بسبب الضغط الذي يتعرض له الأولاد الإسرائيليون عندما يذهبون إلى الجيش. الكل ينظر لهؤلاء الأولاد و يظن أنهم أولاد راشدين. عندما أنظر إليهم أرى أولاداً صغاراً بالكاد بدأوا يحلقون، و حساسين و خائفين جداً و ينخرطون في أعمال غير مناسبة.

إذاً ماذا يرى الفلسطينيون من الإسرائيليين؟ إنهم لا يلتقون بي و لا بجيراني؛ بل يلتقون بمجموعة من الأولاد في موضع قوى هؤلاء الأولاد هم بدورهم خائفون، و يتحول كل هذا الخوف إلى كراهية لذلك يقومون بأكثر الأعمال قذارة. و فجأة يحصل هؤلاء الجنود على الإذن، و يصبح لديهم  شعور أنهم لا يقهرون، حتى يصبحون في سن 25 و أنه لا يمكن أن يحدث لهم شيئاً و يتصرفون وفقاً لهذا الأمر. و يشجعهم على ذلك و جودهم مع مجموعة من الرجال الذين هم أكثر رشداً، إذاً هذا ما يتعرض له الفلسطينيون. بعض هؤلاء الجنود يأتون من أكثر العائلات تسامحاً؛ أنا مصدومة بتصرفات بعض الجنود. و من ناحية أخرى كانت هناك سيارات إسعاف تتسلل بين القنابل.

نستطيع أن نشعر العنف في شوارع تل أبيب من الطريقة التي يقود بها الناس في شوارع إسرائيل. لا أعتقد أن هذا الغضب في الشارع يأتي من مجتمع سلمي و مطمئن. لذا عندما ترى هؤلاء الأولاد؛ الجنود الذين يعودون إلى بيوتهم ليالي الجمعة و يثملون و يقودون سياراتهم كالمجانين و يقتلون أنفسهم بحوادث السير- في الواقع إن الإسرائيليين الذين يقتلون في حواث السير أكثر من الذين يقتلون بسبب الصراع- لكن ربما إذا كان ذلك الولد في حاجز و ينظر إلى شخص فلسطيني قد يرى وراء هذا الشخص الذي يقف هناك إنسانيته. لا أعرف ليس هناك مقياس لذلك الأمر.
كل منا كان لديه مصدر إلهام في حياته غير طريقة تفكيره، لأية طريقة، ليصبح أكثر تطرفاً، أو ليصبح يمينياً، أو ليصبح أي شيء. أعني أنني أفكر بالناس الذين غيروا الكثير في حياتي. أحياناً أشعر بالكثير من الرضى؛ عندما أكون محبطة و أذهب إلى مدرسة و أتكلم أشعر أنني مباركة لأنني أستطيع القيام بذلك لأنه عندما أنظر لهؤلاء الأولاد أفكر أنه ربما من بين هؤلاء الثلاثين ولد في الصف ... أعني أنه مثله مثل أي مجتمع آخر حيث يجلس الناس في الخلف و لا يفعلون شيئاً. لكن فجأة يأتي إلي طفل و يقول لي:" أريد أن أفعل شيئاً. سوف أحدث فرقاً في مجتمعي." بالنسبة لي هذا أكثر شيء مجزي قد ينتج من هذا العمل، لا يهمني إذا كانوا سيعملون في رفاهية الحيوان أو في العلاقات المتبادلة أو في مشاريع التعايش لكن المهم الخروج من هذا الجمود "بإنتظار المسيح". لا يمكنك أن تنتظر المسيح بعد الآن. إنه أمر أساسي و على الناس أن يقوموا بهذه الأشياء.     

هل تواجهين مقاومة لإستخدام حالتك كأم ثكلى في هذا النوع من العمل؟

نحن لسنا منظمة سياسية أو بعبارة أخرى لسنا عضو في أي حزب سياسي. لذلك أقل تطرف. بالطبع أتعرض للهجوم ... لقد حدث هذا معي في الولايات المتحدة، لكن نادراً ما يحدث في إسرائيل. وصلتني رسائل الكترونية تقول أنني يجب أن أُحرق في معسكر النازية في أوشڤيتز. لكن بشكل عام، أعتقد أن الأهالي الثكالى؛ الفلسطينيين و الإسرائيليين لديهم و ضع خاص في كلا مجتمعاتهم. بالنهاية لقد دفعوا أغلى ثمناً من أجل أن يقولوا الأشياء التي يقولونها. لا تتم مهاجمتنا بالفعل أظن أن هذا لأننا لسنا سياسيون؛ بالتأكيد نحن كلنا أشخاص سياسيون لكننا لسنا أعضاء في أي ... نحاول أن لا يتم تصنيفنا في فئة معينة. نحن لسنا الصفوة المختارة، و لسنا أغبياء، و لا بسطاء، لسنا بشيء، نحن مجرد بشر من كل مجالات الحياة في مجموعتنا. القاسم المشترك بيننا في المجموعة هو الألم إبتداء من أبسط الناس إلى أكثرهم ثقافة من كل مجالات الحياة. لا أعتقد أنه يتم مهاجمة الفلسطينيين و لا نحن في الحقيقة. هناك شعور بالإعجاب، ليس إعجاباً بالفعل، لا أحب كلمة إعجاب. إنه على الأغلب شعور بالقيمة لأنك مازلت على إستعداد أن تفعل شيئاً؛ هناك شعور بالروع نوعا ما: كيف ما زلت تؤمن بالسلام بعد أن فقدت أحداً من عائلتك؟ لست أقول هذا من موقع تعجرف؛ الناس يرون هذا أمراً غريباً  أو يصعب عليهم التصديق أن شخصاً كابد هذا الفقدان ما زال يريد أن يبذل جهداً  ليوقفه. لكنهم لا يعرفون ماذا يعني أن تفقد إبناً و بالنسبة لي إذا كان بمقدوري أن أمنع أماً واحدة من أن تخوض ما أمر أنا به، فإن ذلك قد ينجز أمراً ما.

