« المقابلة | أبرز المقاطع في المقابلات

مقابلة مع

بداية أخبرنا عن خلفيتك و كيف أصبحت منخرطاً في العمل السلمي ؟

حسناً، في عام 1991 حصلت على إجازة الدكتوراة في التاريخ السياسي للشرق الأوسط من جامعة لندن. عدت إلى إسرائيل و عملت كصحفي في جريدة هآرتس لمدة عام و بعد مدة بسيطه إنضممت إلى يوسي بيلين، عن طريق علاقتي بيائير هيرشفلد.كان هناك شعور بالأمل في الجو .كان العام92، قبل انتخاب رابين. توصلت إلى نتيجة هي أنني أود البحث أن أصبح ناشطاً في المناخ السياسي القائم بدلاً من مجرد تغطيته صحفياً أو إجراء الأبحاث عنه .في ذلك الوقت كان ليائير عدد من المعارف في الوسط الفلسطيني ،و التي بدأها خلال سنوات السبعين .و كان لي اهتمام في هذه المواضيع حيث أن والدي ساعد يائير في بعض الفعاليات في أوروبا، والتي كانت متعلقة بالأمور الفلسطينية الأسرائيلية.بالمختصر المفيد ،بدأنا أنا ويائير العمل معاً.

هل كانت هناك لحظة معينة اتضح لك فيها أنك تريد أن تعمل على قضايا إسرائيلية فلسطينية؟

كان ذلك تدريجياً، بدءاً بعام 1992. إنخرطت ببطء، عندما كان لدي وقت، وتدريجياً أكثر فأكثر من وقتي. توقفت عن الكتابة للصحيفة كلياً عندما بدأت أشعر بتضارب المصالح لكوني جزء من الأخبار و ليس فقط صحفياً. لذا توقفت عن الكتابة تدريجياً و ببطء أسسنا مؤسسة لاحكومية و التي دعيت مؤسسة التعاون الأقتصادي . في البداية كانت مجرد إسم يضم باحثاً أو اثنين، وكان يائير يحاول جاهداً لنسج معارف مختلفة لجعلنا ننطلق عن الأرض. في نهاية الأمر، بدأنا أنا و يائير العمل على مسارين متوازيين أحدهم كان سياسياً، نوع من الذراع الطويله ليوسي بيلين، الذي كان مايزال عضواً في المعارضة في الكنيست. للتذكير فقط, فهذا كان قبل الأنتخابات التي حصلت في تموز. هذا كان المسار الأول و هو المسار السياسي و كان المسار الثاني الموازي له و هو المسار الذي عُني بتطوير الأبحاث. كمؤسسة لاحكومية تقدمنا بطلب للاتحاد الأوروبي لتمويل أبحاثنا. وافق الأتحاد الأوروبي على طلبنا وبدأنا ببناء مشروع كبير حول الشؤون الأقتصادية و القاء الضوء على الأقتصاد المستدام كهدف رئيسي. كانت الفكرة الجمع بين تقوية الأقتصاد و فكرة السلام، و بالأخص تأسسيس بحث متكامل عبر طاقم مشترك بين فلسطينين و إسرائيلين.كان على الطواقم المشاركة التعامل مع مواضيع التجارةو الصناعة و الزراعة والتعاون في الحلول النهائية.

 في تموز 1992 حصلت الأنتخابات ووصل إسحاق رابين إلى دفة الحكم و بعد شهر واحد أصبح يوسي بيلن نائبا لوزير الخارجية، وشمعون بيريس وزيراً للخارجية. ذلك سمح بتوجه مغاير للامور التي كنا بدأنا العمل عليها من قبل. قبل الأنتخابات كنا قد ركَّزنا على تأسيس مؤسستنا الغير حكومية و بدء مشروع البحث الكبير مع الجامعة العبرية، وجامعة بن غوريون و الجانب الفلسطيني. بعد الأنتخابات وسَّعنا نشاطاتنا في الجانب السياسي. بالرغم من الأنتخابات، كنا نستطيع نحن أن نفعل اموراً مع الفلسطينين كانت الحكومة غير قادرة على فعلها. في ذلك الوقت كانت الحكومة متفارقة التوجه حيال الفلسطينين. فيصل الحسيني مثلاً، هُمِشّ على أيدي الحكومة حيث كان مقدسياً وكانت الحكومة ما تزال متعلقة بفكرة أن المقدسيين الفلسطينيين ليسوا جزءاً من المفاوضات الرسمية. وكنا نحن من يستطيع التحاور معه, لذا تصرفنا كاليد الطويلة لوازرة الخارجية، و كنا نقدم التقارير للحكومة. تدريجياً قادنا ذلك إلى خلق اتفاقية أوسلو. بعد اجتماعات كثيرة مع فيصل الحسيني، حنان عشراوي، زياد أبو زياد وسري نسيبه وآخرين، توجهنا أخيراً إلى مسار أوسلو المفتوح.

