« المقابلة | أبرز المقاطع في المقابلات

مقابلة مع

من أين أنتِ وكيف انضممتِ وانخرطتِ في العمل من أجل السلام؟

المكان الذي آتي منه له أهمية وارتباط كبيرين بالمكان الذي أسكنه الآن. نشأ ت في  مدينة إليزابيث في ولاية نيو جيرزي في الولايات المتحدة الأمريكية، ضمن جاليةٍ يهودية ٍ أرثوذوكسية. يوجد ’يشيفا‘ في مدينة إليزابيث و قد مررت ’باليشيفا‘؛ إذ كان كلا والديّ مهاجرين واهتما لحد كبير بـالجو اليهودي فأرسلاني لأمارس ’اليشيفا‘ مع أنّ هما أنفسهما لم يمارسا الأرثوذوكسية, إذ كان هذا دارجاً ومن الممكن أن يكون دارجاً أيضاً في هذه الأيام, لا علم لي بذلك.  كانت أمي قد أتت إلى الولايات المتحدة بسبب الأحداث في  فلسطين عام 1935 وهي صهيونية مخلصة  كانت تابعة لليمين ’الجابوتنسكي‘؛ كما أنني التحقت بكل أنواع برامج الفنون والبرامج الصهيونية ، بما فيها (مخيم ماساد) الذي كان مخيماً أرثوذوكسياً صهيونياً صيفياً للناطقين باللغة العبرية وقد ساعد هذا المخيم على اختيار العديد ومن ثمّ إرسالهم إلى إسرائيل. البعض أ ُرسل للمستوطنات والبعض الآخر لأجزاء أخرى, وما يثير الدهشة أن مديري  ومفكري هذا المخيم هم صهيونيون متفتحون  ومتحررون ومعارضون للاحتلال، ولكن الكثير من الذين التحقوا بهذا المخيم انتموا إلى اليمين  وبشدة بعد ذلك.

نشأ ت أشعر بصهيونيتي القوية وأحس بيهوديتي إن لم تكن أرثوذوكسيتي التي أحس بها، كنت أشعر بأنني ابنة إسرائيل بشدة. انتقلت للعيش هنا عندما بلغت التاسعة عشر من عمري ولكني ذهبت إلى الولايات المتحدة لفترة قصيرة لإنهاء دراسة البكالوريوس في جامعة برانديز، وبعد ذلك عدت  وحصلت على شهادة الماجستير هنا. كنت جزءاً من البيئة الأرثوذوكسية المتدينة في إسرائيل. صوَتُ للحزب القومي المتدين و لحزب المافدال وشعرت بارتياح ٍ كبير بين أفراد ‘بني أكيفا’ و جماعة ‘ريحافيا’ في القدس. أذكر بوضوح كيف كنت أمشي في الشارع أفكر: " أحتاج أن أشتري بلوزة ولكن من أين ؟ آه ، الرجل الذي يملك ذلك المحل أرثوذوكسي، سوف أشتريها منه" لا أعلم إذا كان الناس يتكلمون عن هذه الأشياء الآن ولكن هناك شعور ورغبة قويين بدعم بعضنا البعض حتى إلى ذاك الحد. هل أستطيع مواصلة الحديث؟

يبدو من خلال حديثك أنك كنت تتجهين إلى لحظة تغيير

نعم، كان هناك تغير تدريجي وبعده كانت لحظة من التأمل العميق. أتى التغير التدريجي لأنني تزوجت برجل ليس أرثوذوكسياً وكان له تأثير عميق على تفكيري؛ فكان مخلصاً في انتمائه لحزب العمال، ونشأ في ‘حيفا الحمراء’ وآمن بشدة أن الصهيونية العمالية الاشتراكية هي الطريقة المُثلى. أرغب بذكر شيئاً هنا, أنّه خلال الكثير من السنوات في حياتي لم أكن امرأة مستقلة تناصر النساء, ولكنني بالتأكيد أشعر بذلك اليوم على عكس الحال عندما تزوجت فقد كنت أتأثر بآراء زوجي وليس العكس وهذا ما جعلني ما أنا عليه الآن.

بدأت أعتقد أن حزب العمل هو الأحق بصوتي وهكذا كانت بداياتي خلال السنوات الأولى, إذ كانت حركة المستوطنات  قد بدأت بعد حرب الأيام الستة مباشرة, فأتيت إلى القدس في عام 1966 وبدأت المستوطنات تتسع بعد حرب الأيام الستة وأقلعت في اتساعها خلال السبعينات. في أوائل السبعينات وقبل زواجي ذهبت إلى مستوطنة ‘غوش عتصيون’ مع أصدقاء لي وفكرت فيما إذا كانت فكرة السكن في مستوطنة مناسبة لي ولكنني قررت أن أرجع إلى إسرائيل .... إلى إسرائيل! إلى القدس لأكمل دراسات التخرج وبهذا أنا لم أكمل طريق الاستيطان ولكن كنت قد تزوجت بعد هذه الحادثة بفترة قصيرة.

هل شعرت أن قرار العودة إلى القدس بدلا من العيش بمستوطنة كان أيديولوجياً ؟

كان مريحاً أكثر منه داعماً لأفكاري؛ وقد أخذ ت معي فرشاة أسناني عندما ذهبت إلى المستوطنة كرمز بأنني سأبقى إذا أعجبني الحال هناك, لكنني عدت إلى إسرائيل وأكملت دراستي. الآن أعتقد أنني بحاجة إلى القول بأن الدافع لاعتقادي بوجود خطأ ما بشأن المستوطنات هو حركة المستوطنين خلال السبعينات وانتقادات زوجي على تلك التحركات. ليس بناءً على الخلفية الأيديولوجية القوية ولكن بناءً على إحساس يراودني أنا وما كانوا يفعلونه لم يكن بهدف إبقاء قيمنا حيّة. كما أقول, لم تكن قوية بل كانت بعض من التناقضات, هكذا تسير الأمور. كنت أصوت لحزب العمال وكنت خارج عالم السياسة تماماً.

كان لنا بعض الأصدقاء الذين انتموا إلى اليسار أكثر منا, كانوا يصوتون لـحزب ‘ميريتز’ الذي كان يدعى باسم ‘راتز’ في حنها أو حزب ‘شولاميت ألوني’ الجديد. وعندما  اندلعت حرب لبنان في أوائل الثمانينات قلت لنفسي: " بدأت أشياء خاطئة متعلقة بسياسات الدولة تحدث" وذهبت إلى أول مظاهرة لي وكانت مظاهرة لحركة ‘السلام الآن’, وخلال هذه المظاهرة قابلت بعض الأصدقاء الجدد الذين كانوا يصوتون لـحزب ‘راتز’، وحسبما أتذكر بوضوح أن ‘بيني’  قال لي: "شعور سيئ ينتابني لوجودي في هذه المظاهرة، أولادنا هناك يقدمون أقصى ما لديهم من جهد ونحن هنا نُضعف معنوياتهم لوجودنا هنا" فقلت له: " ينتابني نفس الشعور, لكنني أظن أننا يجب أن نخرج من هناك. فبمقارنة الخيارين, الأفضل أن أكون هنا" ولم يكن الخيار بذلك الوضوح لي. كانت تلك أحداث حرب لبنان في  الثمانينات ؛ حادثة ‘صبرا وشاتيلا’ ،لم تكن حادثة بل مذبحة، كانت تلك نوعاً ما نقطة تحوّل بالنسبة لي عندما أدركت أن هناك خللاً فظيعاً وأنّ هناك فرقاً بين قرارات الحكومة وما يجري على أرض الواقع. كلما كنت أتعمق في تفكيري بالنزاع القائم بين ما كنا نفعله على أرض الواقع وما كنت اعتقده عن مهمة إسرائيل كلما شعرت أنني أندفع إلى أخذ موقف المعارضة, وهذا الشعور جعلني أتجه إلى حزب ‘الراتز’  في الثمانينات وأنتخبه.

