رياض فرجمنتدى العائلات الثكلى |
|
التجربة الشخصيةواللاجئين الفلسطينيينوالسجن:
“ أنا لاجئ من مهجري عام 1948، حيث تهجرت عائلتي في ذلك العام إلى "مخيم الدهيشة لللاجئين"، ولقد نشأت في ذلك المخيم. كانت عائلتي من الذين عانوا كثيراً بسبب الصراع, فقدرنا أن نقاوم الإحتلال ومنذ عام 1978 نشأت لأجد أخي الأكبر معتقلاً وتبعه أخاً آخر لي كذلك. بعد ذلك, تم اعتقالي عندما كنت في الرابعة عشر من عمري في عام 1984؛ وبدأت الإنتفاضة الأولى فقضيت فترة ما بين عامي 1984 و 1990 داخل المعتقل وخارجه. لا أذكر يوماً في هذه الفترة كنا قد اجتمعنا فيه نحن الأخوة الستة في ذات المكان، فنحن ستة أخوة وأخت، لم نجتمع مع بعضنا البعض طيلة هذه الفترة ولو ليوم واحد خارج المعتقل. ” [المصدر من المقابلة]
الخسارة الشخصية و الثكلوالعنف:
“ بعد ستة شهور تماماً وخلال اجتياح كنيسة بيت لحم، لم يكن مسموحاً لأحد أن يخرج من بيته، خرج أبي وهو في السادسة والخمسين من عمره ليشتري بعض الحاجيات؛ حيث كنت مع إخوتي نلعب الورق في البيت،- فكما ذكرت كان قلّما ما نلتقي سوياً فنتوق جداً لنكون معاً- وكنا في ذات الوقت نشاهد التلفاز اذ لدينا محطات تلفاز محلية وكنت أجلس مقابل التلفاز وإذا بي أقرأ اسم والدي على الشاشة- بأنه قُتل، وكان أول علمنا بالخبر إذ لم نكن قد سمعنا عن ذلك بعد. إنّني أروي الحدث الآن، لكنني ما زلت لا أصدقه؛ فبدأ الناس بالاتصال بنا وكانوا قلقين عن كيفية إخبارنا، في البدء حاولوا التأكد إذا كان لدينا أي علم بالحدث أم لا، ولم يكن لدينا أية فكرة عن غرابة تصرفهم حتى قرأنا اسمه في التلفاز؛ فذهبنا بسرعة لموقع الجريمة للتعرف على جثته لكننا لم نستطع حيث كانت ممزقة، لقد أُطلق عليه 36 رصاصة من نوع 500؛ كان ذلك فظيعاً جداً وكان لم يمرّ بعد ستة أشهر على جنازة أخي. ” [المصدر من المقابلة]
“ قرارنا بعدم المشاركة في الإنتفاضة الثانية هو فقط لأننا أدركنا أنه لن ينتج عنها شيء جيد. الشعب هو الذي يقدم الكثير بينما القادة يجلسون على كراسيهم؛ مثل شارون. ابنه لا يذهب بالحافلة حتى لا يتآذى أبداً في عملية انتحارية، هذا من جانب, وعلى الجانب الآخر, طفلة عرفات في فرنسا ولن تتأذى أبداً, إذاً نحن فقط من يدفع الثمن. صحيح أننا قد نكون أكثر وطنية منهم لكن كأفراد توصلنا إلى استنتاج ينتهي إلى أن محاولة الاشتراك في الحوار سوياً بين الشعبين سيكون أكثر نفعاً من سفك الدماء, لأن سفك الدماء أنتج الأسرى والشهداء والجرحى والمقعدين. ” [المصدر من المقابلة]
“ أمضيت 36 شهراً في "سجن النقب" وكنت كل ما أراه هو الرمل، وكانت عندما تمر مجندة تبدو لي أنها مخلوق غريب أو شيء آخر من هذا القبيل! كانت العقارب تمتزج بطعامنا. إنّ ما رأيناه داخل هذا المعتقل كان رهيباً ولا يمكن أن يكون هناك ما هو أكثر اخافه سوى مستقبل أطفالنا والذي جعلونا نفكر به أكثر داخل المعتقل، لقد دفعت الثمن وكذلك أخي وأبي فلا حاجة لولدي بأن يدفع الثمن هو الآخر، إنّ هذا ليس من باب الاستسلام بل المسامحة ومن باب ما هو جيد للمستقبل ولأطفالنا ” [المصدر من المقابلة]