ماذا تحتاجين من نظرائك حتى تستطيعين العمل معهم؟

إنه لسؤال صعب لأنني لم أفكر قط بماذا أحتاج منهم. أعتقد أنني إكتشفت الكثير من الأشياء المشتركة بيننا على كل المستويات. عاطفياً نشترك أنا و نصرة من نابلس التي فقدت إثنان من أولادها، أستطيع أن أجلس بجوارها في الحافلة و اللغة بيننا هي لغة الجسد،  لأنها لا تتكلم العبرية و لا الإنجليزية و لغتي العربية لا أحسد عليها. أستطيع أن أجلس بجوارها و ستأخذ هي يدي و تريني صورتين لأبنائها و سأشعر أنا بالحال بالتعاطف و المحبة لهذه الإمرأة. هناك أيضاً زميلتي ندوى التي تتحدث بصوت واحد معي  و التي تجاوزت حدود أنها فلسطينية أو إسرائيلية. نحن الآن كعائلة تقريباً لقد أمضيت معها الكثير من الوقت أكثر مما أمضي مع أي شخص آخر لأننا نسافر كثيراً سوية. بكل صدق لم نقل قط لبعضنا  ما قد يسبب الخصام  في كل الرحلات - و من الصعب أن تسافر في جولة محاضرات، لإلقاء المحاضرات بدون توقف من الصباح و حتى المساء- و هذا ليس لأننا حريصين من بعضنا  لأنها فلسطينية و أنا إسرائيلية إنه أمراً متناغم بيننا . نحن نستمتع ببعضنا البعض و نفسح لبعضنا المجال و أنا أثق بها جداً. وبكل  صدق  إذا مرضتُ سأكون سعيدة أن تقدم هي محاضرتي عني. إنه شعور ممتع أن يكون لديك رفيق مساو لك بالفعل. ندخل عادة إلى غرفة و نقول: " من منا الفلسطينية و من الإسرائيلية؟" و  أنا دائماً الفلسطينية ... و هي لديها شخصية مميزة و تحب ذات الأشياء التي أحبها لذا كنت سأحبها لو كانت من أي مكان، ليس لهذا علاقة بكونها فلسطينية، لكن أصبحت علاقتنا أكثر عمقاً الآن لأن مستوى المحادثة بيننا عميق و صادق جداً. كوني  أرسلت ندوى و علي ليذهبوا لرؤية عائلة القناص يبيين الإرتباط الذي أشعر به إتجاهها.بالطبع هناك بعض الأشخاص في المجموعة الذين لا أشعر إتجاههم بنفس الإرتباط ، لكن ذلك ليس مطلوب منهم. إن ما أبحث عنه هو الصدق في العمل الذي نقوم به. إن تطور كل شخص في طريق المصالحة مختلف. فالأمر يستغرق وقتاً.

 أستطيع أن أرى كيف تطورت أنا خلال السنتين الماضيتين فهناك فرق في طريقة إجابتي لسؤال الآن و ما كنت عليه قبل سنتين، إنه مختلف تماماً. ما أقصده هو أنني إنسان من طراز قديم لكنني ما زلت أتعلم, هذا طريق من التعلم و التسامح طويل و صعب، لتصبح قادراً على الحوار مع مستوطن و الحوار مع شخص غاضب جداً، هذا ما تتعلمه. بدلا من طريق "سأنجح ليس فقط لأنني على صواب،" هذا مختلف جداً. لقد كنت دائماً قادرة على إقناع الناس لأنني بائعة جيدة لكن الآن أنا من بيئة أكثر نظافة.

ما التحديات التي تواجههك في عملك؟

كل شيء. إنه تحدي لي لأنني لطالما كنت مستقلة جداً أعني كنت سيدة نفسي؛ كنت أدير كل ما أريد و إذا إتخذت قراراً فهو ما  كان يتم. ليس من منطلق ديكتاتوري، لقد كان هناك أشخاص يعملون معي و أصبحنا عائلة. لكن بالرغم من ذلك خَفت الحماسة بداخلي.  و الآن علي العمل ضمن فريق. إنه درس كبير بالنسبة لي. هذا لا يعني إنه لا يمكنني العمل ضمن فريق إذا كنت أنا المديرة لكن هناك فرقاً.

لا يمكنني أن أستيقظ غداً صباحاً و أقرر القيام بمشروع دون إستشارة شخص آخر، و هذا أمر غريب بالنسبة لي. علي أن أقنعهم بالأمر ليتفهموه. و هذه طريقة مختلفة جداً في العمل علي أن أصغي لما يقوله الكل دائماً و هذا تمرين آخر بالنسة لي: أن أجلس في إجتماعات و أستمع لما يقول الآخرين لساعات، و أنا في طبعي لست صبورة و أريد ان أفعل كل شيء في الحال. هذه طبيعتي. أنا نشيطة جداً و عندما أقرر أن أفعل شيئاً يجب أن أفعله في الحال. لكن في حالتنا لا يمكن أن يكون في الحال. إن الأمر مختلف عندما تعمل مع أناس آخرين لتخلق حلماً؛ حلما مشتركاً فلم يعد حلمي أنا وحدي و هذا فرق دقيق.

لا يعني ذلك أنني كنت ديكتاتورة في مكتبي و لم أدع أحداً يفعل شيئاً. لكن إذا إستيقظت يوماً ما  بخطة متهورة و أردت أن أقوم بشيء كان بإمكاني أن ألهم الكل من حولي على القيام به، لكن سيكون حينها هذا مشروعي، و الآن الوضع ليس ذاته، و لقد كان درساً رائعاً في التواضع لي... أنا لم أصل لذلك بعد لأنني أفقد صبري بسهولة. الناس لديهم سرعات متفاوتة في القيام بالأشياء وهذا هو الصبر الذي كنت أتحدث عنه في البداية. هذه هي التحديات بالنسبة لي لوجودي في مثل هذه المنظمة: أن يكون لدي الصبر أن أستمع للجميع حتى لو أنني أعتقد أنها مضيعة للوقت و هي ليست مضيعة للوقت لأن هذا هو الفرق أن تقتل الناس بأحكامك عليهم قبل أن تسمع حتى من هم بالفعل. إنه مثل الدخول إلى غرفة و النظر حولك و القول: "آه هذا طرازي المفضل من الناس" أو " هي ليست من طرازي المفضل من الناس." لا تعرف ما الذي تفقده في الحياة! أقصد هذه دروس--  قد أكون من طراز قديم بعض الشيء، لكن هذا ما أتطور به ضمن وجودي الشخصي. لم أصبح قديسة. لكن هناك فرق كبير بين ما أنا عليه اليوم و ما كنت عليه، و لهذا علاقة أيضا بالألم و بفقدان ديڤيد؛ له علاقة بسلم أولويات مختلف الآن. إنه الإدراك أن ولدي لن يعود ثانية، و هو أمر يستحيل إدراكه. إذاً هذا يغيرنا.