هل يمكن أن تتحدثي أكثر عن معارضتك للحكومة الإسرائيلية خلال حرب لبنان؟

إنّني فقط ولأول مرة أنظر إلى هذا التقدم. 


بدأت حديثك بقولك أن شعوراً مبهماً كان لديك حول خطأ ما بسياسة الحكومة، وأود لو تشرحين أكثر عن هذا الشعور.

للعلم فقط, كنا نعيش في إسرائيل كعائلة واحدة كبيرة لسنوات عديدة حتى حرب أكتوبر في أوائل السبعينات لكن حرب أكتوبر زرعت بذرة يجب على السياسيين أن يدرسوها لأن هذه البذرة هي  أننا اكتشفنا أن الحكومة تكذب بخصوص أمر معين. أنا لم أكتشفهم ولكن بعض الناس فجأة اكتشفوا الحكومة تكذب بخصوص ما كان يدور أثناء حرب أكتوبر، كانت تلك صدمة، ولكنّنا ما نزال ولعقد آخر من الزمان نعطي الحكومة حق الشك بدلاً من تقصي البرهان. قامت حرب أكتوبر عام 1973 وحتّى بعد عقد آخر من الزمان كنا نقول: "حسن، كان ذلك حادثاً مؤسفاً، كان انحرافاً عن المألوف والمعيار"  ولكن في عام 1982 بدأنا حرب لبنان وكانت تلك بعد المقارنة، بداية الكذبة الكبيرة؛ خلال تلك السنوات قالت الحكومة: " لن ندخل إلا أربعين كيلومتراً في الحدود اللبنانية ، ولا تقلقوا فسوف نخرج في الحال " ولكن هذا لم يحدث أبداً، وقد تعمقنا أكثر بكثير وبعدها بقليل كنا نقذف بيروت بالمتفجرات وكانت تلك المنبه لنصحو مما نحن فيه، وكذلك كانت صبرا  وشاتيلا منبهاً آخراً وقلنا لأنفسنا: "هذه ليست الحكومة التي ظننا أنها تمثلنا، لحمٌ من لحمنا, هذا ليس نحن، بدت دولتنا كأنها كائن فضائي غريب مقارنة بما اعتقدناها أن تكون " هذا ما جعلني أرى نفسي أكثر فأكثر كمعارضة لهذه السياسة، وأكثر كمشاركة في مظاهرات ‘السلام الآن’.

عُيّنت بعد ذلك كمديرة لـمؤسسة صندوق إسرائيل الجديد وكان ذلك كثقافة لي عن الجزء الغير الديمقراطي  من إسرائيل. تعرفت في البداية عن طريق صندوق إسرائيل الجديد على بعض سكان إسرائيل من العرب الغير متساويي الحقوق بالنسبة لمبدأ الحركة النسائية ؛ هذا ما كان يبدو لي. كنت قد بدأت التعرف إلى كل هذا في الثمانينات, وكذلك الأمر بالنسبة للتعدد الديني, فالغير أرثوذوكسيين ليس لهم مكانة هامة في إسرائيل. ولذلك لم تعد نظرتي التي كانت أشبه بنظرة لامعة و كاملة لإسرائيل سوى صورة بعيدة عن الواقع بل كان ثقافة كبيرة  لي.

في تلك الفترة و بعد 15 سنة من الزواج ، تمّ طلاقي عام 1987. كنت حينها قد صادقت مناصري المرأة ومعارضي الحكومة وناشطين البيئة. بدأت عندها أقول لنفسي: " حسنٌ أنا لست متزوجة الآن، أتساءل كيف هي الحياة دون أي قيود على ما تقوله أو تفعله وتستطيع أن تفعل ما تريد؟" لا أريد أن أطول في السيرة، بدأت أذهب إلى حانات الشواذ جنسيا ً وبدأت أتعرف إلى الشاذات منهن وأعرّف نفسي على هذه التجربة, وقعت في حب امرأةٍ وفي الحقيقة لم تكن لها أي تجربة سابقة مع امرأة واستمرت علاقتنا لمدة 11 عاما ً, كانت العلاقة تتقدم بإخلاص ومن خلال عينيها بتُّ أنظر إلى العالم بمنظور مغاير, فأصبحت أقترب من لحظة أصل فيها إلى معرفة  البصيرة وكما ترى وكأنّ الجميع يعمل علي.

اندلعت الانتفاضة في كانون الأول عام 1987، وفي كانون الثاني عام 1988 كانت أول تجمع لـمجموعة ‘النساء بالأسوَد’. ذهبت زميلتي إلى ذلك التجمع وعندما عادت إلى المنزل قالت: "أتعلمين! هذه طريقة جيدة جداً للمظاهرة ضد الاحتلال"، فترجمت كلماتها في نفسي, هذه طريقة جيدة جدا ًلإيقاف العنف, لم أكن أحلل سياسيا ً ولكنني كنت مهتمة ً بالذين كانوا يقتلون، خاصة ً الإسرائيليين الذين يعيشون في الأراضي الإسرائيلية, لذا قلت: " انظري، سأذهب إلى ذلك الاجتماع وسوف أحمل لافتة كبيرة تقول (أوقفوا العنف)"  وهذا ما قمت به وبالفعل ولعدة أسابيع كنت فردا ً ينتمي لتلك الجماعة وكانوا هم أنفسهم يحملون لافتات تقول (أوقفوا الاحتلال) وكنت أحمل اللافتة التي تقول ( أوقفوا العنف).

بعد عدة أشهر تلقيت دعوةً إلى منزل أحدهم لمقابلة صديقة فلسطينية؛ ‘جودي بلانك’  دعتني إلى منزلها وذهبت. لم أكن قد تكلمت إلى فلسطيني من قبل, كانت المرأة بروفيسور علم نفس في إحدى الجامعات الفلسطينية, لا شيء مما في الجملة السابقة كان منطقيا ً ومقبولا ً لعقلي ؛ بروفسور فلسطينية؟! امرأة فلسطينية بروفيسور؟! فلسطينية درست علم الاجتماع ؟! هناك جامعات في فلسطين؟! دخلت إلى تلك الغرفة وجلست وكانت هي تماما ً مثلي.  كان نطقها للإنجليزية واضحا ً وكان تحليلها للوضع السياسي حذراً، معتدلاً، إنسانياً، ونسائياً كما كان في شرحها عن عائلتها ومعاناتهم لضغط الاحتلال.  لم أكن قد قابلت فلسطينيا في السابق ولا سمعت قولا ً كقولها من قبل.

قالت البروفيسور: "أن منظمة التحرير الفلسطينية  اعترفت بوجود الدولة الإسرائيلية" وقلت: "لا هذا مستحيل، كنت لأعلم لو كان ذلك صحيحا ً، كانت الصحف لتعلن ذلك" فقالت:  "ألا تعلمين أن’ سلطة الإذاعة الإسرائيلية IBA‘ منعت استعمال مصطلح "منظمة التحرير الفلسطينية" وأي تقارير عما يفعلون داخل إسرائيل ؟" تملكتني الدهشة وقررت أن أتحقق من الموضوع. بعد ذلك غادرت وقالت أن عليها أن تذهب بسبب الأطفال وشيئا آخراً لم أفهمه. فكرت لنفسي, يا إلهي إنها تذهب إلى عائلتها مسرعة ً كما أفعل تماماً، يجب أن أخرج من هنا أنا أيضا ً وغادرت ذلك المكان وكأن رأسي انشق إلى  نصفين وعندما وصلت إلى بيتي كلمت أشخاصاً وسألتهم:" هل كان صحيحاً أن قوانين سلطة الإذاعة الإسرائيلية هذه موجودة؟ " أجابوا: " بالطبع، كما أن شخصا ً يدعى ‘موشي نيجبي’ استقال بسبب هذه القوانين وكان هناك رقابة وكان هناك مكتباً للرقابة بأكمله يُدعى مكتب الرقابة" وعرضوا علي صحفاً تثبت أنّ منظمة التحرير الفلسطينية اجتمعت في تونس واعترفت بوجود دولة إسرائيل وقالوا أنهم لا يعترضون على وجود دولتين كحل للنزاع.

