« المقابلة | أبرز المقاطع في المقابلات

مقابلة مع

هلا أعطيتنا لمحة مختصرة عن حياتك، أين نشأتِ وماذا تفعلين الآن؟

إسمي إيناس رضوان سعيد، أبلغ من العمر 21 سنة. أدرس في الجامعة الأمريكية في جنين و أسكن في الزبابدة بالقرب من جنين. ولدت في السعودية ثم كنت أتنقل مع عائلتي بين الأردن و فلسطين لأن أمي من الأردن ووالدي من فلسطين.


هل عشتِ في الأردن؟

ليس بالضبط، لكننا كنا نمضي الكثير من الإجازات الطويلة في الصيف هناك. إنتقلت عائلة أمي إلى الأردن بعد حرب 1967 وظلوا هناك. و أبي ولد هنا في جنين.


 

حديثنا عن نشاطاتك المتعلقة بالسلام، لقاءاتك مع الإسرائيليين، كيف بدأت وكيف وصلت إلى هنا

بدأت سنة 1996 في العفولة، كان من المفروض أن يُعقد لقاء بين طلاب مدارس فلسطينيين و إسرائيليين، لكن بعد ذلك لم يرغب الإسرائيليون بالمشاركة بسبب تخوفهم من المشاركة في لقاءات من هذا النوع بالرغم من أن الوضع لم يكن سيئاً حينها. ثم في سنة 1998 ذهبت إلى فرنسا لأشارك في برنامج عن وصف الشخصية الفلسطينية للأوروبيين. ركزت أغلبية النشاطات على الحديث عن المسيحيين في فلسطين لأن الأوربيون لم يعرفوا بوجودنا. ثم بعد ذلك توقف نشاطي بسبب إنشغالي في التوجيهي. عندما كنت في السنة الجامعية الأولى شاركت في برنامج بناء جسور للسلام و ما زلت مشتركة معهم حتى الآن.

من نظم لقاء العفولة الذي شاركت فيه سنة 1996؟

كان اللقاء عن طريق المركز الثقافي للمدرسة في الزبابدة و كان يفترض أن يستمر هذا المركز لكن اليهود لم يريدوا أن يتعاونوا.


إذاً هل كنتم طلاب فلسطينيين و إسرائيليين؟

كنا مجموعة من طلاب المدارس الثانويين و الطلاب الجامعيين، لكن الأمر لم يستمر لعدم توفر التمويل و لأن الجانب الآخر لم يرغب بالتعاون.


إذاً لم تلتقوا بالإسرائيليين حينها؟

ذهبنا لنلقاهم مرة في العفولة، لكن لم يأتي أي منهم، كانوا خائفين. إنتظرناهم لثلاث ساعات لكنهم لم يأتوا. و في النهاية جاء مرشدهم و قال لنا أن الأهالي لم يسمحوا لأولادهم بحضور الإجتماع بالرغم من أننا نحن من إضطر إلى الحصول على تصاريح لنأتي و نلتقي بهم.

ماذا شعرت عندما لم يأتِ المشاركون الإسرائيليون إلى اللقاء، و ماذا كانت ردة فعلك على ذلك؟

يومها ذهبنا بعد دوام المدرسة مباشرة. لقد خططنا لتلك الرحلة منذ أشهر. و في البداية كان عليهم أن يجدوا المركز و يبحثوا عن أشخاص معنيين في هذا النشاط. و أجروا العديد من الإتصالات الهاتفية. لم يستخدموا البريد الإلكتروني في ذلك الوقت لذا كان عليهم أن يتصلوا هاتفياً بالإسرائيليين و ذلك كلفهم كثيراً. إستقلينا حافلة و عدنا حوالي الساعة الثامنة ليلاً لأن مدة صلاحية تصاريحنا تنتهي الساعة التاسعة. شعرنا أنه ليس مرغوب بنا، كانوا خائفين منا بالرغم من أننا نحن من ذهب لزيارتهم، و بذلنا جهدنا للحصول على تصاريح. ملأنا حافلة بالكامل و هم كانوا شخصاً واحداً؛ مرشدهم و لم يأتِ أحد سواه.

ما الذي جعلك تعاودين المشاركة سنة 1998؟

رحلة 1998 كانت رحلة خططنا لها نحن الطلاب فقط. لم يُمولنا أحد، كانت على نفقتنا الخاصة. إصطحبنا معلم اللغة الفرنسية هو و زوجته لأنهم كانوا يعرفون الأماكن هناك. قمنا بتحضير مسرحية صغيرة باللغة الفرنسية، و دبكة شعبية و عروض مسرحية أخرى خططنا لعرضها. لم يدعمنا أحد كان علينا أن نحصل على الملابس و الأثواب التقليدية الفلسطينية للدبكة من السكان المحليين لأن المدرسة لم تزودنا بهم. لقد حضرنا كل شيء بأنفسنا.

لماذا لم تريد المدرسة دعمكم؟

لأنهم قالوا أننا نحن من أراد القيام بذلك النشاط و المدرسة لم تريد أن تتولى المسؤولية. لقد دفعنا لكل شيء. إدخرتُ نقوداً خلال الصف التاسع، و كنا نتدرب لساعات بعد الدوام. و سافرت عندما كنا في الصف العاشر. لم يكن ذلك سهلاً.  تدربنا كثيراً على العرض الذيقدمناه و تجولنا في كل فرنسا لنقدمه.كنا نستقل الحافلات و القطارات مستخدمين الخرائط. الشيء الوحيد الذي ساعدنا فيه الفرنسيون كان الحصول على بطاقات القطار للتنقل.

هل كان هناك إسرائيليين مع البرنامج في فرنسا؟

ليس في البرنامج لكن إلتقينا ببعض الإسرائيليين حالما وصلنا باريس. كانت تجري في ذلك الوقت مباريات كأس العالم لكرة القدم. عندما خرجنا من محطة القطار كنا نحن متعبين جداً من الرحلة إلى باريس، كانوا يوزعون بيانات تقول: "تعالوا إلى أرض الميعاد" و تشاجرنا معهم في الشارع. و أخذوا رقم هوية مرشدنا. كنا خائفين جداً من أن يلحقوا بنا الأذى في طريق العودة. كان الإسرائيليون في كل مكان خاصةً في الأماكن المقدسة. لكن ما كان جديد بالنسبة لنا هو أن نرفع العلم الفلسطيني لأن ذلك لم يكن مسموحاً في العام 1998 و أصبح مسموحاً فقط بعد عام 2000. كنا سعداء جداً أن نحمل علمنا. و بدأ الناس بالتعرف علينا، لم يعرفوا سابقاً بوجود فلسطينيين مسيحيين و كانوا يظنون أننا نضع الصليب للزينة فقط. ذهبنا إلى مناطق كثيرة و لذلك عرف بنا الكثير من الناس.

كيف شاركتِ في برنامج بناء جسور للسلام؟

كان ذلك سنة 2002كنت حينها في السنة الجامعية الأولى. أخبرتني قريبتي و زميلتي في الجامعة رزان مخلوفعن البرنامج لأنها كانت مشتركة سابقة به. كنت أعرف عن فكرة البرنامج لكن لم أعرف عن البرنامج نفسه. كنت قد شاركت في برامج مشابهة من حيث الفكرة؛ أنه كان في داخلنا شيء لم نستطع التعبير عنه هنا في هذه البلاد لذا يمكننا التعبير عن ذلك في بلاد أخرى. كانت مشاركتي الأولى في بناء جسور للسلام جميلة جداً كانت تجربة جديدة و مختلفة عن التجارب السابقة. لم أتوقع أن تكون بهذا الشكل.

بماذا اختلف بناء جسور للسلام عن البرامج الأخرى التي شاركتِ بها سابقاً؟

كانت كل البرامج التي شاركت بها سابقاً من أجل أن أتكلم عن ألمي. لم أعرف و لم أكن مستعدة أن أسمع أن الجانب الآخر كان يتألم كذلك لم أريد أن أستمع إلى ذلك لم أريد حتى أن أتفهم أو أن أتخيل ذلك. في البداية شعرت أنني مجبرة على الإستماع إليهم [المشتركين الإسرائيليين] لم أريد أن أستمع. على سبيل المثال أول مرة قالوا فيها أنهم يريدون أن يتكلموا عن التفجيرات التي حدثت في إسرائيل قلت أنني لا أريد الإستماع و ليس هناك ما يدعوني إلى ذلك. أردت أن أكون هناك [في البرنامج] فقط لكي أظهر للعالم من أكون. لكنني أُجبرت على الإستماع في المرة الأولى و في النهاية أدركت أنه ليس من العدل أن أظل أتكلم دون أن أستمع إليهم.