هناك غضب فوري، لقد فعلت أمراً سخيفا ذلك اليوم. يريد المستوطنون أن يقيموا نصباً تذكارياً للجنود الذين ماتوا في البقعة التي قُتل فيها ديڤيد. قلت: "على جثتي". لن تقيموا نصباً تذكارياً في الأراضي المحتلة بإسم ولدي، الذي كان ضد ذلك كله." إنه أمر مبعث للسخرية جداً أن تخلق الكراهية. عندما قالوا أن ديڤيد كان هناك من أجل حماية مستوطنتهم، قلت: "أنظروا إلي، أنا نتيجة جنونكم." هذا رضى سريع لكنه لا يفيد بشيء لأنه إذا أردت أن أروق للناس هناك فهذه ليست الطريقة للقيام بذلك. هذا هو الغضب الذي يأتي من وقت لآخر. أحياناً أغضب من نفسي لأنني لم أحمي ولدي


كم من الوقت تمضين في العمل بهذه النشاطات؟

إن هذا بالنسبة لي يستغرق كل الوقت. أنا مشغولة كل يوم، طيلة النهار و في البعض الأحيان في الليل أيضاً. لكنها ليست تضحية. أنا أفعل ذلك من أجلي و من أجل أحفادي لأحدث فرقاً. فأنا لا أعاني من العمل، أعتقد أن العمل هو الذي يبقيني على قيد الحياة.

خلال لقاءاتك في دائرة الأهالي، هل تشعرين أن هناك إجابات مختلفة من الناس الذين فقدوا أقرباءً في عمليات عسكرية؟

نحن كمجموعة نحاول التغلب على ذلك. إنه أمر مثير للإهتمام لأن الكثير من الصحافيين يأتون "بقائمة تسوق": " نود التحدث إلى أم لا تتجاوز الخامسة و العشرين من العمر، فقدت طفلاً في عملية إنتحارية،" أنا لا أمزح هذا ما يحدث. أو تقول إحدى المجلات، مجلة نساء خيالية جداً "نريد إمرأتان  أصغر في السن تكونان"- لا أدري- "شقروات و عيونهم زرقاء." إن ما أقوله تطرف لكن هناك "قائمة التسوق".

بالنسبة لي أن تفقد طفلاً، لا يهمني كيف، سواء أقدم على الإنتحار، أو قتل في عملية إنتحارية، أو إذا جندي إسرائيلي قتل الطفل، او إذا كانت أم الطفل هي أم إنتحاري فجر نفسه، كله ذات الأمر. أنا أؤمن أنه عندما يكون الناس على إستعداد أن يسيروا في طريق المصالحة، فلا يهمني من أين هم، إذا كانوا يرون هذا كطريق في حياتهم فهذا أهم من أي شيء آخر. أليس إستعدادهم للمجيء و العمل في مثل هذا العمل دليلاً ؟ فماذا يهم، أعلينا الآن أن نعرف كيف قُتل الطفل؟ " إذا لم يتم ذلك بعمل معين أفلا يمكنك أن تكون من مجموعتنا؟ " كم من الناس في هذا العالم مستعدين أن يضحوا بحياتهم من أجل شيء كهذا؟


بالطبع هناك تحييز في المجموعة، و لربما كنت إتخذت موقفاً من المجتمع الفلسطيني لو كان طفلك... لو قتل الطفل الإسرائيلي في عملية إنتحارية. لا أعرف. لا أريد أن أتعمق في هذا المنحى. أعتقد أننا بالفعل ننظر إلى الأمر كأشخاص فقدوا أحداً و في الحقيقة لا أرى هناك فرقاً لأن طريق المصالحة هي طريق للجميع، ليست مقتصرة على عدد من الأهالي الذين تم قتل أطفالهم بطريقة معينة بناء "لقائمة تسوق" أحد ما، ليكونوا فعالين في هذه المنظمة. إنها لأي شخص مستعد للبحث عن حوار و مستعد أن  يقحم نفسه بهذا الموضوع و مستعد أن يتحدث إلى مجموعات من الناس. هذا ليس سهلاً.

لقد قمت بأشياء منذ مقتل ديڤيد ولو قيل لي من قبل أنني سأفعل بعض هذه الأشياء لقلت أنه جنون. أن أشارك في مظاهرة أمام 000, 60 شخص –ليس أقل- أمر لا أستطيع التصديق أنني قمت به. لأنه عندما يكون العقل موجه و عندما يؤمن المرء تماماً بما يقوم به فلا يهم إذا كان الناس يعتقدون أنك ذكي أو مضحك أو حسن المظهر أو كل هذه التفاهات—فهي ليست موجودة. هذه الأمور الذاتية تظهر من وقت لآخر. لكن بالنسبة لأم فقدت طفلها في عملية إنتحارية أو في حادث سير في الجيش أو في أي ظرف من الظروف فالألم هو ذات الألم. ليس هناك فرقاً؛ فلون دموع أم ما لا يختلف عن لون دموع أم أخرى. لدى الناس طرق مختلفة للتعامل مع الحزن. إذا لا أريد ان أبقى في مجموعتي و لا أريد أن يبقى أحد آخر لأحكم كيف قتل طفل أحدهم و نرى إذا كان ذلك يجعل عضويتهم أكثر شرعية من البقية.

ما هي نوع اللقاءات التي تقومون بها؟ ومن يشارك بها؟

لدينا في نهاية هذا الأسبوع مؤتمر، على سبيل المثال. و سيكون هناك 170 عائلة، أعني 170 شخص يمثلون 170 عائلة. نصفهم فلسطينيون و النصف الآخر إسرائيليون، كل من يشارك هو جزء من مجموعتنا، كلهم فقدوا شخصاً مقرب من العائلة. و على فكرة لقد دعونا العائلة من جنين التي تبرعت بأعضاء إبنها لينضموا لمجموعتنا. و على الأرجح سيكونون في هذا المؤتمر يوم الخميس و نريد أيضا العائلات الذين من شعفاط أن يأتوا. لقد دعوناهم؛ أتمنى أن يأتوا. حان الآن الوقت لنتكلم و لنتشارك الأفكار لمشاريع جديدة،  حان الوقت لنستمع للمحاضرات، حان الوقت لنجلس سوية و نشرب القهوة. حان الوقت لندعم بعضنا البعض و لنتضامن، تلك الكلمة بالعبرية "جيبوش" يتضامن إنها كلمة رهيبة لأنه تضمن معاني عسكرية، لكن هناك ما يلهمنا لنستمر. إن القيام بهذا الأمر صعب جداً. عليك إن تكون في هذا الطريق، كما يقول روني هيرشنسون الذي هو عضو في منتدى العائلات الثكلى، كأن تغرف مياه البحر بقبعة.