“ إنّ المسؤولية الكبرى لوقوع العمليات التفجيرية تقع على عاتق الإحتلال الإسرائيلي، هذا في اعتقادي، ولا أسمي شخصاً يفجر نفسه بالإرهابي لأنّ هناك أسباب لما يفعله، بالطبع ،إنّ هذا خطأ وأنا لا أدعمه؛ فيوجد مسببات ودوافع كثيرة تضغط على حياة الفرد اليومية،على سبيل المثال قد يكون عاد إلى البيت ووجد أمه أو شقيقه قد قُتل . ” [المصدر من المقابلة]
السلطة و القياديةوالمجتمع المدني:
“ قلت سابقاً أننا لم نذهب هناك لنجامل الإسرائيليين أو لنشكوا لهم همنا، لقد ذهبنا هناك حتى نجعل صوتهم أعلى ليصل إلى حكومتهم ويدعونا نحيى حياة جيدة، وليعلموا أن من حقنا أن نعيش حياة كريمة كباقي البشر، وأردنا كذلك أن نقول لهم أننا لسنا هنا [في ندوة في فندق في القدس] لنهرب من الضغوطات، بل لأننا نريد أن يعيش أطفالنا حياة أفضل من التي عشناها. ” [المصدر من المقابلة]
“ إنّنا نشأنا ونحن نرى آباءنا وأخوتنا يُضربون ويُهانون داخل بيوتنا في المخيم،إضافة إلى ذلك لم يكن هناك أجواء تعليمية ولا بيئية مناسبة للحياة، كل ذلك خلق في داخلنا الرغبة لتحسين وضعنا. كان أمامنا النضال كوسيلة وحيدة للخروج من وضعنا المؤلم نتيجة الإحتلال وتداعياته. ” [المصدر من المقابلة]
“ أغلبية مجتمعنا لا تتقبل هذه الأمور، فليس كل شخص يمكنه أن يستوعب فكرة أنني أجلس مع شخص إسرائيلي، وأخبره عن مشكلتي وأستمع إلى مشكلته. إنّ الكثير لا يتوقع أن تكون لدي علاقة مع إسرائيلي ويعتبرونه أمراً مهيناً لي أن أخبر إسرائيلياً كيف إستشهد كل من أبي وأخي وكيف لا يعيش إبني حياة لائقة بينما الإسرائيلي يعيش حياة لائقة. يوجد الكثير من الناس في مجتمعنا الذين لا يتفهمون هذه الأمور اذ هناك الكثير من المتعصبين؛ لهذا سنواجه مشكلة هنا عندما نبدأ في المنتدى [منتدى العائلات الثكلى]. ” [المصدر من المقابلة]
“ لم تكن لي أي توقعات في البدء، اذ كنت لا أفهم ماذا كان يجري في المنتدى، لكن أصبح المنتدى بالنسبة لي بعد ذلك تحولاً كبيراً مما أعتبره قفزة نوعية. ربما كنت أكره كل ما يُدعى "يهودياً" وأكره الصهيونية، لكنني أحترم كل من يعترف بحقي بوطني وكل من يحترم رأيي، و كل من يفكر في مستقبلي كما يفكر بمستقبله أيضاً، إنّه واقع فُرض علينا ولم نختره، إنّما يجب المحاولة للعيش معه والتعود عليه، وإلا فليذهب كل منا في طريقه، ومن الأفضل أن نجد طريقة لنتعايش. ” [المصدر من المقابلة]