وعندها قلت: " يجب أن أرى ذلك بنفسي على أرض الواقع" بدأت أزور الأراضي بنفسي  وألتقي بالناس وأتحدث إليهم وأدخل بيوتهم وأرى إذا لديهم مراحيض تماماً مثل ما لدينا، ويقرأون وصفات الطعام من الكتب ويتشاركون الروايات مع بعضهم؛ كانت تلك تجربة لا تُصدق بالنسبة لي، وبدأت أفكر بالسياسة بجدية أكثر وأُدخل نفسي أكثر فأكثر بنطاق السياسة. أدركت بوجود ستارة كبيرة وكتمان يُخبآن الاحتلال, شيئاً فشيئاً بدأت أكرس نفسي للبحث في هذا الموضوع.

كيف تحللين الفرق بين حمل لافتة تقول(أوقفوا العنف) وأخرى تقول ( أوقفوا الاحتلال)؟ ماذا يعني هذا بالنسبة لموقفك آنذاك؟

(أوقفوا العنف) تعني " هلا أوقف الجميع إلحاق الأذى ببعضهم البعض!"  ولا تعني هذه اللافتة فهم السبب الجذري لوجود العنف؛ كذلك فهي لا تدعي أن جهة أي من الجانبين تفعل أمراً خاطئا فكلاهما تقومان بما هو خطأ, لكنّها تطالب بإيقاف الخلل لتوضيحه. بالنسبة لي إيقاف العنف يعني أننا ككل يجب أن نكف عن إيذاء بعضنا ولا تعني تغيير مسبب العنف.

ما هو المكان الأول الذي توجهتِ إليه بعدما قررت زيارة الأراضي الفلسطينية، وهل كان مميزاً؟

نعم. في ذلك الوقت كنت أعمل مع صندوق إسرائيل الجديد وكل شيء قمنا به كان داخل إسرائيل. أعتقد أن ‘نساء بالأسود’ كانت أول مجموعة بدأت بالدخول إلى الأراضي الفلسطينية والنظر إلى ما كان يحدث هناك بالفعل, فذهبت معهم . خلال عملي مع صندوق إسرائيل الجديد بدأنا نمول منظمة حقوق الانسان الاسرائيلية ‘بتسيليم’ وبعدها تلقيت دعوة من ‘بـتسيليم’ للقيام ببعض الزيارات الخارجية.

أعتقد أن الفرد الفلسطيني الذي كان له التأثير الأكبر أهمية في حياتي كانت امرأة أصبحنا فيما بعد أنا وهي صديقتان، كان اسمها إنعام. كانت تزور القدس وحدث أنها تعثرت بامراة تنتمي إلى ‘نساء بالأسود’ في إحدى مظاهراتهن, تعمل إنعام كمعلمة للغة الإنجليزية في غزة وهي امرأة مثقفة ولكنها لم ترى أو تسمع أبداً بوجود حركة سلام إسرائيلية, بعد التجمع أتت إلي وقالت: " أنا مندهشة لوجود إسرائيليين يدعون إلى إيقاف الاحتلال الإسرائيلي ، أنا متأثرة جداً  بما رأيت" وقلت: " نعم، فأنا أتعرف على فلسطينيين يريدون التعايش والسلام بيننا" تبادلنا أرقام الهاتف ولم أعتقد في حينها أنني سأسمع منها بعد ذلك.

 لكن بعد أسابيع قليلة تلقيت مكالمة هاتفية منها تقول لي أن الجيش الإسرائيلي قد اعتقل ابنها وسألتني إن كنت أستطيع أن أخرجه من السجن، فسألتها: "لماذا اعتقلوه؟" قالت أنه كان يكتب شعارات سياسية على الجدران فقلت: " يا إلهي،  وماذا كتب؟" فقالت: " دولتين لشعبين" عندما أفكر بأنّ طوال هذه السنوات كان من المستفز جداً وضد إسرائيل أن يقول فلسطيني "دولتين لشعبين" كان بعض الناس في إسرائيل يقولون ذلك، ليس بالإجماع، ولكن يستطيع أي كان أن يقولها بصوت عال ٍ ولا يعتقله أحداً. هناك في غزة اعتقل هو و اثنا عشر آخرين من أصدقائه الذين شاركوه الكتابة على جدران مدينة غزة, فقلت في نفسي هذا ليس سبباً حقيقياً إذ أنّ في الأماكن التي زرتها كان الناس يقولون: "دولتين لشعبين" كل الوقت.

بداية معرفتي الشخصية عن قرب بعائلة من اللاجئين في غزة؛ كلاهما هي وزوجها, نشأ في مخيم للاجئين وانتشلا نفسيهما بأربطة أحذية, عمل كلاهما بالتعليم وبنى الاثنان منزلاً صغيرا  في مدينة غزة, كانا يربيان خمسة أطفال كل منهم يحمل شهادة جامعية الآن, وكانوا في ذلك الوقت لا يزالون في بداية دخولهم الجامعات, هذه كانت بداية الطريق لتعرفي إلى فلسطينيين حقيقيين؛ أستعمل كلمة قريبة من القلب وأنا لا أستخدمها مع كثير من الناس، وأقول أنني لا أزال قريبة من إنعام.

نتصل ببعضنا هاتفياً كل أسبوعين تقريبا  وإذا كان هناك أي حدث مميز نقول لبعضنا خلال كل مكالمة هاتفية إنهم رؤساؤنا، كلهم مجانين، مجانين، مجانين. شارون مجنون، عرفات مجنون، والرنتيسي مجنون, نعدد جميع الرؤساء في كلا الطرفين ونشعر أفضل بكثير بعد أن نكون قد قلنا ذلك لأن كلانا يعلم أن رؤساءنا يوقعوننا في المشاكل, ولو رجع الأمر لنا لما تعرضنا لهذا الجنون وهكذا علمت نفسي ؛ في معظم الوقت لم أتعمد التعلم ولكن أذهب لزيارة الناس هناك.

كيف اخترت نوعية النشاطات التي شاركت بها؟

عندما تركت العمل مع  صندوق إسرائيل الجديد تعرضت إلى سلسلة من الجوانب الغير ديمقراطية في إسرائيل, مع ذلك كنت أريد أن أشارك في شيء ما على أرض الواقع؛ حيث كنت أدرك تماماً أن أحد هذه الأشياء ممكن أن تكون شؤون نسائية أو شؤون حقوق الإنسان، أو التعليم. كان من المهم جداً أن أعمل في المدارس لتعليم الأطفال الإسرائيليين لذا انضممت إلى طاقم معهد ‘آدم للسلام والديمقراطية’  وهي مؤسسة رائعة, عملت هناك لمدة ثلاث سنوات, كما شاركت في التكوين الأولي لـ ‘كول هايشا’(صوت المرأة)  وهو مركز نسوي في القدس,  ولكن الجهة التي نشطت فيها أكثر من غيرها هي ‘بـتسيليم’. جلست وفكرت, عدد من الناس وجهوا إلي الدعوة للمشاركة في هيئاتهم التأسيسية, أظن أن ذلك بسبب تعاوني مع صندوق إسرائيل الجديد,  وبهذا انتهى تفكيري إلى ما أريد عمله وهذه كانت المؤسسات الثلاثة التي قررت أن أشارك بها. بعد أسابيع قليلة قضيتها في ‘بتسيليم’ كأحد أفراد الهيئة التأسيسية طُلب إلي أن أصبح الرئيس وليس من الصواب أن تقوم مؤسسة بذلك ولكن ‘بـتسيليم’ كانوا في مرحلة إعادة تكوين الهيئة التأسيسية ولم يكن من بينهم من هو متمرس وبهذا أخذت منصب الرئاسة؛ كل ذلك تواكب مع السنوات الأولى من الانتفاضة وكان مثيراً وفتح عيني على أشياء كثيرة.