هل تواجهين مقاومة في المجموعة لأي شيء؟

مقاومة في مجموعتنا ؟ أعتقد أن هناك تعدد في الآراء في المجموعة. بالـتأكيد لسنا مجموعة متجانسة. و لا نأتي كلنا من نفس الخلفيات أو من نفس الخلفية الإجتماعية الإقتصادية، لا الفلسطينون و لا الإسرائيليون و لا نحن الإثنان معاً. لكن أعتقد أننا وصلنا إلى مستوى الصدق في مجموعتنا، يستطيع الفلسطيني أن يستدير و يقول: " لا أستطيع ان أحتمل الإستماع للعبرية، بالنسبة لي هي لغة المحتل." و بإمكانه أن يقول ذلك بكل أمان في المجموعة. نحن كإسرائيليين يمكننا أن نجيب بتعاطف و نقول أننا كنا نشعر بذات الشيء عندما كنا نسمع الألمانية، لذا يمكننا أن نتفهم؛ لكن إذا أردنا أن نتواصل علينا أن نتعلم لغة بعضنا البعض.  يستطيع الفلسطيني أن يقف في المجموعة و يقول: " أنا أشعر بالتعاطف إتجاه المستوطنين لأننا كشعب نتفهم ماذا يعني أن نُطرد من بيوتنا." إذا فنحن بالتأكيد نصل لمستوى من التفاهم و أنا شاكرة لهذا العمق الذي وصلنا إليه في المجموعة. و بالطبع هناك أشخاص يفكرون بأشياء مختلفة. لست متأكدة أن الكل في المجموعة يريدون المصالحة مع الشخص الذي قتل طفلهم، لكنها ليست مسألة للحكم. كل شخص هو فرد. الرسالة الرئيسية هي: لنمنع العائلات الأخرى من أن تختبر ما إختبرناه نحن و دعونا نكون غير عنيفين.

ما هو برأيك تأثير عملك؟

 يعتمد على اليوم الذي أعمل فيه. لقد أمضيت أسبوعاً مثير للإهتمام الأسبوع الماضي. لقد ذهبت إلى بيت لحم. ذهبت إلى إجتماع هناك؛ تحدثنا إلى الكثير من الناس و كان هناك الكثير من الفلسطينيين بين الجمهور أيضاً و أدركت مدى أهمية عملنا. لقد تم تغطية ذلك في التلفاز و كنت أنا سعيدة بذلك. ذهبت إلى مدرسة بالقرب من الرملة لألقي محاضرة مع أحد الأعضاء، محاضرتين بالفعل، و كان هناك 40 طالباً تقريباً في كل صف، يأتون من أوضاع إجتماعية إقتصادية صعبة بالقرب من خط السكة الحديدية في الرملة. و فجاة أدركت الألم الذي يحمله هؤلاء الطلاب كفلسطينيين يعيشون داخل الخط الأخضر. إنهم مواطنون فلسطينيون يعيشون داخل الخط الأخضر و ولاءهم ممزق لأنهم يعيشون في حي فقير جداً مليء بالمخدرات، و هم في صراع نفسي بسبب ذاتهم "من هم" في هذا المجتمع و قد لا ينتمون لأي من المجتمعين. نظرت لهؤلاء الطلاب الجالسين الذين إندهشوا جداً لما قلناه. حصلت على الأوراق التي يدون فيها الطلاب تعليقاتهم. البعض منهم كتب بالعبرية ما إعتبرته لطفاً منهم.  فجأة إحتوت إجابات البعض منهم في الإستمارات التي ملاؤها على روح الأمل. فكيف لي أن لا يكون لدي شعور بالأمل؟

أعتقد أنني أدرك أنه لدى البشر القدرة على إظهار الرأفة و أستطيع أن أرى هذا عندما يأتي إلي فلسطيني في الصف يحضنني و يقول: " أنا آسف لأنك خسرت ولدك." لذا لا يسعني سوى أن أمتلىء بالشعور بالأمل و بالإيمان بالطبيعة البشرية. و إلا لما إستطعت أن أقوم بالعمل الذي أقوم به. أعتقد أن هذا قاسم مشترك في المجموعة.

تكون  صعبة. لم يكن من السهل علي أن أجلس في هذا الصف؛ لقد شعرت بكره شديد عندما دخلت. لمن على هؤلاء الأطفال أن يكونوا موالين؟ ماذا عليهم أن يقولوا؟ من عليهم أن يدعموا؟ لماذا عليهم أن يشعروا بالأسف لأنني فقدت إبني؟ لماذا ليس عليهم أن يشعروا بالأسف لأنني فقدت إبني؟ إنه إبن! كل هذه المعلومات المتضاربة  تدور في رؤوسهم؛ إنه أكثر  صعوبة بالنسبة لهم من الفلسطيني أو الإسرائيلي الذي ليس ممزق بين الهويتين. أذكر ماذا شعر اليهود بالنسبة ليهود روسيا الذين تم إتطهادهم. أذا حاول المرء أن يضع نفسه مكان غيره سيكون من الأسهل أن يشعر بالتعاطف؛ هذا لا يعني أنه عليك أن توافق معهم، لكن يمكنك التعاطف مع آرائهم.

برأيك أين أنت بالنسبة للإتجاه العام في مجتمعك؟

لا أعرف ليس هناك قاسم مشترك في المجتمع الإسرائيلي. أعتقد أن الكثيرين يعانون من الشعور بتعب المعركة هنا. أظن أن 70% من الناس يوافقونني الرأي. لا أعرف ما هي النسبة من ال70% الذين هم على إستعداد للقيام بشيء حيال ذلك. لا أستطيع أن أكون مغرورة لهذا الحد لأحكم على الناس. ما أحاول أن أفعله هو- أكره كلمة إلهام فهي متعالية جداً- أن أبين أن هناك إحتمال لأن نحدث فرقاً في مجتمعنا، لأنني أؤمن بذلك بشدة. أعتقد أن كل شخص يمكنه أن يحدث فرقاً؛ و لا يهم في أي مجال.