ما الذي أجبرك على الإستماع إلى المشتركين الإسرائيليين؟

في المرة الأولى شعرت حقاً أنني مجبرة على الإستماع و كانت تلك مشكلة بالفعل. و أصروا على الحديث عن ألمهم و عما كان يزعجهم. في النهاية وافقت ليس رغبة بالإستماع بل بسبب الفضول. إذا أرادوا أن يتكلموا فليتكلموا، لم يكن عليّ أن أتفهم ألمهم أو أن أشعر معهم. كنت سأستمع إذا أرادوا أن يتكلموا. عندما بدأوا بالحديث أدركت أنهم يقولون ذات الأمور التي أقولها لكن من وجهة نظر أخرى. طريقة كلامهم مختلفة لكنهم كانوا يقولون ذات الأشياء  التي كنت سأقولها. يقولون أنهم يخافون من الذهاب بالحافلة مثلاً، أنا أقول أنني أخاف أن أتمشى في شوارع جنين، أو أن أكون في سيارة خلف سيارة أحد المطلوبين أو أن أكون بالقرب منها... تغيرت الأسماء لكن الفكرة هي ذاتها. سيتكلمون عن الأطفال الذين ماتوا، سأقول لهم في الحال عن محمد الدرة و إيمان حجو و قائمة من أسماء الأطفال الذين قُتلوا. عندما بدأوا بالحديث عن أطفالهم شعرت أن الأسماء قد تغيرت لكن الفكرة كانت واحدة: كلا الشعبين يتألمان. و كما قلت سابقاً تركتهم يتكلمون ليفرغوا عما بداخلهم، لكنني لم أكن مهتمة – ليقولوا ما يشاؤون- لكن بعدها بدأت أتفهم.

هل تستطيعين أن تخبريني عن بناء جسور للسلام؟

لا يمكننا أن نسميه مخيم سلام لأنه لا يجبرنا على الجلوس معهم و لا على صنع السلام خارجين من هناك محررين فلسطين. إنه يمنحنا الفرصة لنعبر عن أنفسنا؛ بما أنه لا يمكننا أن نعبر عن أنفسنا هنا لذا نذهب إلى الخارج لنتكلم إلى الجانب الآخر و لنعبر عن أنفسنا. ليس من الضروري أن نعبر عن أنفسنا بالأسلحة و التفجيرات، يمكننا أن نقوم بذلك بطرق أخرى. نلتقي أشخاصاً في سن 18 و 19 سنة، في ذلك السن يذهب الإسرائيليون إلى الجيش، لذا نحاول أن نجعلهم يتفهمون. أدرك أنه لا يمكن لشخص أو إثنان أن يغييروا حكومتهم لكن يمكنهم على الأقل عندما يذهبون إلى الجيش، في حال ذهبوا إلى الجيش، أن يعاملوا الفلسطينيين بصورة أفضل مما يعاملنا الآن الجنود الإسرائيليون. سيدركون حينها أن ثمة فلسطينيون جيدون. بعض المشاركون الإسرائيليون رفضوا الذهاب إلى الجيش بعد المشاركة في المخيم لأنهم أدركوا أن ليس كل الفلسطينيين ذات الشيء. و أنا أدركت ذلك أيضاً: أنهم [الإسرائيليين] ليسوا كلهم ذات الشيء. كنت أرى الإسرائيليين مرتدين الزي العسكري فقط. و أول مرة رأيتهم توقعت أن أراهم بالزي. قد لا يبدوا ذلك واقعياً لكن هذا ما توقعت لم أتوقع أن أراهم مرتدين الجينز و قميصاً عادياً مثلي.

ماذا كان الدافع وراء اشتراكك في هذا البرنامج؟

تماماً مثل برنامج 1998، شعرت أنه عليّ أن أتولى الأمور بنفسي. لكن في هذه المرة شعرت أن ثمة أشخاص مهتمون. عام 1998 كل ما أردته هو أن أتكلم إلى الناس و كأنني كنت أتوسل إليهم باكية ليعرفوا من نحن. عام 2002 أدركت أنه عليّ كذلك أن أفهم الآخرين. عندما أخبرتني رزان عن الموضوع أول مرة كنت متحمسة جداً للذهاب هناك و لأبين لهم [الإسرائيليين] من نحن و أحدثهم عنا، لذا بدأت أقرأ كتب التاريخ و أشاهد الأخبار، أردت أن أكون على معرفة بكل شيء لأخبرهم عنه. و عندما كنا في طريقنا إلى المخيم جرت في غزة عملية عسكرية كبيرة راح ضحيتها 13 طفل فلسطيني، كانت واسعة جداً لدرجة أنها هزت الشارع الفلسطيني. أردت أن أخبرهم عن هذه الحادثة... و كما أن الأمر مخطط له حدث تفجير حافلة بعد ذلك في نفس الفترة، و كما مات 13 طفل من أطفالنا، كذلك قُتل أطفال إسرائيليون في إنفجار الحافلة هذا.

كان المشتركون الإسرائيليون يعتقدون أن المقاتلين الفلسطينيين هم فقط من يُقتل في هذه العمليات العسكرية و كنت أنا أعتقد أن الجنود الذين يحملون البندقية هم الوحيدون الذين يُقتلون في تلك التفجيرات.  لم يخطر لي أن يكونوا أشخاصاً عاديين مثلي. بالطبع كان عليّ أن أعرف ذلك لكن لأنني لم أرى ذلك بعيني لم أستطع أن أتخيل ذلك. كنت أفرح لدى سماعي أن البعض منهم قد قُتل. كنت أظن أنهم جنود لم أفكر أنه من المحتمل أن يكون من بين هؤلاء أطفال أو نساء. كنت أظن أن الذين يُقتلون هم فقط هؤلاء الذين يقومون بقتلنا، هؤلاء الذين أراهم في الشارع كل يوم. ذلك الصيف كان المرة الأولى التي رأيتهم فيها، المرة الأولى التي أراهم كبشر و ليس كجنود بالزي و بالخوذة التي يكتبون عليها: "الموت للعرب"، كهؤلاء الذين كانوا يخرجون بعد تنفيذ عملية من مخيم جنين للاجئين. فلم أكن أكتثر بموت هؤلاء.

ما الذي غيّرك في البرنامج؟ ماذا حدث؟

كانت أول ليلة وصلنا فيها إلى المخيم. أول شيء طلبوا [العاملون] منا القيام به هو أن نستشعر نبض بعضنا البعض بأيدينا. كانت المرة الأولى التي أشعر بها الآخر، و أدركت من خلال لمسي لهم ماذا كان الهدف من هذا التمرين. كانت هناك فتيات في مثل عمري، و لم يسبق لي أن تخيلت ذلك. يبدوا ذلك أمراً لا يصدق لكنه صحيح. كما هم يتخيلون  أن الفلسطينيين وحوش يحملون الأسلحة، كذلك تخيلت أنا أنها بلاد من الجنود. كنت في الثامنة عشر من عمري عندما شاركت أول مرة مع بناء جسور للسلام و عندما لمستهم و إستشعرت نبضهم أدركت أنهم ليسوا مجرد جنود يحملون الأسلحة، بل إنهم بشر مثلي تماماً. و بدأنا بعد ذلك نتعرف عليهم تدريجياً.

ما هي مدة المخيم، أين يجري و أين تقيمون؟

في المرة الأولى إستمر لمدة أسبوعين في بريدجتن، في نيو جيرسي. كان هناك رجل يهودي أعطانا بيته لنقيم فيه. كان بيت كبيراً لكن عددنا كان أكبر. كنا ننام على فرشات بجوار بعضنا البعض. لقد رتبوا أن تنام فتاة فلسطينية بجوار أخرى إسرائيلية وأن تكون الإسرائيلية بجوار فتاة فلسطينية-إسرائيلية. كان من المتعمد أن لا تكون أية منا بجوار أخرى من ذات وفدنا.