لماذا اخترت تلك المنظمات لتشاركي بها ؟ ما هو الذي كنت تحاولين القيام به في تلك المرحلة؟

إن صح التعبير لم تكن تلك معاييري, لكن كنت أريد أن أعمل من أجل النساء لأن ذلك كان مهما  بالنسبة لي كامرأة، وأردت العمل في مجال التعليم لأنني لا أؤمن بوجود حلول قصيرة الأجل لأنّ المكان الحقيقي لإحراز تغيير اجتماعي عميق هو بتعليم الأطفال القيم الحسنة. وممكن أنني انتميت إلى ‘بـتسيليم’ بسبب أن ما يقومون به مثير ودراماتيكي, لا أعلم السبب ولكنها المؤسسة التي كرست معظم نشاطي لها. لا أزال أحد أفراد الهيئة التأسيسية، تركت الهيئة لسنة إلزامية  وعدت لها بعد ذلك مباشرة لأنني أعتقد أنهم يقومون بأعمال مهمة.

أخبريني عن تحالف النساء للسلام

تركت العمل لدى كل من ‘هائيشا’ و معهد آدم لأن المرء ببساطة لا يستطيع القيام بكل شيء ولأنّني أيضاً غمرت نفسي بالعمل حول الاحتلال. كنت أتردد على ‘نساء بالأسود’  بشكل دوري منذ الأسابيع الأولى القليلة. بعد ذلك أعلنت مؤسسة ‘بات شالوم’ عن أنها تبحث عن مدير جديد بعد رحيل المدير السابق، فتقدمت للوظيفة وقُبلت, وهذا عمق انغماسي في أعمال السلام إلى حد أبعد وخصوصاً المشاركة النسوية في أعمال السلام. فأنا أؤمن بأن العمل النسوي من اجل السلام أكثر تأثيرا بشكل واضح من تأثير عمل الجنسين المشترك في تحقيق السلام لأنّ النساء هن في طليعة حركة السلام. فإذا أردت يمكننا العودة إلى هذا الموضوع. مع بداية الانتفاضة الثانية تكلمنا أنا وصديقة لي ناشطة في الحركة النسائية وقلنا: " يجب أن نوحد جميع المنظمات النسائية العاملة في مجال السلام في اتحاد واحد ليصبح أقوى وأكبر تأثيراً", فنادينا لاجتماع تحضره جميع المنظمات وكان ذلك في شهر تشرين الثاني من سنة ,2000 بعد ستة أسابيع من انطلاقة الانتفاضة الثانية, وخلال ذلك الاجتماع قررت جميع المنظمات توحيد العمل تحت ما يُسمى ‘تحالف النساء للسلام’.


هل كانت أولئك النسوة إسرائيليات وفلسطينيات؟

لا, نساء إسرائيليات يهوديات وفلسطينيات من سكان إسرائيل, ومن تلك اللحظة وجدنا أنفسنا كاتحاد؛ إتحاد لا يعمل فقط على تنظيم أعمال المنظمات التسعة المكونة للاتحاد ومد العون لها  ولكن له إنجازاته الخاصة به.

هل يمكن أن تصفي النشاطات التي تنظميها وما الهدف من كل منها, للناس الذين لا يعرفون طبيعة عملك؟

تعني ما ينظمه التحالف؟ التحالف النسوي للسلام يجمع تسعة منظمات سلام نسائية تعمل كل منها في زاوية محددة من النشاطات السياسية؛ ‘نساء بالأسود’  وهي جماعة دينية, هناك ‘بات شالوم’  التي تقوم بأعمال سياسية وأعمال تقوم على الحوار, ‘مراقبة الحواجز’  والتي تقوم بأعمال على نقاط التفتيش ، الخ... إنّنا نقوم بعمل مهم وهو محاولة دعم وتقوية عمل بعضنا البعض عن طريق الحضور لأعمال بعضنا وحتى المشاركة في بعض الأبحاث المالية وغيرها. على سبيل المثال؛ إن التحالف يعمل على توظيف شخص للإعلام الذي سيتولى وظيفة الإعلام للمنظمات التسعة, بالإضافة إلى الطرق التي ندعم بها أعمال بعضنا البعض، وللاتحاد الحق في لم شمل كبير والذي فيه نجمع النساء من جميع المنظمات والنساء غير الناشطات في هذا المجال.

 ومن نشاطاتنا مثلاً, أنّنا خرجنا في مسيرة في شوارع القدس تكونت من نساء فلسطينيات من جهة و إسرائيليات من الجهة الأخرى يحملن لافتة كبيرة تقول: ( نرفض أن نكون أعداء), وقبل سنة قمنا باعتصام في تل أبيب وكنّا حوالي الألف وفيه قمنا بالانبطاح لابسين اللون الأسود على شوارع تل أبيب تحت راية تقول (الاحتلال يقتلنا جميعنا) وأغلقنا الطريق إلى وزارة الدفاع في تل أبيب حيث جلسنا أمام البوابات ولم نسمح للسيارات للمرور إلى الداخل أو الخارج. هذه هي الأعمال التي نقوم بها في عالم المظاهرات. كما نقوم بأعمال تواصل مع العالم الخارجي, إذ لدينا برنامج للمتحدثات الروسيات والذي يساعدنا على القيام به أن منسقتنا نفسها من أوكرانيا, ولدينا برنامج جديد للنساء في منطقة النقب في القرى النامية, كما لنا برنامجاًً للاتجاه السائد في إسرائيل لأخذهم لما نسميه "زيارات واقعية" للجدار ولمخيمات اللاجئين ولحواجز التفتيش وللنقاط الساخنة التي لن يروها أبداً عبر الإعلام الإسرائيلي.

ما رأيك بالمشاركين في الزيارات إلى الجدار؟

إعلانات. نخطط أن نضع إعلانات في مجلات السفر تقول (اذهبوا في رحلات مبتكرة، تعالوا لتشاهدوا الجدران في إسرائيل) وسنأخذهم ليس فقط لزيارة الجدار الذي نسميه جدار الحماية  ولكن أيضاً لزيارة الجدار داخل الرملة الذي يفصل اليهود عن العرب, لمن لديه حب استطلاع  من الناس فليشاركنا وسوف يكون ذلك رخيص التكلفة.

هل يُقبل الناس على رحلاتك إلى الجدار بشكل كبير؟

لقد انتهينا للتو من تدريب أول مجموعة من المرشدين السياحيين وهم عشرون مرشداً  وقمنا بستة أو سبعة رحلات كانت قد تمت بنجاح وهذا بدون أي دعاية ولا إعلانات. بالحقيقة أن هذه الرحلات الستة أو السبعة الأولى كانت لتحديد طبيعة الرحلات وللتأكد من أنها جيدة, وسوف نبدأ بالدعاية منذ الآن.