إنها تلك الأشياء المضحكة التي عليك القيام بها، كالأعمال التي تكره أن تفعلها فمثلاً أنا لست جيدة بما يتعلق بالوثائق و الحسابات و تعبئة الإستمارات و طلبات تأشيرات السفر. هذا بالنسبة لي كالعقاب. أقوم بعمله بعد شهور و شهور من العراك مع نفسي؛ و هذا ما حدث أخيراً هذا الأسبوع. أخيراً ذهبت وقمت بكل تلك الأمور الروتينية المروعة التي لا أجيد القيام بها. إن شعوري  بالفيام بعمل ما، و هذا ينطبق على عملنا، و شعوري أنني لا أجلس في الخلف منتظرة المسيح، و شعوري أنني جزء من شيء يحاول أن يغير أموراً، هذا كله يعطيني شعور بقيمتي بالوجود. إنه وجودي في مجتمع حيث ربما إستطاع شيئاً ما مكان ما أن يغيير الأشياء. و كوني جزء من هذا في المنتدى، و جزء من الصوت المشترك هو إمتياز كبير. لا أعتقد أن الكثير من الناس يفهمون أنه عندما تتبنى موقفاً، و لا يهم ما هو الموقف، لكن عندما تفعل شيئا حيال ذلك فهو شعور  بالإمتياز، و بالإنتماء.

لو كان بإمكانك البدء من جديد في منظمتك ماذا كنت ستفعلين بصورة مختلفة؟

لكنت أكثر تسامحاً منذ البداية. لو أنني كنت أعرف في ذلك الوقت ما أعرفه الآن، و ما زلت لا أعرف، أعتقد أنني سأكون أقل إدانة في أحكامي للجميع! إنه أمر عام، "أعتقد أنني أعرف أفضل منك." لا أعرف. كيف سأعرف ماذا كنت سأفعل بشكل مختلف؟ لا أعرف.

هل هناك مشروع معين كنت ستقومين به بشكل مختلف أو هل كنت سـتاخذين إتجاه ما؟

لقد توصلت إلى أمر واقع في المنتدى، هذا الوضع الذي تطور خلال السنوات الماضية إلى ما وراء كل ما هو متعارف عليه. إن جذور العمل الحقيقية قد نمت. إنها ليست منظمة لإلتقاط الصور. إنها منظمة تعمل بالفعل. لذا فأنا سعيدة جداً بما حدث للمنظمة على مدى السنوات الماضية. أرى إنجذاب هائل من الناس، الذين يعملون بالفعل و يذهبون إلى المواقع و يقومون بالأعمال. هناك مشاريع في بالي. إنني أعمل على أمر أعتقد أنه يمكنه أن يحدث فرقاً كبيراً و أتمنى أن يوافقني الجميع. لذا علي أن أنتظر لأرى ماذا سيحدث. لكن في الحقيقة أعتقد أن للمرأة دوراً كبيراً في هذه العملية و إن ما أعمل عليه هو للنساء الثكالى. أتمنى أن يكون بمقدورنا أن نفعل ذلك في نطاق المنتدى لأنني أعتقد أنه عندما تشارك المرأة في طاولة السلام فإنها تخلق فرقاً كبيراً. إذا نظرنا إلى إيرلندا، أعتقد أن الفضل لما حدث يعود لعمل النساء في العملية.

بماذا يمكن أن تساهم النساء؟

أرجو ألا يساء تفسير ما أقول. أعتقد أن الرجال يكابدون تجربة الألم بنفس العمق الذي تكابده النساء. بعد التعرف على الرجال في مجموعتنا أصبح من الصعب علي تصديق المعتقد الإجتماعي الذي يقول أن الألم أسوء للمرأة. لكن أعتقد أنه عندما تتكلم النساء للمجتمع عن الرأفة يكون لكلامهن تأثير فعّال. و أعتقد أنه عندما تتكلم الأمهات يكون لديهن تأثير قوي.

صدقوني أن كل الأمهات متشابهات، إن أم الإنتحاري لديها مشكلة ثلاثية: بماذا فشلت هي، و فقدان ولدها، و أن ولدها قتل نفسه وقتل أشخاص أبرياء معه. لا يهمني ماذا يقال، فأي أم- أنا في شقتي الصغيرة في تل أبيب أو أم في مستطونة تقول أنها فخورة لأنها قدمت إبنها من أجل الأرض- ألمنا كله واحد، و إلا لما كان هناك طبيعة و  لما عاد هناك معنى لأي شيء. الأمهات هن الأكثر قوة و الأكثر إنسانية لأنهن الوحيدات اللواتي يعرفن الألم لفقدان طفل. لا أنفي ألم الأخوة و الأخوات و الوالدين و الأجداد و الآباء، لكن ألم الأم شديد جداً لدرجة لا يجعلني أصدق قصة أي أم تقول أنها فخورة لأنها فقدت إبنها لأي شيء.

كيف كان تأثير الوضع السياسي على عملك؟

لا أريد حقاً أن أجيب على هذا السؤال لأن مشاعري السياسية صعبة جداً. من الواضح أن بعض الأوضاع التي حدثت مثل فك الإرتباط أو التغييرات في حزب العمل و مثل تلك الأمور تحدث فرقاً في العمل الذي نقوم به. إن القوى التي تخبرنا أنه لا يوجد أحد لنتحاور معه تحدث فرقاً في العمل الذي نقوم به، و إلا لما إبتكرنا خط الهاتف للفلسطينيين و الإسرائيليين.

هلا أخبرتني القليل عن خط الهاتف بين الفلسطينيين و الإسرائيليين ؟

لأن القوى تقول أنه لا يوجد أحداً لنتحاور معه قمنا نحن بإبتكار خط هاتف بين الفلسطينيين و الإسرائيليين. إنه خط إتصال مجاني، و منذ تشرين أول منالعام 2002 كان لدينا ما يقارب 750000 إتصالاً هاتفياً. لا يكون الجميع لطيفين مع بعضهم البعض في هذه المكالمات، لكنها بداية للحوار بالنسبة لكثيرين، و قد نتج منها صداقات جيدة على الرغم مما يحدث سياسياً.

بكل تأكيد نحاول أن نكلم أكثر عدد ممكن من السياسيين لنظهر لهم الجانب الآخر من الحياة اليومية هنا الذي يمكنه أن يخلق فرقاً. إن ما يحدث على الصعيد السياسي سيؤثر على العمل الذي نقوم به. كلما إقتربنا إلى نوع من الإتفاقية كلما أصبح عملنا أكثر أهمية، لأننا كلنا نشعر أنه لن يكون هناك إتفاقية إلا إذا كان هناك عملية مصالحة تبنى بتوقيع شيء ما.

هل هناك تقييد على لقاءاتكم بسبب الأوضاع الراهنة؟

إنه من الصعب الحصول على تصاريح أحياناً لكن على المدى البعيد يمكننا أن نتدبر أمر لقاءاتنا بكل الوسائل. أعتقد أننا سنحصل على تصاريح لكل الفلسطينيين ليحضروا المؤتمر في نهاية هذا الأسبوع. إنه عمل شاق و صعب و سيكون أسهل بكثير لو منح أعضاؤنا وضعاً يسمح لهم  التنقل بحرية. إنه أمر مهين جداً للفلسطينيين أن عليهم الحصول على تصريح للتنقل.