ماذا فعلتم بعد أن عدتم من المخيم؟

كان يفترض أن تجري لقاءات متابعة، و أن نبقى على إتصال عن طريق البريد الإلكتروني. فالبرنامج ليس من أجل تمضية أسبوعين سوية فقط. كنا نلتقي أحياناً، و في بعض الأوقات عندما كنا نذهب لزيارة رزان في العيزرية كنا نذهب للقاء بعض الفتيات الإسرائيليات في إحدى محطات الباص و كنا نذهب إلى مكان ما. و ذهبنا مرة سوية إلى التابغة لثلاثة أيام. و لم أخرج كثيراً بعد ذلك لأنه من الصعب أن أخرج من جنين و أن أعبر الخط الأخضر بدون تصريح. أبعد مكان يمكنني الوصول إليه هو رام الله و حتى للوصول هناك أحتاج إلى تصريح. لم يكن من السهل أن أذهب هناك إلى اللقاءات، لكن كنت على علم أنهم كانوا يجتمعون.

ثم شاركتِ مرة أخرى كمرشدة تحت التدريب؟

نعم ذهبت مرة أخرى في السنة الثانية كمرشدة تحت التدريب و سنة 2004 ذهبت كعضو عامل.

هل شعرتِ أن هناك ما تغير فيكِ خلال هذه السنوات؟

بالطبع كل شيء يحدث مع الإنسان سيغيره بطريقة ما. عندما ذهبت إلى هناك [المخيم] في المرة الأولى، صُدمت عندما إلتقيتهم لأول مرة. لم أتخيل ذلك قط، لم أتخيل نفسي هناك قط. كنا نذهب إلى أماكن سوية، و نجلس سوية و نضحك سوية، و نتناول طعام الغذاء سوية بما أننا كنا نعيش في نفس البيت. السنة الثانية كانت مختلفة، لم أكن مشتركة و لم أكن من الأعضاء العاملين، كنت أراقب الطرفين. كنت أرى نفسي كمشتركة كما في السابق و أرى كيف كان يتصرف الأعضاء العاملون. لم أشعر بالضغط بأنه علي أن أتكلم و أعبر عن نفسي لكنني كنت أساعد المشتركين بأن أخبرهم عن تجربتي كمشتركة. السنة الثالثة كانت الأكثر صعوبة كعضو عامل، لأن الأمر لم يعد متعلق بنا شخصياً بل أصبح الآن من أجل أن نساعد المشتركين أن يتعلموا الإصغاء إلى بعضهم البعض عندما يكونون ضمن مجموعة. إنه أمر في غاية الصعوبة لأنه لا يمكننا المشاركة في النقاش، و من الصعب أن نستمع فقط دون أن نقول أي شيء. فمثلاً إذا قالت إحداهن : العرب قاتلون و إرهابيون ... إلخ، داخلياً ذلك يؤلمني لكن لا يمكنني أن أقول لها شيئاً، و ذلك صعب. كنت أصل إلى مرحلة أكاد فيها أن أنفجر. لكن كنت دائماً أتوجه إلى الأعضاء الآخرين و أخبرهم بما جرى. و بعد أن أفرغ عن نفسي كنت أشعر بالراحة و أخرج مبتسمة.

لماذا لم تسطيعي الرد و ماذا كان دورك كميسرة للنقاش؟

كنت أساعدهم [المشتركين] على أن يقولوا كل ما في داخلهم دون أن أؤثر عليهم. لم أقل لهم ماذا يقولون، يمكنهم أن يقولوا ما يشاؤون و يجيبوا بعضهم البعض. أنا أعرف الكثير عن الصراع من كتب التاريخ و من مصادر أخرى و كنت في البرنامج لمدة كافية لأعرف ماذا سيقول كل منهم و كيف سيجيب كل منهم. كانت الفتيات يقلن في كثير من الأحيان أموراً خاطئة من ناحية تاريخية، كل من الفلسطينيات و الإسرائيليات، لم يكن بإمكاني أن أرد عليهن. على سبيل المثال، قالت إحدى الفتيات  أن اللبنانيين هم من خطط و نفذ مجزرة صبرا و شاتيلا، أعرف أن هذا ليس صحيحاً و أردت أن أقول شيئاً لكن لم أستطع، لذا كان علي أن أنتظر الفتاة العربية لتجيبها لكنها لم تعرف ما يكفي. كان ذلك محبطاً بالنسبة لي.

و في بعض الأحيان كنا نصل إلى مرحلة يصبح عندها النقاش عقيماً و تكون الإجابة لدي لكن كنت أريدهم أن يتوصلوا إليها بأنفسهم دون أن أقولها لهم. و كانوا يصلون إلى مرحلة لا يتكلمون فيها عن التاريخ، بل عن مشاعرهم الخاصة و عن أنفسهم وليس عن الحقائق. كانوا يتكلمون عن عدة تواريخ مثل 1948 و 1967 و أرقاماً أخرى حتى أنا لم أعرف بها... كانوا يتكلمون عن أي شيء فقط لكي يثبت كل منهم للآخر أنه مخطىء. و في النهاية إستنتجوا أنهم لو ظلوا يتكلمون عن التاريخ لمئة سنة أخرى فلن يصلوا إلى حل. كان ذلك أمراً صعباً بالنسبة لي لأنني كنت في مكانهم و أعرف كمية الضغط الهائلة التي يشعرون بها. كانوا أحياناً يبدأن بالبكاء خاصة عندما تتكلم إثنتان واحدة للأخرى في جلسة "المرآة".

ما هي تقنية "المرآة" ؟

لنفرض أن فتاتين تريدان التكلم إلى بعضهما البعض لكنهما لا تعرفان كيف توصلان أفكارهما إلى بعضهما البعض. كل منهما تريد فقط أن تتكلم دون أن تستمع للأخرى. فمثلاً إذا أرادت فتاة فلسطينية و أخرى إسرائيلية أن تتكلما [في تقنية المرآة] ستقول إحدى فتيات عرب إسرائيل جملة و الفتاة الإسرائيلية عليها أن تكرر ذات الجملة التي قالتها الفتاة العربية الإسرائيلية. و عندها الفتاة التي بدأت الكلام عليها أن تصغي و تكرر ما تقوله الفتاة الأخرى. عندما تعرف الفتاة أن عليها أن تكرر الجملة ستصغي لما يقول غيرها دون أن تفكر في إجابتها. كلتاهما لديهما الكثير لتقولانه لبعضهما البعض. إذا سأفكر فيما سأجيب الآخر فهذا يعني أنني لن أستمع له سأفكر فقط في حججي. لكن لأنه عليّ أن أكرر ما يقال سأصغي بحذر لكل كلمة تقال. عليّ أن أصغي و أشعر بكلام الآخر و هو يخرج من فمي بصوتي أنا. فمثلاً لنفترض أنني يهودية و أمامي أخرى فلسطينية ستقول هي: كل اليهود مجرمون. علي أن أسمع هذا عني بصوتي. لهذا السبب تبكي الفتيات لأنهن عندما يكررن الجملة يشعرن بها.

كيف برأيك تؤثر تقنية "المرآة" على الشعور العام أو على جو المجموعة؟

عادة لا نبدأ العمل بهذه التقنية مباشرة، تبدأ عادة بعد الأسبوع الأول، بعد أن يكونوا قد تعرفوا على بعضهم البعض و أصبحوا يريدون التكلم في هذه الأمور. هؤلاء الفتيات في الثامنة عشر و التاسعة عشر من عمرهن، لقد نشأوا على تعاليم و معتقدات معينة، مثلاً أنا أعرف تاريخنا عن ظهر قلب لأننا لُقنا تلك المعلومات منذ كنا صغاراً لذا فأن الفتيات لسن على إستعداد أن يقول لهن الآخرين أمراً مغايراً. يبدأن بالإستماع لبعضهن البعض و هذا هو الأمر المهم. فإذا لم أعرف الشخص الذي أمامي و لا أريد أن أستمع إليه أو أن أتفهمه فكيف سأستطيع أن أتواصل معه؟ كيف سأستطيع أن أقنعه... ربما ليس عليّ أن أقتعه لكن كيف  سأوصل له الفكرة على الأقل. عندما يجلسن وجهاً لوجه و ينظرن إلى عيون بعضهن البعض لا يعد بإمكاننا أن نعرف أن هذه يهودية أو أن هذه عربية، يقلن ذات العبارات و ذلك يجعلنا نشعر أنهن أصبحن واحد. إن مجرد تكرار جملة لا يرغبن بتكرارها هو إنجاز بحد ذاته ربما لم يقلنها طوال حياتهن. من يتخيل أن تقول فتاة يهودية : كل اليهود إرهابيون، هذا مستحيل في وضع طبيعي. عندما تقول ذلك فهي تشعر به و تشعر لماذا يقول الطرف الآخر ذلك و بذلك تشعر مع الطرف الآخر... ثم يبكين. الجميع في الغرفة ينظرون إلى الفتاتين وهما تتكلمان و لا يقفزون إذا أرادوا أن يقولوا شيئاً بل يصغون.