“ زوجتي في السابعة والعشرين من عمرها ولم ترَ البحر منذ 10 سنوات، اذ لا يمكننا حتى أن نذهب لنرى البحر، هل يمكن تخيل هذا؟ وأطفالي لم يروا البحر عن قرب فقط رأوه في التلفاز, وهل يمكن تخيل أنه ليس لدينا حتى هذا الحلم؟ لذلك عندما أتحدث مع الشباب أمنحهم الأمل والطموح وأنه سيكون لديهم ما يسعون إليه، وإن لم يكن من أجلهم فمن أجل أطفالهم، وعندما يقتنعون بهذه الفكرة ينقلونها للجيل القادم وهكذا. ” [المصدر من المقابلة]
“ لم يُجدِ أي شيء آخر بالنفع لحل الصراع، فلقد ناضلت وكنت في السجن لستة سنوات وعشرة شهور ولم أحصل بالنتيجة على أي شيء بل على العكس فقدت حلمي وفقدت أخي ووالدي. هذا ما يحصل آخرين يناضلون ولن يحصلوا على أي شيء بالمقابل وقد يفقدوا أهلهم أيضاً أو على الأقل أحد أفراد العائلة وقد يفقج البعض أطفالهم دون أن يحصلوا على أي نتيجة؛ لذا بدأت أفكر بطريقة أخرى غير المقاومة, وبدأت أفكر في طريقة لأقنع عدوي ليؤمن بحقوقي، فإذا بقيت أفكر في منطق المقاومة لن يبقى هناك أحد ليقاوم. ” [المصدر من المقابلة]
“ لا أريد لأحدٍ أن يتأذى ويمر بمثل ما مررت به؛ لذلك هذا ما أحاوله مع ابن شقيقتي في الوقت الحاضر، فهو مطلوب لدى الإسرائيليين ولديه صديق مبعد إلى غزة وآخر قد إستشهد أو في الواقع هما اثنان اللذان قد استشهدا وصديق رابع قد أُبعد إلى إيطاليا وخامس سُجن، اذ كانوا هؤلاء مجموعة من الأصدقاء, وحتى هذا اليوم ما زال الجنود يأتون للبحث عن إبن شقيقتي. أنا سعيد جداً لأنني إستطعت أن أغير بعض أفكاره بمحاولة إقناعه أنّ إطلاق النار على الجنود الإسرائيليين لن يجدي نفعاً، وأن يظل مطارداً طيلة الوقت. أقول له: "لن يمكنك أن تعيد صديقك الذي إستشهد، ولا يمكنك أن تعيد صديقك المبعد من إيطاليا، ولا حتّى يمكنك أن تعيد صديقك الذي في غزة، أمّا صديقك الذي في السجن لن يخرج قبل أن ينهي محكوميته، فوجّهت له بعض الأسئلة مثل: "كيف يمكنك أن تجد طرقاً لتحد من العنف. ” [المصدر من المقابلة]
“ يجب أن ننمي هذه الفكرة عند شخص ناضج، شخص يمكنه أن يؤثر على مجتمعه. للطالب دور مهم في المجتمع، فإنّه يمثل أهم قطاع في المجتمع ويجب أن يعرف أكثر عن فكرة اللاعنف، في اعتقادي أنه لو نجحنا أن ننشر آراءنا في المدارس فسيكون ذلك مثل تحرير فلسطين ” [المصدر من المقابلة]
“ إنه نادر وخطر في الوقت ذاته، فمن ناحية اجتماعية يخاف المرء أن يخسر كل علاقاته وأقربائه ومجتمعه وأصدقائه، فليس من السهل على المرء خسارة شيء بعد أن كوّن علاقات جيدة في المجتمع من حوله فالناس يقسمون بحياتي, وهذا كسبته بالذات عندما تم التحقيق معي لـ 80 يوماً ولم أتفوه بكلمة، اذ أن الجميع يعرف أنني رجل محترم ولا أريد لذلك أن يتأثر بشكل سلبي ولا بأي طريقةٍ كانت. الأمر الوحيد الذي تغيّر بعد انخراطي بالعمل في هذا المجال هو أنه كانت يداي تسبق تفكيري دائماً بينما الآن أُغلّب الفكر على اليدين، نعم أحتاج لأن أحمي نفسي، ولكن ليس بإطلاق النار على من يعتدي على بيتي، بل بأن أكون محترماً وأن لا أعطي مجالاً لأحد أن يسيء إلي. لذا أصبحت أفكر بالإسرائيليين في الجانب الآخر بطريقة أخرى،مثلاً أُفكر لو أنّني ذهبت إلى شارع رقم 60 وأطلقت النار على أحد ” [المصدر من المقابلة]