ما هو برأيك أصل الصراع؟

إن هذا الصراع يشبه قصة روميو و جولييت. إنه غريب جداً. نحن شعبين متشابهين جداً، إعتقادات الشعبين متشابهة جداً؛ و شعورنا أن لا أحد يريدنا في أي مكان هو شعور موجود. إن نقص معرفتنا لبعضنا البعض يساهم مساهمة كبيرة في الصراع. عندما أقرأ كتاباً عن تاريخ وجود البريطانيين هنا يبدو لي و كأنني أقرأ عناويين الأمس، إنه أمر مرعب أن ترى ذات الأخطاء تكرر مراراً و تكراراً. البريطانيون إرتكبوا نفس الأخطاء التي نرتكبها نحن الآن: من تدمير البيوت، و فرض العقوبات الجماعية. إن الطرفان يكرران هذه الأوضاع. إنها تصرفات متكررة في دائرة العنف التي تخلق المزيد من العنف. و نحن لا نعرف بعضنا لذا نقتل أطفالنا، و هذه قصة روميو و جولييت.

ما رأيك بعمليات السلام السابقة؟

أنا لست بسياسسية. أنا إنسانة عادية، لكن أعتقد أن معظم المشكلة هي أنهم لم يحاولوا أن يحتضنوا عملية المصالحة بين الشعوب. لقد وقع الطرفان وثائقاً و إتفقوا عليها لكن لم يشارك الناس بذلك، و هذا ما قلته سابقاً أنه في أي عملية، كلما إقتربنا من الإتفاق كلما إزدادت أهمية عملنا.إن كل إتفاقيات السلام التي قمنا بها هنا، و إتفاقية أوسلو التي تعتبر إتفاقية رئيسية منحت العالم الكثير من الأمل، لم تأخذ الناس بعين الإعتبار لأنهم قالوا، "دعونا ننسى الماضي."  لا يمكننا أن ننسى ذلك. ربما بدء الناس الآن باتفاقية جينيف أن يفهموا قوة المصالحة. هذا أمر يمكن للدائرة أن تكون رائدة به. لا يمكننا أن نقوم بالعمل الأكاديمي لكن يمكننا أن نكون مثالاً  للآخرين لأنه إذا إستطعنا نحن القيام به فالكل يمكنه ذلك.

ما هو الوضع المثالي الذي ترغبين برؤيته هنا في المستقبل؟

أعتقد أنه مثلي مثل غيري من الناس، أود أن يكون للفلسطينيين دولة عادلة قابلة للحياة، يجب أن يكون هناك وضعاً آمناً حيث تستطيع الأم الفلسطسنية و الأم الإسرائيلية أن تستيقظ في الصباح دون أن تقلق على أطفالها ليعودوا سالمين إلى البيت، و أن يستطيع الناس أن ينجحوا في حياتهم اليومية مثل باقي الشعوب.


هل تعتقدين أن هذا ممكناً؟

نعم. و إلا لما بقيت هنا.

ماذا تعني لك كلمة السلام؟

 يتلفظ الناس كلمة السلام هنا برفق شديد. أعني حتى في لقاءتنا – "شالوم"، سلام، أيا كان "پاز"، الكل يستعمل هذه الكلمة. السلام يعني الكرامة الإنسانية، أعتقد أنني سأشعر بالسلام لو أنني أعيش في دولة أخلاقية يكون فيها الناس متساوون و  يحترمون إنسانية بعضهم البعض. هذا هو السلام بالنسبة لي. لا أعرف بالفعل ماذا يعني السلام. إنه كل شيء كل تلك السلسلة الكاملة التي تحدثنا عنها. لكن أُفضل هنا أن أتحدث عن المصالحة. كنا نتحدث عن السلام و لكل منا تقسير مختلف. لقد قال علي شيئاً رائعاً. لقد قال أن السلام للإسرائيليين هو متابعة الحياة بشكل أفضل بكثير لكن بالنسبة للفلسطينيين هو بداية للحياة، و أعتقد أن هذا ما سأقوله أنا أيضاً.

لقد وقّعنا الكثير من إتفاقيات السلام، كأوسلو على سبيل المثال، لكننا لم نأخذ بعين الإعتبار الحساب على الجرائم، الإعتراف، الإعتذارات، السعي للعدالة. الناس هنا في المنتدى لهم دور، القضية ليست قضية توقيع وثائق. لنتخيل أنه لو كان لدينا هنا بعد أوسلو، شيئاً مثل لجنة الحقيقة و المصالحة فأي طريق مختلف في حياتنا سيكون لدينا اليوم.


 

ما رأيك ببعض الشعارات مثل "الإنفصال" بحسب خلفيتك؟

إنه مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار حتى المرة القادمة. لا يمكن أن يكون هناك أية مرة أخرى. لن يختفي الفلسطينيون بلمحة بصر و لا الإسرائيليون كذلك. علينا أن نتعلم كيف نتقبل بعضنا البعض بتعاطف، و ليس من الضروري أن نتفق و أن نحب بعضنا البعض؛ فهذه خطوة أخرى و هي خطوة فردية. إن الإحترام الذي يجب أن نخلقه لبعضنا البعض سيمر بطريق طويل ليبني الثقة. و يجب أن يكون هناك إعتذار وطني. لكن هذا بعيد جداً إنه مجرد حلم.

كيف برأيك ستكون ردة فعل الناس هنا لهذا الإعتذار الشعبي؟

هذا معقد للغاية لا أريد أن أخوضه. لندع الأمر. يجب أن يفسر في عملية مصالحة كاملة. المسامحة لا تعني أن نتخلى عن حقوقنا من أجل العدالة إنه أمر طويل و مؤلم... ربما في مقالة أخرى في السنوات القادمة عندما تكون الأشياء قد حدثت.

هل في بالك نموذج معين للمصالحة؟

بالنسبة لي شخصياً إنه بالتأكيد مانديلا، و إنه بكل تأكيد غاندي، و مارتين لوثر كينغ بكل تأكيد لأنني أعتقد أن هؤلاء الأشخاص الثلاثة أثروا على حياتي بشكل كبير حيث قاموا بالرغم من جميع التناقضات بعمل أشياء غير متوقعة كانت غير عنيفة.