ماذا كان رأي الناس من حولك عندما عرفوا بمشاركتك هذه؟

في البداية كنت خائفة أن أخبر أحداً. البرامج الأخرى التي إشتركت بها كانت مختلفة، و هذه المرة كان شعوري مختلف. كانت تلك المرة الأولى التي أقيم فيها معهم [اليهود] في نفس المنزل، و أن نأكل سوية و نذهب إلى أماكن سوية. كانت أول مرة أكون فيها معهم في مكان صغير كل الوقت. قبل أن أشترك في بناء جسور للسلام كان هناك لقاء مدرسي متبادل لمرة واحدة حيث ذهبنا لزيارة مدرسة إسرائيلية و إلتقينا بالطلاب لحوالي نصف الساعة لكن ذلك كان من بعيد بالكاد ألقينا التحية لكننا لم نتعرف على بعضنا البعض. لكن في هذا البرنامج سكنا في نفس المكان و تحدثنا عن حياتنا. و البعض منهن الآن من أعز صديقاتي، مثل إليانا و أدڤا اللتان هما يهوديات. لكن أخاف أن أخبر أحداً هنا لم يشارك في البرنامج. أنا أخبرهما [أدڤا و إليانا] كل شيء عني و أعرف كل شيء عنهما.

عندما كنا في نيويورك كنا نذهب سوية للتسوق، فكان الناس يسألوننا "من أين أنتم؟" كنا نقول لهم من فلسطين و ثم يسألون واحدة أخرى منهن [الإسرائيليات] فتقول لهم "من إسرائيل" فكان يختلط الأمر على الناس و يسألون مرة أخرى ليتأكدوا أن ما سمعوه صحيحاً. إلتقيت هذا العام في دنڤر بإمرأة سألتني من أين أنا فقلت لها: "من فلسطين." فقالت: "تقصدين إسرائيل" قلت: "لا فلسطين". ثم سألت إليانا من إين هي فقالت لها: " أنا من إسرائيل" فقالت الإمرأة :" تقصدين فلسطين." أجابتها إليانا: " لا إسرائيل." إرتبكت الإمرأة لأننا كنا صديقات. حتى الأشخاص ذوي العقل المنفتح في العالم الخارجي لم يستطيعوا أن يتخيلوا أنه من الممكن أن نكون سوية. في رحلتنا إلى الولايات المتحدة هذا العام توقفنا في هولندا لنستقل طائرة أخرى. رأوا [العاملين في مطار هولندا] هويتي الشخصية و هوية يوعاد التي تحمل جواز سفر إسرائيلي. سألونا الأسئلة الأمنية الروتينية، ثم قال أحدهم: " أريد أن أسألكم سؤالاً خاصاً بي و ليس عليكم الإجابة، كيف يعقل أنكم صديقات؟ أراكم في التلفاز تقتلون بعضكم البعض كيف أنتم سوية الآن؟!"

ما رأي أصدقائك عندما تخبرينهم عن هذا العمل؟ و أنك تعيشين مع الإسرئيليين في نفس المكان؟

إنهم لا يعرفون ذلك، فأنا لا أقول لهم أن هناك إسرائيليون؛ أقول لهم أننا فلسطينيون، و فلسطينيون إسرائيليون، و أمريكيون فقط، لأنهم لن يتقبلوا ذلك. من الصعب أن أقول لهم أنه لدي صديقة يهودية. أنا أعرف ذلك لأنه قبل مشاركتي في البرنامج هذا كنت أعتقد أن اليهود ليسوا إلا كلاب... لم أنظر إليهم بالطريقة ذاتها التي أنظر اليهم بها الآن. لو عرف أصدقائي سيظنون أنني أضيع وقتي و أنني لا أقوم بشيء مفيد. وهذا ما كنت أعتقده أنا عن مخيمات السلام قبل أن أشترك في البرنامج: أن مهمة اليهود الوحيدة هي ذبح الناس.

ليس من السهل إطلاقاً أن أقول أنه لدي صديقة يهودية أو أن أقول أنني ذاهبة إلى مخيم في أمريكا مع اليهود. أولاً سيظنون أنني بعت قضيتي. هناك الكثير من الناس المتعصبين يفكرون بتلك الطريقة. كان لدي صديقة كانت تعرف عن البرنامج و عندما قلت لها أنني سأشارك به قالت لي: هل أنت مجنونة؟ أما زلت تريدين أن تلتقي بهم بينما هم يريدون أن يفجروا الأقصى؟ كيف يعقل أنك ما زلت تفكرين بالسلام معهم؟ عندما يقول أحد كلمة يهودي، فأول ما يخطر إلى بالهم هو هؤلاء الذين يريدون تفجير الأقصى أو قتل أطفال غزة و جنين. لا يمكنهم أن يتخيلوا أن اليهودي قد يكون من عمرهم و أن يكون مثلهم.

ماذا عن عائلتك؟ ما هو رأيهم في عملك؟

أخي الذي يدرس حالياً في أمريكا لطالما كان مشتركاً في برامج من هذا النوع. شارك في برنامج إسمه مدرسة نير منذ كان في الثانية عشر من عمره. وكذلك أختي و أخي التؤمان شاركا في نفس البرنامج منذ كانا صغاراً لذا فهم معتادون على الفكرة. عندما أقول لهم عن البرنامج يقولون أنهم سمعوا ذات الأمور في برنامجهم، و كأنهم كلهم تعلموا ذات الإجابات. و كذلك الحال عندنا، كلنا نقول ذات الأمور لأننا نعيش في نفس البيئة و عشنا ذات التاريخ لذا لدينا ذات الإجابات. مدرسة نير هو برنامج أكبر لذا لديهم الكثير من الأصدقاء هناك. يلتقون في تركيا و هناك مشاركون من بلاد مختلفة مثل مصر و قبرص. و كذلك كان أخي الأصغر مشتركاً في مخيم صيفي يضم مشتركين فلسطينيين-إسرائيليين، و هؤلاء أيضاً من الصعب علينا أن نلتقي بهم، لأنه لا يمكننا الوصول إليهم. فهو يعرف ما هو اليهودي و ما هو الفلسطيني الإسرائيلي، إنهم عرب فلسطينيون يعيشون داخل إسرائيل.

ما هي التحديات الأخرى التي واجهتك؟

لا يوجد دعم إطلاقاً من الناس الذين حولنا، و الأصدقاء. ربما عائلتي تدعمني بعض الشيء لكنهم دائماً خائفون، و دائماً يحذرونني من أن أتكلم عن أشياء معينة  أو أن أذكر أشياء معينة. و كذلك الحال مع لقاءات المتابعة التي هي أشبه بالمستحيل؛ فعليّ أن أستقل ست سيارات أجرة لأصل إلى القدس و كل ذلك بالتهريب. الوصول إلى القدس في الوضع الطبيعي يستغرق حوالي الساعة و النصف لكن الآن فذلك يستغرقني خمس أو ست ساعات. أنتظر على الحاجز لساعات، لكن الآن لا أذهب عبر الحاجز بل أسلك الطرق الإلتفافية عبر طولكرم لأن مكتب التنسيق والإرتباط الإسرائيلي لا يمنحنا تصاريح بعد الآن. لم أذهب من حاجز الحمرة منذ سنة. أسلك الطريق الطويل إلى عنبتا ثم إلى طولكرم ثم إلى رام الله.لا أقول لأحد هنا عما بداخلي؛ لا أقول لهم ماذا جرى في المخيم. إذا سألونني فكل ما سأقوله لهم: "إستمتعت به." إلا إذا وجدت أحداً يتفهم و هذا نادر، قد أقول لهم القليل عن المخيم. لا أضع اللوم على الناس بل أضع اللوم على الوضع الذي يعيشونه. لو كان هناك سلام و إستطاع الناس أن يلتقوا بعضهم البعض... أقصد قبل الإنتفاضة كان الناس من العفولة يأتون كل يوم سبت إلى جنين. كان يكفينا أن نعرف أنه بإستطاعتنا أن نذهب إليهم و أن يأتوا هم إلينا. عندما يكون بإمكاننا أن نذهب إلى حيفا و تل أبيب في أي وقت يمكننا أن نرى البشر هناك، لكن عندما لا نرى سوى الجنود و الدبابات و الطائرات، مسلحين يتجولون حولنا و كأنهم ذاهبون إلى حرب مع جيش آخر-- هذه الفكرة الوحيدة التي نمتلكها عنهم – لذا لا يمكنني أن أقول لأصدقائي أنني كنت في مخيم صيفي مع اليهود.