“ إن الذين عسكروا الإنتفاضة هم السيئون، لم يكن من الصواب عسكرة الإنتفاضة، أي إستعمال السلاح. لو أنها ظلت إنتفاضة جماهيرية لكان الرأي العام وقف إلى جانبنا، لكننا خسرنا كل شيء، فأصبح يُنظر إلينا على أنّنا إرهابيين ومجرمين بينما كان يُنظر إلينا كأصحاب حق، لقد ساءت سمعتنا في كل أنحاء العالم ولا أحد أصبح يحتمل أن يسمع بالفلسطيني،مع أنّنا كنا نلقى احتراماً أينما ذهبنا لأننا كنا نطالب بحقوقنا بطرق قانونية، كنا نحتج ونرمي الحجارة على الدبابات بينما الآن نطلق النار ونفجر أنفسنا ونقتل. الجميع يتحمل المسؤولية في اعتقادي ولا يستطيع أحد تحمل الحياة في ظروف كهذه في الوقت ذاته دون أن يفعل شيئاً حيالها. ” [المصدر من المقابلة]
الخسارة الشخصية و الثكلوموازين القوى بين الفلسطينيين و الإسرائيليين:
“ كانت تلك المرة الأولى في حياتي التي ألتقي وأجلس وأستمع بها لإسرائيلي يعاني مثلي وجهاً لوجه، فكنت أسمع في الأخبار أو من الأصدقاء الذين كانوا يعملون لدى الإسرائيليين عن إسرائيليين فقدوا إبناً أو أحد أفراد العائلة. كانت هذه المرة الأولى التي أعيش تجربة رؤية إسرائيلي متأثر عاطفياً لأنه فقد شخصاً عزيزاً تماماً مثلي، وكان لديه الاستعداد لأن يجلس مع فلسطيني يشعر بذات الشيء، و في ذات الوقت إنه هو المسبب لما حدث لي لكن لم أكن المسبب لما حدث له. أقصد أنني لم آخذ أرضه بل هو الذي أخذ أرضي،على سبيل المثال, الإسرائيلي روني الذي جاء إلى المنتدى لأنّه فقد ولديه الاثنين, فلم أكن السبب في ذلك بينما هو المتسبب في فقداني أبي وأخي لأنّه هو الإسرائيلي وهو الذي فُرض علي. ” [المصدر من المقابلة]
الجدار الفاصلوالمستوطناتوحق تقرير المصير:
“ في متابعتنا للأخبار أو الوضع السياسي الذي نعيشه، فإنّنا نجد أنه في الوقت الحاضر حتى التنظيمات السياسية الفلسطينية المتعصبة مثل الجهاد الإسلامي وحماس يطالبان بأراضي 67، فالتعصب والرفض يأتي من جهة الإسرائيليين الذين لا يريدون إعطاءنا إياها. على الرغم من أنّنا نطالب بأراضي إلـ67 إلا أنّنا لا يمكن لنا إقامة الدولة عليها، فهناك مستوطنة على بعد كيلومتر واحد مني ومن المستحيل أن تزيلها إسرائيل والتي تحتل حوالي نصف مساحة بيت لحم وفي معظم مناطق إلـ67 كذلك الأمر. ” [المصدر من المقابلة]
“ إنّنا لا نطالب بحق العودة فالذي يفاوض على حق العودة هو نفسه ليس لاجئاً، فليس هناك لاجئ يتكلم بإسمه لأنني واثق أنه لو كان هناك إستفتاء بين اللاجئين سيقبل جميعهم بالتعويض والحصول على أراضي 67 ولن يطالبوا بأراضي إل48 فأنا واثق من ذلك، فقط من أجل الحصول على حياة لائقة. ” [المصدر من المقابلة]
^ العودة لأعلى الصفحة