كيف تتوقعين تطبيق نموذجهم؟

مع كل ما نتكلم عنه من إنها بداية علاقات "شعب لشعب" و ليس حكومة لحكومة." إذا نظرنا لهؤلاء القادة الثلاثة، فإن الناس هم الذين جعلوا التغيير يحدث؛ أناس قادتهم قيادات ملهمة جداً هذا صحيح لكن كان هناك دور للأساس. لولا الشعب الهندي لما إستطاع غاندي أن يكون شيئاً و لقد دفعهم أن يسيروا في طريق اللاعنف. و لنرى ماذا فعلوا لقد أخرجوا البريطانيين بعد 200 سنة دون أن يقتلوا أحداً، عدا أنهم قتلوا غاندي. وذات الشيء كذلك مع مارتين لوثر و مع مانديلا.

أذكر أنه عندما خرج مانديلا من السجن كان يتكلم في مدرج و كان هؤلاء الناس يحملون عصي لينتقموا. فقال لهم: "إرموا هذه العصي في النهر، لأنه ليس هذا هو  الطريق الذي سنتخذه." واقعياً لقد عرف أن أفضل شيء لشعب جنوب أفريقيا؛ لشعبه، هو طريق اللاعنف.

لكن مانديلا إختار أن يتبنى طريقاً عنيفاً كذلك؟

إن بقاءه في السجن 30 عاما يجعلنا نتوقع أن يخرج من السجن متبنياً طريقاً عنيفاً جداً، لينتقم، لكنه لم يفعل ذلك. و أعتقد أن هذه عظمته. هذا الجزء منه هو الذي يدفع الناس ليفهموا أنه يمكنهم أن يسامحوا بالفعل.

هل تعتقدين أنه يمكن للجنة الحقيقة و المصالحة أن تنجح هنا؟

ليس بالضرورة أن تكون ذات لجنة الحقيقة و المصالحة التي نجحت في جنوب أفريقيا، لكن شيئاً ما على نفس الخطى قد ينجح. ربما يجب أن تكون أمة لأمة، لست أدري لكن أعتقد أنها ستنجح.

هل برأيك سيكون هناك دور للمنظمات التأسيسية في ذلك؟

بالطبع، يجب أن يكون لهم دور. أذكرأنه خلال فترة وجود لجنة الحقيقة و المصالحة في جنوب أفريقيا، كان لتلك القصص المؤلمة للغاية تأثير على الناس الذين لم يكونوا على معرفة، أو الذين لم يريدوا أن يكونوا على معرفة. لا أتقبل فكرة " لم أعرف." أتقبل فكرة " لا أريد أن أعرف و هذا ما يجعلني أستمر في حياتي على نحو يومي."

كم من الإسرائيليين يعرفون بالضبط ماذا يجري على الحواجز؟ و كم من الفلسطينيين يتفهمون الألم اليومي للعيش هنا، و كيف يخرج الجنود من الجيش؟ القليلون فقط يعرفون ذلك، لكن إذا كانت لهم الفرصة ليقِصوا قصصهم، كما يجري في مجموعتنا، فمثلاً عندما يقف شخص مثل ياعكوڤ چوترمان و يقول للفلسطينين إنه جاء من معسكر إعتقال نازي ليعيش في إسرائيل، و إنه كان لديه إبناً يعيش معه في الكيبوتس، لكنه قُتل  في الصراع... و عندما ننظر إلى عائلة خالد أبو عواد الذين هم لاجيئين من مكان ما بالقرب من بيت شيميش، و إلى الحياة التي عاشوها، و كيف فقدوا أخوتهم الإثنين... عندما تحكى هذه القصص في وضع ما للفلسطينيين و الإسرائيليين ألن يكون من الأسهل أن يتعاطفوا مع بعضهم البعض. عندها يستطيع الفلسطيني أن يقف و يقول: "أنا أتفهم و أشعر بالتعاطف إتجاه المستوطين لأنني أعرف ماذا يعني أن تخسر بيتك." إذاً نعم أنا أعتقد أنه يمكن أن يكون لدينا لجنة مصالحة.

هل دور طرف ثالث مهم هنا؟

إذا لم يكن دوره إصدار الأحكام.  إن أكبر مشكلة من مشاكل الوضع هنا هي أن الناس هنا إما مؤيدين للفلسطينيين أومؤيدين للإسرائيليين. إن تأييد المرء لشيء ما يجعله يشعر بالرضى عن نفسه. أذكر أنني كنت مع ندوى في إجتماع في كنيسة مشيخية في شيكاغو و لم يكونوا لاذعين جداً معي. و عندما كنا نتاول العشاء جاء إليها شاب و قال لها: " أتعرفين أنا مؤيد جداً للفلسطينيين. فقالت هي: " حسناً لا أعرف، إلى أين أوصلني هذا الآن؟ " كان لكلامها معنى عميق، لأنه كونك مؤيد للفلسطينيين أومؤيد للإسرائيليين هو مثل أن تقول مساكين الفلسطينيين أو مساكين الإسرائيليين و تلوح بعلم. عندما يدرك أحدهم أن الفلسطينيين و الإسرائيليين لن يختفوا و يقول: " لندعم إسرائيل لتخرج من الأراضي المحتلة." أعتقد أنه بذلك يدعم الطرفين. إذاً إنه عدم إصدار الأحكام؛ عندما يأتي ذلك من الخارج و تكون هذه طبيعة التدخل سأكون سعيدة جداً. لكن تأييد جانباً واحدأً يؤدي إلى تفاقم النزاع. إنه يشبه الحال عندما تكون طفلاً صغيراً ويكون لديك مجموعة من الأصدقاء تدعمك ضد المجموعة الأخرى فتسيشعر حينها أنك أقوى و سيعطيك هذا الشرعية لتكون أكثر عنفاً. هذا ينطبق على الطرفين في نفس الوضع، لكن في وضعنا تكون هناك دول أو جهات مؤيدة لطرف أو لآخر.