كيف تبقين على اتصال مع الأشخاص من عامة الناس خارج دائرة زملائك الذين يشاركونك آرائك لتعرفي احتياجاتهم ومخاوفهم ؟

معظمنا لا يفعل ذلك لأنه مؤلم جداً, أحاول ألا أفعل ذلك في إسرائيل لأنني أظن أن طاقاتي موظفة لتوضح المشاكل للناطقين بالإنجليزية ولهذا فقد غمست نفسي بالنسبة للناطقين بالإنجليزية وبالأخص اليهود منهم المنحازين لليسار. لدينا اهتمام عميق بشيء واحد حول إسرائيل والصهيونية وهو جعل إسرائيل الدولة التي نحلم بها في خيالنا, فمصلحتي تكمن في هذه النقاط وهذا ما أكرس نفسي من أجله.

أرى أنّ هذا مؤلم جداً وصعب وأحاول أن أجد طريقة لأسمعهم وأزيل مخاوفهم, إنّني لا أفعل هذا في إسرائيل فهذا كثير جداً سأموت لو فعلته في إسرائيل.

هل مررت بتجارب قاسية ومؤلمة في اسرائيل كردود فعل الناس مثلاً على ما تقومين به؟

اليوم فقط قمت بإرسال بريد إلكتروني بعد الحادث الذي جُرحت فيه ‘مولي’  يوم الأحد؛ حيث خرجنا يوم الأحد جميعنا في مظاهرة للنساء فقط, نساء إسرائيليات وفلسطينيات ونساء من بلاد أخرى كنّا حوالي سبعون امرأة, وذهبنا إلى قرية فلسطينية في مظاهرة سلمية ضد الجدار وهناك فجّر حرس الحدود قنابل يدوية وأخرى مسيلة للدموع وانطلقوا بالخيول لتفرقتنا, وقد جرح أحد الجنود زميلتي ‘مولي’ بعصاه عندما كانت تشارك بكل مشاعرها وجوارحها ولدينا صور لذلك. فالجندي الخيال ركض خلفها وألقى بعصاه على رأسها وأكتافها فكسر كتفها.  أرسلت بريد إلكتروني بهذا الخصوص والمشكلة أن هذه الحادثة ليست منعزلة, ففي الأسابيع الأخيرة فُتحت أبواب جُهنم على المظاهرات السلمية وبشكل مستمر لأن الجنود يعطون أنفسهم الحق بأن يقوموا بذلك, إذ قرأت اليوم رداً غاضباً جدا ً بالعبرية كتبه إسرائيلي كان قد قرأ تقريري واتهمني بأنني أبحث عن طرق لإيذاء إسرائيل من داخلها وإثارة غضب العالم ضد إسرائيل؛ إنّني أرى ذلك وأسمعه ولسنا معفيين من ذلك وإنّه مؤلم جداً , فكتبت رداً  ليس فقط للرد عليه بل أيضاً بناءاًً على أشياء أخرى إذ أن هذا التقرير طُبع و نُشر بأكمله بالعبرية ولم تنشره أي من وسائل الإعلام في إسرائيل ولا حتّى أي صحيفة أو تلفاز أو إذاعة, لذلك كنت مُعترضة ولا أشعر بمتعة فيه.

ما هي أكبر التحديات التي تواجهك أثناء عملك؟

التحدي الأكبر الذي يواجهنا هو رئيس وزرائنا والحكومة بشكل عام، أعتقد أننا بمرحلة كبيرة تُهبط عزيمتنا فيها؛ فالحكومة عبارة عن إتحاد بين اليمين واليمين المتطرف, إذ تعطي الحكومة نفسها الحق لتعلن أشياء يجب ألا يسمح بها من قبل أي نظام ذا أيديولوجية غربية قائماً على قيم محترمة. إن محاولة شرح ما هو خطأ في العبارات العنصرية أو القوانين الغير الديمقراطية أو قمع الناسيشكل عائقاً كبيراً في طريقنا وهذا صعب جداً.

نحن نعيش جواً فيه خوف كبير من الفلسطينيين واعتقاد  سائد بأنهم لا يشاركوننا آراءنا العالمية. الرئيس كاتساف, رئيسنا الحالي صرح بعد انطلاقة هذه الانتفاضة بقليل:" نحن نتعامل مع أناس ليسوا فقط لا يشاركوننا نفس الإطار الفكري وإنّما أيضاً هم أناس خارج عالم وجودنا بأكمله، فهم لا يتصرفون كأنهم لا ينتمون إلى كوكب الأرض أصلا ً" كانت تلك كلماته, وهذه الرسالة التي يتلقاها الإسرائيليون؛ الفلسطينيون عبارة عن فضائيين لا يشاركوننا قيمنا فهم عدائيون، بدائيون ووحوش الخ... لذا فإنه من الصعب أن تقول: " انظروا، هم أناس مثلنا " عندما يقول رئيسك ورئيس وزرائك وحكومتك بأكملها أشياء مثل تلك التي سمعناها قبل قليل, لن يسمعك أحداً.

كيف تُقنع الإسرائيليين أن الفلسطينيين أناس مثلهم؟ هل لديكم طريقة لمقاومة الأفكار النمطية عند الإسرائيليين عن الفلسطينيين ؟

إحدى الطرق التي نتبعها هي أن نقابلهم بالفلسطينيين ونعرض مشكلات الجدار والأسباب في أن حواجز التفتيش فظيعة، وفهم أننا نتعامل مع بشر واقعين تحت ضغط هائل في الجانب الآخر.

نحن لا نبرر ولا بأي صورة, العمليات الانتحارية ولا الإرهاب ولا العنف من أي نوع كان لا منّا أو منّهم؛ نحن نتفهم ذلك وأتكلم عن نفسي إذ عندما أقول أنني أتفهم أن إسرائيل لها الحق في الدفاع عن نفسها. أعلم أن إسرائيل لها أعداء, وأتفهم أنّها تبني جداراً  لحماية أرضها ولكن لا أعتقد أنها الطريقة المُثلى التي يجب أنن تتبعها في الدفاع عن نفسها, وحتّى الحاجة إلى بناء الجدار لا يعني أن نقوم ببنائه على ممتلكات الجهة الأخرى في النزاع, فهذا يُصعد الموقف أكثر فأكثر.

لماذا تعتقدين أن عمل النساء للسلام أكثر فعالية؟

ما لاحظته ولأي سبب كان, هو أنّ العمل الذي يقمنّ به النساء المنخرطات في العمل من أجل السلام, يسبق بخطوة ما كان يُقام به من قِبَل حركات مختلظة الجنس. وعندما أقول أنهن يسبقن بخطوة أعني أن الأيديولوجية التي يعملن بها قد تسبق إسرائيل بخطوة. كانت النساء تتكلم عن وجود دولتين كحلّ قبل الأخذ به في عملية السلام الآن, وتكلمت النساء عن اتخاذ القدس كعاصمة مشتركة قبل أن يتكلم أي أحد في هذا الموضوع تقريباً, وإنّ هذا هو اليوم مخطط حزب العمل الأساسي؛ فإذاً إن النساء على مستوى فكري متقدم، وعلى مستوى النشاط فإن النساء أكثر استعداداً  لتكوين خططاً تكون أكثر وضوحاً  وصلابة. على سبيل المثال، كانت الحركة النسائية هي التي امتدت نساؤها منبطحة على طول الطريق السريع الواصل إلى وزارة الدفاع، وكانت الحركة النسائية هي التي قامت بأول المسيرات عبر حاجز التفتيش غير آبهات للجنود الذين كانوا يسدونه وكانت الحركة النسوية هي أول من اخترقت حواجز التفتيش, لكن بعد ذلك انضمّ  إلينا الكثير في مثل هذه النشاطات.