هل جعلك هذا العمل تلتقين بأشخاص لم يكن بإمكانك لقاءهم, أو أن تزوري أماكن لم يكن بإمكانك زيارتها لو لم تكوني ناشطة في هذا العمل؟

نعم. التقيت بمستوطِنة. لا أعرف من أين هي بالتحديد لكنها من مكان ما بالقرب من القدس أو بيت لحم ليس بالقرب من جنين. لقد صدمنا عندما إلتقينا للمرة الأولى. كانت تبقى دائماً حولي لتتأكد أننا متشابهتان. كانت تسألني أسئلة كثيرة مثل: "ماذا تتناولون على الإفطار؟" كنت أقول لها: "حمص و لبنة... إلخ." و كانت تسألني: "هل تأكلون خبزاً و لحمة؟!" لا يمكن تخيل الأسئلة التي كانت تسألها و كيف كانت تسألني تلك الأسئلة... و كانت تجلس دائماً بالقرب مني و تلمس ثيابي و تسألني عن كل شيء كانت تخاف مني. كانت تكتشفني كطفل يكتشف شيئاً جديداً. في إحدى المرات أرتني قرطاً إشترته من القدس، فقلت لها أنني أنا أيضاً أشتري أشياءً مماثلة من القدس فتفاجأت لأنني أذهب إلى القدس! حتى أنها قالت لي أنها لم تتخيل وجود أشخاص مثلي في جنين. لم تفكر أنه من الممكن أن يكون هناك أشخاصاً يمكنها أن تتكلم معهم. كان آخر ما تتخيله هو أن تلتقي شخصاً من جنين؛ قالت لي أنها لم ترى الناس في جنين إلا على التلفاز يحملون الأسلحة و يقاتلون الجنود. كانت تراقبني و أنا أشرب الماء فقلت لها: "إطمئني أنا بشر!" لا ألومها، لم يسمح لها أهلها بالخروج و بإستقالة الحافلات. و كان هناك فتاتين يهوديات متدينات تتبعان ما هو مباح حسب الشريعة اليهودية. كانت إحداهن تقول لي دائماً "صديقتي الإرهابية"، لأنني من جنين. كانت دائماً تقول ما علمها مجتمعها عنا لكنها كانت دائماً تقول لي: "لا أرى ذلك بك أنتِ شخص جيد." ثم أصبحت هي و أختي أميرة، التي ذهبت إلى المخيم هذه السنة، صديقات. أمضوا الكثير من الوقت سوية تكتشفان بعضهما البعض... كان ذلك مميزاً. كانت تلك المرة الأولى التي تشارك فيها مستوطنة و فتيات متدينات في المخيم. لم تكن لديهن أية فكرة بوجود شيء يدعى فلسطين! في البداية إعتقدت أنهن يستهزئن بنا أو أنهن يحاولن أن يثبتن أننا لسنا موجودين. لم تعرف إحداهن حقاً أن فلسطين موجودة؛ كانت تعتقد أنها إذا بحثت عن كلمة إسرائيل في القاموس فستجد مقابلها في المعنى كلمة فلسطين. لم تعرف ذلك بالفعل لم تختلق الأمر. سألتها "إذاً أين أعيش أنا؟" قالت لي: "لا أعرف، في الأردن؟" قلت لها: "لا أنا أعيش في جنين." ثم قالت: "أعرف لكن هل يعيش هناك أناس؟" لكن لا ألومها. هذا الأمر الجيد في المخيم لأنها عادت هنا و أخبرت أصدقائها في الخدمة عن وجود فلسطين و سببوا لها الكثير من المشاكل. لقبوها بالكاذبة و قالوا لها أنه قد أجري لها غسيل دماغ في المخيم. أصبحت داعمة للقضية الفلسطينية و هي متدينة تعيش بين أشخاص متدينين. هل يمكنك تخيل ما تخاطر به هذه الفتاة عندما تقول لأحد من حولها أنها إلتقت بفلسطينية من جنين؟ ليس هناك دعم.

ما هي مشاريعكم القادمة أو ماذا ستفعلون بعد ذلك؟

كان لدينا لقاء متابعة في منطقة بالقرب من الخضيرة. كان ذلك جيداً جداً لكن لم يستطع الكل الوصول إلى المكان. لقد إستغرقنا الوصول إلى هناك أنا و شقيقتي إحدى عشر ساعة. غادرنا الساعة الرابعة صباحاً ووصلنا هناك الساعة الثالثة عصراً. كما ذكرت سابقاً لا يمكنني أن أعبر أي حاجز، ليس لدي تصريح. كان لدي تصريح لرام الله لكن لا يعطونا إياه بعد الآن. علي أن أسلك الطرق التي تتعرج بعيداً عن الحاجز. لكن تم ضبطنا في بيت حنينا لكننا شرحنا لهم أننا هنا كجزء من مخيم السلام و تظاهرنا بأننا لا نتكلم العربية. و بعد أن رأوا تأشيرة الدخول للولايات المتحدة الخاصة بنا دعونا نذهب. و قال أحدهم مازحاً: " نحن نحبكم يا عاملي السلام." لم يكن جندياً كان شرطياً عادياً.

كان من المفترض أن نستقل سيارة أجرة لنذهب إلى بيت أدڤا العضو العامل في البرنامج، لكنهم كانوا يتفحصون كل سيارة فإعتقدت أنهم كادوا يلقون القبض علينا، لقد تركونا أول مرة لكن هذه المرة إعتقدت أننا لن نفلت و سنتورط!! فبدلاً من ذلك ذهبنا إلى كنيسة القيامة. كنت أشعر بالخوف كل مرة أرى فيها الجنود. كانت تلك المرة الأولى التي يروادني فيها هذا الشعور لأنني كنت وحدي مع شقيقتي و لم يكن هناك من يساعدنا في حال حصل لنا مكروه. حتى أن هاتفي النقّال لم يعمل  لأن تلك المنطقة ليست ضمن نطاق الخدمة لخط جوال. كانت أول مرة أشعر بالخوف و أنا في أرضي. إختبأنا في كنيسة القيامة لأنه ليس هناك مكان آخر نذهب إليه، فلاحظ أحد الشرطيون أننا أمضينا وقتاً طويلاً هناك فسألنا إذا كان كل شيء على ما يرام، كنت أرتجف لكنني قلت له أننا على مايرام. لو رأيت وجهي، قلت له ذلك ليذهب بعيداً. بقينا هناك من الساعة العاشرة صباحاً حتى الساعة الثالثة. كان الجنود في كل مكان- - في وجهي. كان ذلك خوفاً لم أشعر به من قبل. أصبحت أفكر أنهم سوف يسجنونني لسنة، سوف يفتشون حقيبتي ظناً أنني أحمل المتفجرات. كان هذا كل ما يمكنني أن أفكر به. في النهاية وصلنا إلى مكان اللقاء لكن بعض الفتيات لم يتمكن من عبور الحواجز لأنها أُغلقت بعد مغادرتنا مباشرة. كانت هناك فتاة من رام الله لم تستطع الخروج. كل الفلسطينيات بذلن ما بوسعهن لكن لم يستطعن الوصول. 