لقد ذهبنا إلى إيطاليا لثلاثة أسابيع و حضرنا مؤتمراً هناك. لقد كان الأوروبيون معادون جداً للإسرائيلين، لذا بالكاد كلمني أحد عدا الفلسطينيين. إلتقيت بفلسطيني رائع أراد التحدث معي  و جلسنا على الدرج و تحدثنا مطولاً. كنت أريد بشدة أن أتكلم في المؤتمر لأنني دونت إسمي، و إسم منظمتي و بلدي – إسرائيل. و ظل منظمو المؤتمر يضعون أوراقي تحت كومة الأوراق. رأيت صديقتي سلوى تنظر إلي، و كنا ننظر إلى بعضنا البعض، ثم ذهبت هي إلى طاولتهم و سألتهم لماذا لا يدعونني أتكلم. إنه أمر سخيف نوع ما أنه على الفلسطينية أن تقول للأوروبين أن يدعوني أتكلم. وقفت لأتكلم وفي تلك اللحظة كنت غاضبة بعض الشيء فقلت: "قد تريدون أن تتعرفوا على الشخص وراء وصمة العار هذه. كلكم هنا تصدرون أحكاماً و لا تعرفون عما تتكلمون. دعوني أخبركم قصتي." حدثتهم عن ديڤيد وعن منتدى العائلات الثكلى. و قلت لهم أن تأييد جانباً واحداً ليس له أي تأثير. كان لديهم شعور أنه ربما لا يجب أن يكون هناك إسرائيل، فقلت: "حسناً، لا تريدون إسرائيل. هل تريدون نصف مليون روسي؟ أو ربما تريدون 50 ألف أثيوبي الذين هم على لائحة الإنتظار ليهاجروا إلى إسرائيل، أو هل تريدون العشرين ألف أرجنتيني الذين في طريقهم إلى إسرائيل؟ أتذكرون أنه ليس منذ زمن بعيد في التاريخ لم تريدوا إستيعاب أي  يهودي. هل أنتم على إستعداد للقيام بذلك الآن؟ لأنه إذا لم تكونوا على إستعداد لذلك، لا يمكنكم أن تقولوا لا يجب أن يكون هناك إسرائيل. "

ماذا تريدين أن تري هؤلاء الغير منضمين للمجموعة يفعلون؟

أود أن أراهم يحضرون لقاءات أكثر بين الفلسطينيين و الإسرائيليين. أود أن أراهم يدعمون إسرائيل لتخرج من الأراضي المحتلة، لكن بالتفاهم و التعاطف. إن أفضل ما حدث في عملية قك الإرتباط هي خطة ولفينسون لشراء المنازل من المستوطنين و إعطائها للفلسطينيين. كان أمراً مربحاً للطرفين. هذا ما أدعوه عمل سلام لأنه أعطى الإسرائيليين إحساساً مرضياً، و أعطى الفلسطينيين شعوراً أنهم ربحوا  شيئاً يكسبهم قوتهم  في نفس الوقت. هذا هو صانع سلام.

ماذا تريدين من الناس في الخارج أن يعرفوا؟

أريدهم أن يتفهموا معاناة الفلسطينيين و أريدهم كذلك أن يعرفوا معاناة الإسرائيليين. أريدهم أن ينظروا إلينا كبشر، لا كجيوش و لا كشعوب. لا شيء سوى أن ينظروا إلينا كبشر و أن يفهموا الألم الموجود في كلا الطرفين. وهذا يكفي.

كل العالم سيصل إلى إتفاق و سيتفهم أنه لصالح الإسرائيليين و الفلسطينيين أن يكون للفلسطينيين وطناً و أن تنسحب إسرائيل من الأراضي المحتلة، لأن الإحتلال يدمر الطرفين. كلنا نعرف أن هذا ما سيحدث في النهاية. لكن السؤال هو: كم عدد الناس الذين عليهم أن يموتوا قبل أن يتم  ذلك؟ كم المزيد من الألم سيكون؟ كم المزيد من العائلات سينضمون إلى دائرة العائلات الثكلى. هذا يجب أن ينتهي. 

يدعي بعض الناس أن العمل المشترك أصبح عملاً تجارياً.أي أنه أصبح مشروعاً ضخماً مع موارد مالية، ما رأيك.

الناس الذين ينتقدون هم عادة الناس الذين لا يفعلون شيئاً بالفعل. ليس من الممكن إدارة منظمة دون موارد مالية. كيف يمكن تنظيم المؤتمر؟ إذا نظرنا إلى الحياة اليومية للفلسطينيين نجد أنه ليس بمقدروهم أن يدفعوا تكلفة فندق في نهاية الأسبوع، لذا يجب أن يكون هناك من يرعى ذلك لنجتمع سوية و نقوم بعملنا. يجب أن يكون هناك من يرعى تنقل الفلسطينين و الإسرائيليين إلى المدارس ليوصلوا الرسالة. على أحدهم أن يساعدنا في حملة إعلامية حتى يتعرف الناس إلى خط أهلاً-سلام.

إنه لطف من البعض أن يقولوا: " عليكم جميعاً أن تكونوا متطوعين."
   نحن بالفعل متطوعون لكن نحتاج إلى موارد مالية أساسية لندير منظمتنا. لا يمكن لأحد أن يقوم بهذا الحجم من العمل الذي نقوم به دون أن يكون هناك من يدعمه. ليس من الممكن أن ننتج سلسلة تلفزيونية من مصروف جيبنا كلنا. لذا يجب أن نقدم طلباً لجهة ما لنوصل هذه الرسالة الأكبر. في العام المقبل لدينا مسلسل تلفزيوني للفلسطينيين و الإسرائليين على القناة الثانية كيف يمكننا أن نديره بدون المساعدات الأمريكية؟ ذلك ليس ممكناً. إذاً هذا ليس عملاًَ تجارياً. 

أنا شخصياً لو كنت أجني الكثير من المال لكنت سعيدة جداً لأنه حينها لن أقلق. لكن إذا كان هذا ما أريده سأذهب للعمل في منظمة تستطيع أن تدفع لي ذلك المبلغ من المال. لكن بالنسبة لما نقوم به لا يمكننا أن نستمر بدون الأصدقاء و بدون مساعدة أشخاص معينين. لدينا معرض في آذار إسمه طبق الألم. إنه صحن كبير رسمه فنانون فلسطينيون و إسرائيليون. لقد خلق أعظم الفنانون في فلسطين و إسرائيل هذا الطبق مع رؤية للمصالحة في عقولهم. سوف نقيم المعرض و سنبيع فيه الأطباق لنستمر في عملنا. لا أعرف كيف هو الحال بالنسبة لباقي المنظمات، يمكنني أن أتكلم فقط عن المنتدى، لكن لا أصدق أنه يمكن للمنظمات الأخرى أن تعمل بدون موارد مالية إلا إذا كان العمل على مستوى صغير جداً. لذا فأنا لا أرى ذلك كعمل تجاري. لو كان هذا عمل تجاري لكنا كلنا نعيش في مستوى جيد جداً و نجني أرباحاً ولكان بإمكاني أن أجلس في البيت و أحيك كنزاتاً . لكن في الوقت الحالي هذا ليس الوضع.