اعتقدت ولفترة, أنّ أول من سيطل برأسه هو من النساء لأنهن يشعرن بأنهن محميات (كنساء) من إيذاء الجنود لهن، ولكن ما أرى الآن هو أنهن مستهدفات بقدر الرجال  وحتى في الحقيقة أن الكثير من الرجال يصبّون حقدهم وكرههم على هؤلاء النسوة. ولكن تكمل النساء مسيرتها على حافة الهاوية. ‘لائتلاف النسائي للسلام’  وجميع المنظمات المكونة له داعيات أنفسنا بمناصري المرأة وندعو أنفسنا ‘حركة السلام النسائية’ ؛ فنحن نرى أن هناك علاقة وثيقة بين الاثنتين. الحركة النسائية ليست مجرد مساواة للنساء ولكنها إعادة ترتيب للقوى في العالم لتصبح موزعة بأكثر عدالة، فبالنسبة لنا, هذا ما تعنيه لنا هذه الحركة كما تعني العدالة للجميع. دروس العدالة للنساء الآن توسعت لتصبح دروس عدالة للجميع. من وجهة نظرنا النسوية نتوق إلى سلام شامل في الشرق الأوسط الذي هو ليس سلاماً  للتفرقة وجداراً يصطف حوله نساء ورجال --- آسفة إسرائيليين وفلسطينيين في كل جهة. ليست هذه صورتنا عن السلام, بل انها تلك التي نرى فيها الحل بوجود دولتين لكن فيها ما هو مشترك في المستقبل, المصادر المشتركة والتعاون المشترك جميع الأصعدة.

يشغل تفكيري هذا الأمر لأن أحدهم قال لي: " عندما بدأت الانتفاضة وتوقف الجميع عن العمل, الوحيدان اللذان لم يتوقفا عن العمل كنّ أعضاء الحركة النسائية للسلام" وقال:" أظن أن سبب ذلك أنّكن مناصرات للمرأة" وقلت: " لا أعلم يجب أن أفكر في ذلك" حدث ذلك قبل يومين فقط لذا فإنك تعلم أنني ما زلت أفكر به, لكني أظن أن هناك ما يجب أن يقال بهذا الصدد, عندما توقف الجميع معتقدين أن أيهود باراك ليس لديه شريكاً في السلام، تابعت الحركة النسائية للسلام المسير والسبب أظن لأنها تمتعت بقيادة أقوى وبأيديولوجية أكثر شمولية ، وهذه هي  الحركة النسوية. يجب أن أفكر في هذا أكثر ولكن يبدو مقنعاً من النظرة الأولى.


 

كيف تحافظين على عزيمتك ؟

أعتقد بأن الاستمرار بات صعباً فأصعب, ولكني أستمر لأنه عندما أرى الأمور الفظيعة التي تحدث يصعب علي التوقف فعلياً. لذا فأنا أحاول أن آخذ فترات قصيرة من الراحة. لا أستطيع أن أجد الإجابة المثالية لسؤالك, لكن إجابتي نعم إنّه صعب جداً, وأنا أحاول أن أجد لنفسي طريقة تشجعني على المتابعة لأنه صعب جداً.

What makes your work especially hard right now?

يعتبرنا معظم المجتمع الإسرائيلي منبوذين, وفي نفس الوقت جرى استفتاء للرأي العام يُظهر أن الرأي العام الإسرائيلي يقترب أكثر فأكثر من آرائنا؛ فالرأي العام الإسرائيلي يكره الفلسطينيين  ولهذا يرغب بانفصال الشعبين, ويكرهوننا لأنهم يروننا كأننا أكثر وطنية منهم أو أكثر ولاءً للعدو من إسرائيل. أنا بالتأكيد لا أقبل لعملي بأن يُعرّف بهذا التعريف, أشعر بكل جوارحي أن عملي مؤيد للطرفين الإسرائيلي والفلسطيني. أظن أن ما يجعل الوضع صعباً هو وجود حكومة, كما يبدو لنا, تتجه أكثر وأكثر لليمين والتوقع بأن الحكومة القادمة ستكون بنفس القدر من السوء؛ فلا يوجد أي معارضة واحدة من حزب العمل الذي من الواضح أنه ينجذب إلى آراء حزب الليكود؛ وهذا الجدار الذي يؤذي الكثير والكثير من الفلسطينيين ويحوّل أعدداً  كبيرة ضدّنا, إذ نعمل مع هؤلاء لنعزز الأمل لديهم بوجود إسرائيليين معهم وليسوا ضدّهم. 


عندما تقولين "نحن" من تقصدين؟

عندما أقول: "نحن" أفكر في الغالب بالنساء الناشطات معي.

كيف تفسرين قولك بأن استفتاء الرأي العام يظهر موافقة الناس لآرائك أكثر فأكثر ولكنك تشعرين أنك محتقرة أكثر فأكثر؟

إنّني أعتقد وقبل أي شيء أنّه أمر محتوم, أنّ إسرائيل أيقنت أنها لا تستطيع أن تستمر في فرض الاحتلال على أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون فلسطيني للأبد. لقد توصل الإسرائيليون أخيراً لإدراك هذا الجدل الديموغرافي، حتّى أنّ الحكومة تقول: " إذا كانوا جزءاً  من إسرائيل، فعلى الدولة إما أن تهبهم حق التصويت أو أن تكون دولة فصل عنصري" أظن أن ذلك بدأ يؤثر في الكثير من المفكرين الإسرائيليين, وأظن أن من أهم الحوادث التي كان لها التأثير على اليسار هو عندما أعلن شارون أننا لا نستطيع أن نستمر في الإحتلال. غيّر ذلك بالتأكيد تفكير الكثير من الإسرائيليين, والإرهاب الفلسطيني غيّر اعتقاد الإسرائيليين حيال الحاجة إلى البقاء هناك في الداخل بينما الحل العملي يدعونا للخروج،وببطء يتماشى هذا الحل جنباً إلى جنب مع الكراهية. ما لدينا الآن هو إسرائيليين يقولون:" نحن نكره الفلسطينيين، ونريد أن إلحاق الأذى بهم بكل ما لدينا من قوة" ومن ناحية أخرى هناك أيضاً ما يُقال: " بعد معاقبتهم يجب أن نخرج من الأرض لأنه من غير المعقول أنّ نبقى هناك بعد ذلك " والشقان يسيران بشكل متواز ٍ، وفي هذه النقطة أختار أن نخرج ولأي سبب من الأسباب كان.

ماذا تعتبرين نجاحاً صغيراً؟

آه، العديد من النجاحات وليس فقط نجاح صغير. أظن أنه خلال السنوات التي مرت, ظهرت معالم التغيرعلى كل الأمور تقريباً وليس جميعها بشكل سلبي. فعلى سبيل المثال حل قضية القدس كعاصمة مشتركة بأن يأخذ الفلسطينيون القدس الشرقية كعاصمة لهم. كان هذا نتاجاً مباشراً  لوضع هذه القضية على طاولة المناقشات والقول: "هذه فكرة دعونا نفكر بها." أنا لا أقول أن وضعها على طاولة المفاوضات هو السبب ولكن الجهود التراكمية المشتركة من جميع الذين وضعوها على الطاولة ساعدت كثيراً ,وقد كان لنا الكثير من النجاحات في كثير من المجالات., فقط في الأسبوع الماضي وافقت إسرائيل على إدخال الشحنات من UNRWA (وكالة الإغاثة والتشغيل التابعة للأمم المتحدة) الى قطاع غزة. من يعلم إذا كان ذلك نتيجة ضغط من قبلنا أم لا إذ لا يمكن لنا أبداً أن نُقدر مدى تأثير ضغطنا. استطاعت ‘بـتسيليم’ وغيرها من منظمات حقوق الإنسان أن تنهي التعذيب كوسيلة شرعية ومعترف بها للتحقيق.  مع أنها لا تزال تستعمل لكنها لم تعد كنظام يُتبع للتعذيب لكل من يدخل السجن.