لقد صدمت بعض الفتيات لدى عودتهن من المخيم، لقد تغيرن. الفتاة المتدينة، لم يسمح لها أهلها بحضور اللقاء لأنها عرفت بأمر فلسطين، ذلك الشيء الذي أخفاه أهلها عنها لسنوات. لنتخيل أن أحدنا يعيش مع أهله دون أن يقولوا له أن هناك أشخاص آخرين يعيشون على ذات الأرض التي يعيش عليها، ليس من السهل إكتشاف ذلك و التورط في مشاكل مع العائلة والأصدقاء، لذلك لم يسمح لها أهلها أن تأتي إلى اللقاء حتى لا تكتشف المزيد. هذا العام سيشترك أمريكيون في البرنامج، لذا ربما  سنلتقي في لقاءات المتابعة خارج البلاد لأنه من الصعب علينا أن نذهب إلى إسرائيل، فربما يكون ذلك في أوروبا أو في مصر أي مكان يمكننا اللقاء فيه.


 

ما هو أهم شيء تريدين تحقيقه من أجل شعبك و مجتمعك؟

كان أهم شيء بالنسبة لي حتى قبل أن أنضم إلى بناء جسور السلام، و منذ كنت في فرنسا أن يعرف الناس الذين في الداخل الذين يعيشون بعيداً عنا بأمرنا. أقصد بهؤلاء الإسرائيليين و عرب إسرائيل لأنه حتى عرب إسرائيل لا يعرفون شيئاً عنا. عليهم أن يعرفوا أننا لا نكره الحياة و لا نريد مجرد تفجير أنفسنا، عليهم أن يعرفوا لماذا نفعل ذلك لأنهم إذا  إستطاعوا أن يفهمونا عندها سيكونون قادرين على مساعدتنا. أن يحزم أحد نفسه بقنبلة و يفجر نفسه هي أكبر صرخة نجدة. لماذا فجر نفسه؟ إنه يقول لهم أن ينظروا إلينا، "إنظروا إلي لماذا فعلت ذلك و ساعدوا الناس الآخرين الذين تبقوا" إنها أكبر تضحية. لقد تخلى عن كل شيء ليقول للطرف الآخر أن ينظر إليه و لماذا يفعل ما يفعله ليساعدوا الناس الآخرين حتى لا يفعلوا ما فعله هو. على الناس أن يعرفوا أن الإنتحاري لا يقوم بذلك كرهاً لحياته و لا من أجل المال - -، لقد فقد حياته ماذا سيفعل بالمال حتى لو حصل على الملايين؟ يجب على الإسرائيليين و على عرب إسرائيل أن يعرفوا أن هؤلاء الناس يتألمون و يصرخون النجدة.

ما الذي تعتتبرينه نجاحاً صغيراً؟

أن نصل إلى مرحلة تسطيع عندها فتيات المخيم أن يؤثرن على مجتمعاتهن. لا أتوقع أن يغيروها. في البداية يمكنهم أن يتغيروا من الداخل. بالنسبة لي ما أعتبره نجاح عظيم هو أن تدرك فتاة ما أن فلسطين ليست الترجمة العربية لإسرائيل! إنه نجاح عظيم أن تعرف فتاة تبلغ من العمر عشرين سنة تقريباً بوجود فلسطين و أن تخبر أصدقائها بذلك. وكذلك أن تستطيع  فتاة فلسطينية أن تقول لأصدقائها أن لديها صديقة إسرائيلية سيكون ذلك نجاحاً، و هو أمر صعب. علينا أن نفهم أن رفض الناس للوضع الراهن هو الحل. الحل ليس بأيدي القادة. الشعوب هم من قادوا كل الثورات بعد أن إعترضوا على أوضاعهم. لم يسبق لقائد أن قال: " هذا الوضع لا يروق لي لذا سأغيره." الناس هم دائماً الذين يصنعون التغيير، هم الشرارة.

ماذا يتطلب تحقيق ما ترغبين به لشعبك؟

ليس ذلك بالأمر الصعب. لدى بناء جسور للسلام ما يقارب خمسمائة فتاة، لو أنهن لم يؤثرن على أحد، بل هن أنفسهن تأثرن على الأقل. و برامج أخرى لديها خمسمائة آخرين و ربما أكثر. مدرسة نير فيها الآلاف. و هناك بذور السلام و وجه لوجه. لو كان هناك المزيد من هؤلاء سيكون هناك فرقاً. لو كان هناك على الأقل مشترك واحد في كل برنامج فذلك سيحدث فرقاً. فلسطين و إسرائيل بلاد صغيرة على الخارطة و عدد السكان ليس كبيراً، ، إذاً فإن خمسمائة شخص يمكنهم أن يحدثوا فرقاً في الإنتخابات. لو كان من بين الفلسطينيين ألف أو ألفان شخص يعملون من أجل السلام فإن ذلك سيحدث فرقاً كبيراً. 

ما هو الوضع المثالي بالنسبة لك الذي ترغبين بتحقيقه؟

كان حلمي أن نستعيد كل أرضنا، فلسطين الطبيعية كما في الخارطة قطعة واحدة. لكن بعد أن ذهبت إلى المخيم و زرتهم و رأيت أين يعيشون و أن لهم حياة و عمل... حياتهم مثل حياتي تماماً. ليس الأمر و كأن بإمكانهم أن يتنقلوا إذا لم يعجبهم المكان كما يفعل بعض المستوطنون. هناك قرى و مدن قائمة. لا أريد أن أظل أعيش في الخيال، ما كنت أتخيله هو مستحيل الآن، إنه مجرد خيال. الحل الوحيد هو أن نتوقف عن ذبح بعضنا البعض لأن لا أحد يساعدنا؛ حتى العالم أتعبته مشكلتنا. أقصد أمريكا تدعمهم [الإسرائيليين] تارة، ثم تدعمنا أوروبا تارة أخرى حتى يملون منا. مضى على قتالنا لبعضنا البعض أكثر من خمسين عاماً.  علينا أن نصبح قادرين على العيش سوية، ما الخطأ في ذلك؟ كنا نعيش سوية قبل أن تكون إسرائيل موجودة، كان هناك العديد من اليهود. المشكلة أن دولتهم قائمة على أساس الدين. ماذا عن المسيحيين و المسلمين ألا يريدون هم كذلك أن يؤسسوا دولة؟ لماذا يجب أن تكون دولة بحكم دين واحد، لماذا لا يمكن للجميع أن يعيشوا بديانات مختلفة دون أن يحكم دين واحد على الديانات الأخرى؟ هذا ليس مستحيل أو خيال لأنه حدث سابقاً. لقد عاش في فلسطين الكثير من الشعوب و حكمتها ديانات مختلفة عبر التاريخ و هذا ما لا يفهمه اليهود. هذا مكان للديانات الثلاث، المسلمون يريدونها و المسيحيون يريدونها و اليهود كذلك، فلماذا علينا أن نخوض كل هذه المشاكل بينما لن تكون ملك أحد في النهاية؟ أعلينا أن نستمر في قتل بعضنا البعض من أجل ذلك؟ الحل الوحيد هو أن نقتنع أن الأرض هذه ليست ملك أحد بل هي ملك للجميع، و يجب أن تكون مفتوحة للجميع ليعيشوا فيها.