متى طُبق نظام منع التعذيب؟

حدث ذلك في أيلول من عام 1999 أو شيئاً من هذا القبيل, إن لم أكن مخطئة. المبدأ وراء جعل الوجود الإسرائيلي في غزة شرعياً كان بعد أعوام من قول: " هل تريد أن يفقد ابنك حياته بسبب  متشدد مجنون يظن أن مستوطنة ‘نيتزاريم’  يجب أن يسكنها اليهود فقط" و لكن لا تخرج الصورة الآن على القنوات الرسمية. يا إلهي كانت جهود متراكمة من الجميع لعمل هذا, وعندما يقوم الجميع بعمل ما بجدية ونشاط يُحدثون تغييراًً.

ما الذي تحاولين إحرازه عندما تخرجون في مظاهرات وما مدى التأثير الذي تطمحين إليه؟

باتت المظاهرات أقل فعالية وتقل فعالية أكثر فأكثر، كما أصبح من الصعب جلب الناس للمشاركة فيها. الجميع مثبط العزيمة ولا يريدون الخروج في مظاهرات حتّى أنّ مظاهرتنا في شهر حزيران لن تكون كبيرة وهذا ما سيحصل ولأول مرة. ولكن بدلا ً من ذلك سنقوم بوضع شاشات على زوايا الشوارع في المدن الكبيرة لنعرض أشرطة وصوراً للاحتلال والمقاومة. سيكون من المخيف أن نفعل ذلك في القدس وغيرها من المدن، ولكننا لا نعتقد أن مظاهرة ً ستنجح في نقل رسالة نافعة، فنأمل أن يتحقق ذلك بأشرطة الفيديو. إقامة المظاهرات في السنوات السابقة كانت ترفع من معنوياتنا خاصة عندما كانت تخرج آلاف النساء في مسيرات تحمل شعارات تنادي بالتعايش والالتزام كل للآخر كمواطنين في كوكب الأرض. كان الاشتراك في مثل تلك المسيرات يشحنني بالقوة في داخل نفسي، فقط وكما أفكر أن تلك المظاهرة يوم الأحد كيف أنها كانت رائعة بالنسبة للنساء في الولايات المتحدة.

إنّه شعور رائع ولكنّنا الآن في وضع مثبط للعزيمة على صعيد الجهتين ممّا يمنعنا من الخروج في مظاهرة؛ إذ ليس من المعقول أن نخرج خمسين شخصاً لنقل رسالة رهيبة, فمن الأفضل القيام بأعمال أخرى.

ما هو الحل في نظرك على المدى البعيد؟

إنّه سهل جداً ، إجابتي تشبه كثيراً اتفاقية جنيف: الحل بوجود دولتين والحدود يجب أن تكون حسب حدود 1967 أكثر أو أقل؛  حيث يتبادل الطرفان مساحة متكافئة من الأراضي القابلة للتفاوض, ويجب أن يقبل الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني التفاوض بشأن اللاجئين والتعايش معه, والقدس يجب أن تكون عاصمة مشتركة للطرفين مُقسمة ومفتوحة. إنها رؤية تقول: أن فلسطين وإسرائيل هنا وتتعانقان كما لم ترغبا بذلك من قبل أبداً, ولكنهما لن تستطيعا أن تتفرقا أبداً, وبناء عليه يجب إيجاد الطريقة للقيام بذلك من أجل صالح الطرفين.

ماذا يتطلب البدء في السعي إلى التوصل للحل ؟

أنّني أؤيد الإخلاء الأحادي الجانب لغزة ؛ الكثير من حزب اليسار الذين تحدثت إليهم لا يؤيدونه, و لا يدعمونه لأسباب يسارية وليس لأسباب يمينية, لأنهم يؤمنون أن ذلك سيحصر احتلال الضفة الغربية لأسباب عدة. إنّني لا أوافقهم الرأي, قبل كل شيء, أرغب في الانفصال عن غزة من أجل إنعاش الفلسطينيين فيها. للإجابة على سؤالك ؛ إنّ مغادرة غزة هي أول وأهم خطوة نخطوها وتعتبر سابقة والتي ستقول أننا  نستطيع الخروج من المستوطنات ويجب أن نخرج من المستوطنات. عندما نخرج من غزة ونضع الحدود بيننا وبينهم، سنحمي إسرائيل من الإرهابيين القادمين من جهة غزة, وستكون سابقة جيدة جداً كما كان خروجنا من لبنان سابقة وتواجدت حدوداً منيعة للمشاكل القادمة من الشمال. والخطوة التي تلي ذلك, أستطيع أن أُصرح بذلك لكن بدون تحديد للوقت لكن بترتيب للخطوات, تكون إزاحة شارون من مكتبه لأن شارون بحد ذاته عقبة كبيرة للسلام. أما الخطوة التي تليها هي إعادة بيبي نتنياهو لرئاسة الوزارة وبعدها يبدأ هو بإخلاء بعض المستوطنات ليس بسبب نواياه الحسنة ولكن لأانه مطلب عام يكبر داخل إسرائيل: إذا نجحت هناك (في غزة) فلنقم بها هنا (في الضفة الغربية). هذا هو توالي الأحداث تقريبا وأنا في الحقيقة متفائلة بعقلي أكثر من كوني متفائلة في قلبي, وأظن أن الأمور ستتحسن، بل أرى أن كل شيء سيتحسن و كأنه أمر محتوم ولكن في هذه اللحظات قلبي مفطور مما يحدث.

هل تسببت آراؤك السياسية بإحداث صدع في نواحٍ أخرى من حياتك وعائلتك؟

نعم، أقول ذلك بحزن شديد؛ إذ كرهت أمي سياستي. ذكرت سابقاً أن أمي تنحدر من خلفية يمينية تنقيحية تابعة لجابوتنسكي. فكانت تعادي آرائي بشدة وكانت امرأة قوية جداً  ولم تكن امرأة ً مرنة  أو قابلة للتنازل, لذا فقد فشلت أن ترى أو أن تقبل تفسيري لما أقوم به على أنّه لصالح دولة إسرائيل وكان ذلك مصدراً  للتوتر فيما بيننا.  في فترة في حياتنا قرّرنا عدم إثارة الموضوع ولكنه لازمنا طوال الوقت. أخواي الإثنين أصبحا أورثودوكسيان إلى حد كبير, أحدهما لا يزال كذلك وله آراء يمينية. لنا آراء مختلفة لا أعلم إن كانت آراؤنا ما يفرق بيننا أو أنها المسافة فقط, لكنّني أعتقد أن كلانا يحاول ألا يجعلها تفرق بيننا.

كيف تُعرفين عن بيئتك؟

بيئتي هي عبارة عن أخواتي في حركة السلام ، وخصوصاً الناشطات منهن اللاتي يعملن معي طوال الوقت ومجموعة صغيرة من الأصدقاء الذين أراهم بشكل دوري هم خمس أو ست أزواج قريبين مني, هذا هو مجتمعي.

أتساءل دوماً عمّا إذا كان هذا العمل على حساب شعورك بأنك جزء من مجتمع كبير؟

كان أمس ‘يوم الاستقلال’ والأناس الوحيدون الذين كان من الممكن قضاء اليوم معهم هم إما فقط أخواتي في الحركة أو مجموعة أصدقائي لأن بقية المجتمع يتسم بالوطنية بشكل لا يصدق, وقد قضيته بصحبة الأصدقاء وكان رائعاً, إذ حظيت بفرصة لأحب وطني من خلال هذا المبدأ الضيق للبلد الذي نرى أنه يوماً ما سيعود للحياة.