تكلمت عن الديانات الثلاث يعيشون سوية في هذه الأرض. أين ترين نفسك في هذه الصورة؟

أرى أنه يمكن أن يكون لي أصدقاء من كل الديانات و "الشعوب" الثلاث: الفلسطينيين و اليهود و الفلسطينيين الإسرائيليين. لست متعلقة بمجتمعي فقط كمسيحية فلسطينية و لا أظن أننا الأفضل. في رأيي فإن الديانات الثلاث يشكلن مثلثاً؛ الإسلام و المسيحية و اليهودية. لو توقف اليهود عن مقاتلتنا سوف نبدأ بمقاتلة بعضنا البعض. إذا مر يوم دون أن يجتاح الإسرائيليون جنين سيكون هناك شجاراً بين سكان جنين بالتأكيد... يجب أن تكون هناك دائماً دماء! [مازحة] أعتقد أنني بدأت أخلط الأمور. لكن حقاً علينا أن لا نخدع أنفسنا الإحتلال هو ليس السبب الوحيد... لا بد أن الإحتلال قد رأى ضعفنا لذلك جاءنا. لماذا في رأيك جاؤوا إلى فلسطين؟ لأنهم رأوا أننا ضعفاء و أننا نستمر في مقاتلة بعضنا البعض لولا ذلك لذهب الإحتلال إلى بلاد أخرى ليس إلى هنا. في أول يوم إنسحب اليهود من بيت لحم و جاءت فيه السلطة الفلسطينية، كنت أدرس في مدرسة مار يوسف الداخلية هناك، كنا يومها في الشوارع نحتفل بذلك اليوم. كانت حينها فترة عيد الميلاد و كنا نشاهد الجنود الفلسطينيين في عرض عسكري و كنا نرمي عليهم الحلوى، ثم هدموا مركز الشرطة الإسرائيلي بالقرب من كنيسة المهد و كنا كلنا مبتهجين. أول ما سمعته في ذلك اليوم كان : سوف نكسر لكم صليبكم... أولاً اليهود ثم أنتم. عندها فقدت الأمل لماذا أنا سعيدة إذا كانوا سيصنفوننا في فئات؟ "أولاً اليهود ثم أنتم!" إعتقدت حينها أنه ربما ليس من الأفضل أن يغادر اليهود لأنهم إذا غادروا فسأكون أنا التالية. إذا غادر اليهود أعتقد أنه لن يبقى أحد على هذه الأرض، ألا يفترض أنها "الأراضي المقدسة؟" لكن أعتقد أن هذه الأرض ملعونة، الكل يريد السيطرة عليها حتى لو قتلوا بعضهم البعض، قد يفعلون أي شيء لأسباب دينية.

ماذا تعني لك كلمة السلام؟

السلام؟ أسمع الكثير عنه، نتكلم عنه لكن لم أتخيل قط كيف ممكن أن نكون لو عشناه. ما أتخيله هو فقط كيف سيكون لكن لا أعتقد أننا سنعيشه، إن حدوثه صعب جداً و بعيد جداً. لطالما كان السلام حلماً بالنسبة لي مجرد حلم، أن نستطيع العيش في أرض واحدة دون أن يهمني من يسكن في البيت الذي يجاورني أو من يذهب معي إلى المدرسة. كما يعيش الفلسطينيون-الإسرائيليون و الإسرائيليون في نفس المكان، أتخيل ثلاث شعوب يعيشون سوية في نفس الطريقة. هم في الأصل شعبان لكن الوضع جعلهم ثلاثة بجعل الفلسطينيين-الإسرائيليين الشعب الثالث. و غير ذلك لا أظن سيكون هناك سلام.

هل برأيك ستشهدين السلام في حياتك؟

كما ذكرت آنفاً فالسلام لن يكون بين اليهود و المسيحيين أو بين المسلمين و المسيحيين. هناك ثلاثة عناصر أو ثوابت في هذه المعادلة. و مهما غيرناها سيظل هناك دائماً ثلاثة عناصر في المعادلة. بالطبع يمكن أن يكون هناك سلام لكن فقط في حال تحرك الناس ليفعلوا شيئاً لأنهم إذا ظلوا في بيوتهم دون أن يفعلوا شيئاً فلن يتغير شيء. و الأمر ليس متعلق برغبة الناس بالسلام  فقط، يجب على الحكومات أن تساعد، و إذا لم يساعدوا فلا يعارضونا على الأقل. كما قلت سابقاً الأمر في أيدي الناس ليحدثوا التغيير لكن دعم الحكومة مهم كذلك. لكنني لا أرى ذلك الدعم لا من الحكومات و لا من العالم الخارجي، و كأنهم سعداء بمشاهدتنا في صراع. يبدو أنني سأدخل السجن من أجل ذلك!!! [مازحة]

برأيك كيف سيكون الوضع بعد خمس أو عشر سنوات؟

حسب ما أرى الآن فإن الوضع يزداد سوءً. خلال الإنتفاضة الأولى عندما كان يُقتل أحد كنا نعلن الحداد عليه ثلاثة أيام حتى لو كان من غزة التي هي بعيدة عنا. لكن الآن حتى  لو أن جارنا هو الذي قُتل فالأمر أصبح طبيعياً. لو أردنا أن نعلن الحداد ثلاثة أيام لكل من يموت فعندها لن تكفينا كل أيام السنة. لقد ماتت مشاعر الناس، أشعر أنها عملية لتدفع الناس إلى فقدان مشاعرهم، لنصل إلى مرحلة لا نشعر فيها بشيء لدى رؤيتنا لأحد ميت. لقد أوصلونا [الإسرائيليون] إلى مرحلة نشعر فيها أننا ميتون من الداخل، فهم يقتلوننا من الداخل، ليس علينا أن نتوقف عن التنفس لنكون ميتين، يمكننا أن نكون ميتين و نحن ما زلنا أحياء. فمثلاً إذا كنا في جنين و لا نستطيع الوصول إلى رام الله أيعني هذا أننا أحياء؟ ألسنا مسجونين؟ ميتين؟ هذا ما أتخيله في العشر سنوات القادمة إذا لم يتحرك أحد ليصنع السلام. و كما نرى الكل يجري وراء مصالحه و عدا ذلك فلا شيء يهمهم. الكثيرون مستنفعون من هذا الصراع.

من هو الجمهور الدولي الذي له التأثير الأكبر هنا برأيك؟

اليهود يحبون الأمريكيين، لذا فهم الوحيدون الذين بإمكانهم أن يؤثروا على اليهود، ليس أوروبا و لا أية دولة أخرى مثل روسيا، الذين لا يفعلون سوى الكلام. دولة مثل أمريكا هي كافية. لهذا السبب أرى أنه من الجيد أن المخيم يجري في الولايات المتحدة لأنه يظهر للناس الذين ضدنا من نحن في الحقيقة. لقد أثبت التاريخ حتى في جلسات الأمم المتحدة أن أمريكا هي المسيطرة على كل العالم. و هي الدولة الوحيدة التي لها تأثير هنا، يمكنهم إما أن يدعموا الصراع ليستمر أو أن يضعوا حداً له. بإمكانهم أن يقولوا للإسرائيليين أنهم سيوقفون تزويدهم بالأسلحة و سيوقفون الدعم في حال لم يتوقفوا عن قتل الفلسطينيين. اليهود يعتمدون كثيراً على أمريكا.

ما هو أكبر إعتقاد خاطىء لدى المجتمع الدولي عن الصراع؟

أولاً يعتقدون أن الفلسطينيين بلا مشاعر، يعتقدون أننا على إستعداد أن نموت من أجل أي شيء. لديهم فهم خاطئ عن العمليات الفدائية. يعتقدون أن الإنتحاري لا يريد سوى الموت. هذا ما يظهره الإعلام الإسرائيلي - - أن الفلسطينيين يرسلون أطفالهم ليُقتلوا. عندما يظهرون التفجيرات في الأخبار فهم يظهرون صوراً لأطفال مجروحين، لكنهم لا يظهرون السبب الذي يدفع الإنتحاري على القيام بذلك. الصورة التي تصل إلى العالم عنا هي أننا عصابات إرهابية متخلفة. عندما ذهبنا إلى المخيم لأول مرة إعتقدوا أننا سنأتي مرتدين الحجاب لم يعرفوا أن هناك أشخاص متحضرون مثلهم. لديهم فكرة عنا أننا نعيش في خيم و أن رجالنا متزوجون أربع نساء. و يعتقدون أن الفلسطينيين " لصوص الدجاج."

ما هو برأيك الإعتقاد الخاطئ لدى الإسرائيليين؟

ليس لديهم أية فكرة عنا لأنهم حتى لا يعرفوا أننا موجودون. هذا ما إكتشفته هذا العام لأنه في السنة الماضية كان لدى المشتركين خلفية قليلة عن البرنامج. هذه السنة كان لدي الوقت لأراقب أكثر من أن أتكلم، لذا أدركت أنني أشعر بالأسف عليهم، لأن هناك فتاة تبلغ من العمر 20 سنة لا تعرف بوجود شيء إسمه فلسطين! أليس عليها أن تعرف؟ إذاً ليس لديهم فكرة عنا لنصححها. هذه السنة كان دورنا أن نُعرف عن أنفسنا. عندما قالت شقيقتي: "أنا من فلسطين"، صُدمت تلك الفتاة و ظنت أنها تتحدث عن أرض كانت موجودة قبل وجود إسرائيل و كان إسمها فلسطين، و لكنها الآن إسرائيل. لذا علينا في البداية أن نعرفهم بأنفسنا ثم بعد ذلك نصحح الأفكار الخاطئة التي يحملونها عنا.