لم في اعتقادك فشلت محاولات السلام السابقة؟

إن أشهر عملية سلام حدثت خلال آخر عقدين من الزمان كانت محادثات أوسلو, ولم أهتم بأسباب عدم نجاحها, لكني سأقول شيئاً مهماًً: إنّ لها نجاحات متعددة متميّزة ولولا محادثات أوسلو لكنا في وضع أسوأ بكثير مما نحن عليه الآن. عملية أوسلو زودتنا بالمفهوم الذي يجب أن نخطو نحوه للحل السلمي بوجود دولتين.  قبل محادثات أوسلو كان عشرون بالمئة فقط من الإسرائيليين- هذه أرقام حقيقية- يعتقدون أن وجود دولتين كان يستحق العناء, أما الآن فثمانون بالمئة أو أكثر يقولون أنه أمر محتوم, وفي الحقيقة أنا متأكدة أن النسبة أكبر من ثمانين بالمئة فهذا الرقم عمره أكثر من أربع أو خمس سنوات مضت. إذاً, هذا تغيير كبير وحصل هذا بسبب محادثات أوسلو, وقد نُفذت هذه المحادثات من قبل جهة واحدة وهي مؤسسة رابين وأنّني آسفة للقول أنه قد كان لها التأثير العميق والمؤثر, وعلى أثرها ازدادت قوة اليمين. حزب العمل لم يصرح أبداً  بمعارضته لخزب الليكود وكان هذا تقصيراً كبيراً لحماية عملية أوسلو, ولم يفكر أحد منّا  أن عملية أوسلو عكست آراءنا. في الحقيقة, لم تحدد أية رؤية على الإطلاق, ما كانت عليه عملية أوسلو كان كالتالي: " دعونا ألا نتحدث عن الرؤية، دعونا نتحدث عن الخطوة الأولى التي يجب علينا القيام بها". ربما كان ذلك خاطئاً ، لا أعلم فانا لست خبيرة بالعلاقات الدولية، ولكنني أعلم أن نجاحها الأكبر كان بغرسها في الإسرائيليين لكي يفهموا –لم يكن ذلك أبداً جزء من العملية ولكنها كانت بين السطور وكانت الرسالة واضحة  وسامية:  "سوف يكون الحل بوجود دولتين، وسوف نخرج من هذا الوضع وأن المسألة هي مسألة وقت لا أكثر" وبهذا كان ذلك إنجازاً  كبيراً ومميزاً.

يبدو أنّه بصورة ما, أنك يئستِ من التيار السائد في إسرائيل، هل هذا ما قصدتِ فعلا ً؟

 على العكس، أشعر أن التيار السائد متجه نحو الصواب الآن؛ يضرب ويصرخ ومجروح وحزين وخائف, ولكنه سيقوم بما هو صواب في آخر المطاف ولربما لأجل الأسباب الغير صحيحة. لم أيأس. أظن أن السلام سيحل خلال جيلنا ولهذا السبب أنا غاضبة جداً عليه وعلى وجه الأخص الذين ينتمون لليمين لأنهم يجعلوننا نعاني من فقدان أرواح أكثر وقتل شبان من حوادث الإرهاب حتى نصل إلى مرادنا؛ كل ذلك بلا فائدة، لأننا في النهاية سوف نجد الحل الذي سيلائم الجهتين.

ماذا تعني لكِ كلمة السلام ؟

تعني أنّ انتمي للحركة البيئية! لعدة سنوات اعتقدنا أن السلام سيحل قريباً, في الأيام الجيّدة الأولى ذهبت إلى البيت وجلست وفكرت, ما هي القضية الكُبرى التالية, وقد خرجت لأشارك في مظاهرة ضد شيء ما وقال أحدهم: " ما الذي تفعلينه هنا!؟" فقلت: " إنّ السلام على مرمى حجر وهذه هي القضية الآن".

هل لكِ أن تتخيلي أنك لن تعيشي في القدس في وقت ما؟

ليس بشكل جدّي لا. لا، ولا أستطيع أن أتخيل ذلك, لا أستطيع أن أتخيله. أشعر فقط أن العيش هنا يزداد صعوبة أكثر فأكثر، ولكني لا أفكر في المغادرة كخيار. لِمَ لا؟ لا أعلم لِمَ لا؟ ترعرع أولادي هنا، أصدقائي موجودين هنا, إذا أصبح لي أحفاد في مكان آخر ستصبح هناك إمكانية لمغادرتي.

ما هي بعض الاعتقادات الخاطئة عن عملك ؟ وكيف تميزين متى يخطئ الناس فهمك ؟

قبل بضع سنوات نُشرت مقالة كبيرة عن الحركة النسائية في معاريف و هي ثاني أكبر جريدة في إسرائيل وكان عنوان المقال( المنبوذات) وقد نشرت صورة كل واحدة منا: صورة لامرأة من كل واحدة من المنظمات التسعة، والعاشرة كانت لـ ‘تحالف النساء للسلام’. كانت صورة كبيرة، مَن نكون وأين نعيش وبعدها مقابلة معنا, ظننت أنها كانت رائعة لأن محتوى المقالة عبّر عن ما نؤمن به، ولكن لسبب ما رآها البعض الآخرين وكأنها خيانة. ماذا سأقول؟ بعد عدة أيام دق بابي أحد الجيران ليسدد مستحقات الشقة لأنني أنا الجابية وقال: " حسن ٌ جيلا، أنت منبوذة في الصحف ولكنك جارتي هنا" وهكذا أتخيل أن نصف الناس في الحي الذين لا يقرأون صحيفة يدعوت و يقرأ ون معاريف قد عرفوا من تكون جارتهم. أقول لنفسي عندما أجد أنني أحاول أن أكون جارة جيدة جداً, لأنني أريد أن أثبت نفسي: يمكنك أن تكوني ناشطة  في اليسار وان تكوني في نفس الوقت مسؤولة عن جباية أجور الشقق وعن مراعاة الاهتمام بالباحات أيضاً وكل ما هنالك. هذا هو عملي وأنا الأكثر نشاطاً في هذا المجال على الإطلاق لأنني أحاول أن أصون السمعة الطيبة للحركة المتحررة في إسرائيل.

أي جمهور دولي هو الأكثر تأثيراً هنا في رأيك؟

المجتمع الأمريكي هو الأكثر تأثيراً , والحكومة الأمريكية هي الأكثر تأثيراً، ومصدر قلقي العميق أننا لا نستطيع أن نصل إلى الناس الذين يؤثرون به, و هم المجتمع المسيحي المتعصب. لدي أمل من إمكانية الوصول إلى المجتمع اليهودي الأمريكي؛ لكن أومن بإخلاص أنّه يجب إعطاءهم الوقت الكافي حتّى يتمكنوا من رؤية الصورة بأكملها. ولكن قلقي أن يستمر الإنجيليون وآخرون متعصبون بالتأثير على بوش. أملي في ألا يُعاوَد انتخابه.

ما هي المعتقدات الخاطئة لدى هذا المجتمع عما يدور هنا، ‘المجتمع الإنجيلي المسيحي الأمريكي’ ؟

أنا لست خبيرة في علم اللاهوت. حسب فهمي فهم يرون أن نجاح إسرائيل مطلوب لتكوين ‘جمهورية اليهود الثالثة’  أو ’المملكة الثالثة‘ وبعدها وبطريقة ما احتدام الحرب الكبرى (ما يدعى بأرميجادون) وسيلي ذلك  انتصار و سيطرة المجتمع المسيحي. برأيي, فإن الايمان أن اليهود سيهزمون يوما ما في تتالي أحداث الحرب الكبرى (أرميجادون) يبدو لي مبدأ معادي للسامية وبشدة. هذا ما قرأته من نقاد هذه الآراء.

ما هي رسالتك إلى الجمهور العالمي لدعم أعمالك؟

إنّ رسالتي هي أن إنهاء الاحتلال أفضل لإسرائيل كما أنه في مصلحة الفلسطينيين. لو كان الناس مهتمين حقاً بمصلحة الطرفين لأرغمونا على أن نتفاوض على سلام يرضي الطرفين.


التهاية