و ما هي الإعتقادات الخاطئة لدى الفلسطينيين عن الإسرائيليين؟

يمكنني أن أتحدث عن نفسي كنت أظن أن الإسرائيليين كلهم جنود. و لدينا كذلك إعتقاد ساذج لكنه عاطفي و هو أننا نعتقد أنه علينا إستعادة كل الأراضي. لقد أصبح ذلك حلماً و يمكن للجميع أن يحلموا، لكن لا يمكننا أن ندرك أن ذلك مستحيل. نحن نحارب دون جدوى. و الذين يفجرون أنفسهم يعتقدون أنهم سيحررون كل فلسطين، أراضي 1948 و ليس فقط أراضي 1967. علينا أن نفهم أننا نحارب دون جدوى لأنه لديهم حياة هناك الآن في مدنهم و قراهم. لكننا نستمر في إخفاء الحقيقة و نعيش في الأحلام.

ما هي أهم الدروس و العبر التي تعلمتينها عن نفسك؟

لقد تفاجأت بنفسي. كنت دائماً أقول أن علينا أن نسترجع أراضي 1948؛ لم أتوقع أنه يمكنني أن أتقبل الحقيقة؛ و كنت أخفيها في داخلي. مثل لاجيئي  1948، الذين إكتشفوا بعد أن أمضوا وقتاً طويلاًً بعيداً عن بيوتهم أنه لن يعود بإمكانهم العودة كما كانوا يتوقعون، فلماذا مازالوا يحتفظون بمفاتيح منازلهم؟ يحتفظون بها ليعشوا في أحلامهم. و أنا كنت أعيش في حلمي الخاص. و بالطبع صُدمت عندما واجهت الواقع، لكنني إكتشفت أنني قوية بما فيه الكفاية. ما الذي يجعلني أذهب إلى القدس؟ إن ذلك من أجل أن أثبت لنفسي قبل أن أثبت لهم أنه يمكنني و سوف أصل إلى داخل إسرائيل، يمكنني الوصول إلى الأرض التي أريد الوصول إليها، حتى لو كان ذلك لأمشي عليها فقط. لقد كنت سعيدة جداً عندما وصلت إلى القدس شعرت أنني حققت شيئاً بنفسي. تعلمت أنني قوية بما فيه الكفاية لأحقق كل ما أصمم عليه. أبدأ بالأمور الصغيرة التي تصبح أكبر. كنت أعيش بدون طموح مثل الآخرين.

ماذا تعلمتِ عن مجتمعك؟

تعلمت أنهم شعب مسكين بالفعل. كانت أول مرة أمضي معهم الوقت يومياً لأنني كنت أذهب إلى الجامعة و أعود، لم أكن أخرج لكن الآن أذهب نفس الطرق التي يسلكونها أعني المواصلات العامة. عندما كان علي أن أستقل ست سيارت أجرة مررت بما يمرون به، إستمعت إلى محادتثاتهم و رأيت معاناتهم. كانت هناك إمرأة معها طفلين كانت تصلي و تدعو الله أن يساعدها. هذا يظهر مدى بساطة هؤلاء الناس. ليس الأمر و كأن هناك جيشان يتحاربان و لا يهمهم الناس العاديون. هؤلاء الناس بسطاء، أنقياء الروح و قلوبهم بيضاء. رأيت إمرأة أخرى تقول للجندي الذي كان يرمي لها حاجاتها: "ليحفظ لك الله عائلتك، أرجوك لا تفعل ذلك." لم تشتمه بل كانت تتوسل إليه، لكنه لم يستمع إليها. إنها تعرف أن هذه أرضها لكنها تتقبل الواقع. إنهم حقاً بسطاء ليس لديهم الرغبة في إمتلاك أي شيء كل ما يريدونه هو أن يعيشوا. أعتقد أنه لو كانت الطرق مفتوحة لهم للتنقل بحرية فلن تحدث أبداً أية عمليات تفجيرية، لأن الضغط هو الذي يدفعهم إلى القيام بذلك.

ماذا تعلمتِ عن الطرف الآخر الإسرائيليين؟

أنهم أغبياء. ليس لديهم عقل ليفكرون. عليهم أن يعرفوا لماذا يذهب هؤلاء [الإنتحاريون]. الإسرائيليون يتلقون المعلومات تلقيناً. كلهم يفكرون في ذات الطريقة و كأنهم كلهم نسخ عن بعضهم البعض. أنا في هذا البرنامج منذ ثلاث سنوات و أعرف ماذا سيقولون لو سألتهم أي سؤال. دائماً يقولون: "هذه دائرة و عليكم أن تتوقفوا لنتوقف." ليسوا شعباً يفكر بل هم شعب يُلقن. عندما يتكلمون لا يتكلمون من عقلهم بل يقولون ما زُرع في روؤسهم. هذه هي المشكلة. أعني تلك الفتاة لا تعرف بوجود فلسطين... أشعر بالأسف عليها، يجب أن يكون هناك من يساعدهم على الفهم تدريجياً بأن أولاً هناك فلسطين و ثم أن هناك شعب يعيش فيها.

ماذا تتخيلين أن يكون الحل؟

أولاً لنكن واقعيين و أن ننسى الرؤية الرومانسية للعيش سوية. يجب أن يفتحوا لنا الطرق لنذهب أينما شئنا. لا أذكر آخر مرة ذهبت  إلى الخليل أو أريحا. لا نريد الذهاب إلى تل أبيب. دعونا على الأقل نتنقل بحرية داخل الضفة الغربية أو فلسطين أو أياً كان إسمها—كل تلك الأسماء التي ترد في الأخبار تشوشنا. إذاً أولاً دعونا نتحرك بسهولة، فهذا سيحل مشاكلنا و مشاكلهم كذلك. لماذا يضعون الجدار؟ فذلك سيجعل الوضع أكثر سوءً بالنسبة لهم. لقد قالت شقيقتي أميرة لهم [الإسرائيليين]: "حتى لو قسمتم بلادكم إلى قطع و علقتموها في الهواء فسنصلكم أينما ذهبتم. هذا ليس الحل عليهم أن لا يختبئوا، عليهم أن يواجهونا. ليس عليهم سوى أن يفتحوا الطرق و لن يفكر أحد في تفجير نفسه هناك.

هل هناك أمر آخر تودين الحديث عنه أو سؤال آخر كنت تتوقعين أن أسألك إياه؟

نعم أود أن أتكلم عن الجدار. هذا ما نتكلم عنه كل يوم. يعتقدون أن هذا هو الحل لكنه ليس الحل. كما إستغرق الأمر في ألمانيا سنوات من المشاكل حتى أزالوه فذات الشيء و حتى أسوء سيحدث هنا. اليهود يعتقدون أن الجدار هو الحل لكنه سيجلب المزيد من المشاكل. و كما أحاطوا أنفسهم في غزة بكل أنواع الأسوار حول مستوطناتهم لكن الفلسطينيون إستخدموا نوعاً من الصواريخ إخترقت تلك الأسوار. هذا يدفع الفلسطينيين على التفكير بوسائل أخرى ليلحقوا بهم الأذى أكثر. هذا ليس حل؛ لا يمكنهم بكل بساطة أن يضعونا في سجن. لا يسمحوا لنا بالذهاب إلى القدس بالرغم من كونها مكان مقدس، أدرك أن ليس كل الناس متدينين. كل إحتيجاتنا في القدس مثل المحكمة الكنسية على سبيل المثال.

ماذا تعني لك القدس؟

أنا لست متدينة كثيراً بالرغم من أنني مؤمنة في ديني، لكن أحب التواجد في ذلك المكان(القدس)، أشعر بالراحة و النقاء من الداخل. أشعر بقدسية المكان أشعر بذلك في هوائها. لا يمكنهم أن يمنعونا من الذهاب إلى هناك هذا مستحيل. كل مرة أذهب أجد أنهم زادوا الأمر صعوبة. آخر مرة كنت فيها هناك لم يكن الجدار قد وصل بيت حنينا بعد، لكن الآن سيغلق تماماً قريباً جداً. ربما سأضطر في المرة القادمة أن أقفز من فوق الجدار.