و للتاريخ فقط؛ فعلى عكس كل القصص التي تقول أن النرويجيين هم من بدأوا العملية، فإنها بدأت فعلاً نتيجة حقيقة أن فيصل الحسيني وحنان عشراوي أخبروني وأخبروا يائير أن القوة موجودة في تونس، وما تقولة المنظمة في تونس، سيلحق به الفلسطينيون في المناطق. أخبرونا إنه إذا أرادت إسرائيل التعامل مع أحد، يجب أن يكون تونس. أصروا أن المنظمة في تونس معتدلة أكثر مما يُصوروا، ومعتدلة أكثر من المعتدلين الفلسطينين في المناطق. توجهنا إلى حنان عشراوي والتي اقترحت أن نقابل أبو العلاء و طلبت من فيصل الحسيني أن يتبنى الفكرة، وبالنهاية وعن طريق مكتب عرفات نسقوا لاجتماع بين أبو العلاء و هيرشفيلد في لندن في كانون أول 1992، أدى ذلك الأجتماع إلى خلق قناة أوسلو. بعد بضعة أسابيع في العشرين من كانون الثاني 1993، رتب النرويجيون الأجتماع الأول في أوسلو. كان ذلك الأجتماع الأنطلاقة الفعلية لعملية إنتهت بعد تسعة أشهر و نتج عنها إعلان المبادىء، الذي يعرف باتفاقية أوسلو. في العلمية السياسية، كنا وحدنا في الأشهر الخمس الأولى و لاحقاً حظينا بمباركة ومشاركة الحكومة الأسرائيلية. في المقابل، إستمرينا في توسيع فعاليات مؤسسة التعاون الأقتصادي. يائير وأنا تشاركنا في الأدارة و بدأنا بالأنخراط بفعاليات مختلفة غير البعد القتصادي حيث فتحنا أعمالنا لأمور أكبر و فعاليات في مجال الصحة و المجتمع المدني، وبدأنا التفكير بفعاليات عبر الحدود. وتدريجياً تطورنا وأصبح لدينا بُعدان رئيسان. أحدهما كان ورشة تفكير في السياسة والأمور السياسية. الذروة كانت ما اسميناه "مكتبة الوضع النهائي"، التي كانت مصممة لمساعدة السياسين على جسر الأفكار مع الفلسطينيين. كان هذا أحد أبعاد فعالياتنا. البعد الثاني لفعالياتنا كان الطيف الكامل لما دعيناه "التعاون الأجتماعي المدني" الذي كان ليفتح الطريق أمام الفعاليات كعرض الفعاليات المختلفة الممكنة أو قيادة تحالف إلخ ...... قامت مؤسسة التعاون الأقتصادي بالعديد العديد من الأمور في ذلك الوقت. في الصيف قبل حوالي ثلاث سنوات، انتقلت من مؤسسة التعاون الأقتصادي وأصبحت مديراً لمركز بيريس للسلام. هذه المنظمة تختلف في الدرجة الأولى بأنها مؤسسا لبناء السلام المباشر. هذه ليست حلقة بحث أو منظمة لصنع السياسة أو لها علاقة بالأحزاب. انها منظمة مستقلة غير حزبية و غير سياسية لبناء السلام .

مركز بيريس مستقل و غير حزبي على الرغم من أنه يحمل إسم بيريس ؟

بالضبط... مع أن المكان يحمل إسم بيريس، الأ انه لا يعكس توجهاته الحزبية أو السياسية، و لكن رؤيته الأساسية للسلام. يشدد المركز على المجتمع المدني، التعاون الأقتصادي، التعاون عبر الحدود... رؤيا جديدة للشرق الأوسط . لا نرى أنفسنا نطبق رؤيا لشرق أوسط جديد، ولكننا نرى أنفسنا نبني الكتل الأولى مما نرجو أن يكون الشرق الأوسط الجديد. هذا توجه مغاير لما يتوقعه الناس من بيريس. من الممكن أنه بدأ مختلفاً، ولكن اليوم و تحت إدارتي فالمركز ثابت و هو  منظمة متواضعة والتي تعمل بالأساس على مستوى القاعدة و لا نتكلم عن أهداف نظرية.

هل يمكن أن تحدثنا لماذا أردت أن تقوم بالتحول من العمل الأكثر سياسية للعمل مع المجتمع المدني؟

التحول جاء بداية بسبب الفرصة، ولكن الفرصة فقط ليست كافية. كانت الفكرة الرئيسية هي أن تقوم مؤسسة التعاون الأقتصادي بالقيادة لإحداث شيء. كان شعوري أن مؤسسة التعاون الأقتصادي حققت هدفها في زمن كامب ديفيد/طابا. أعي أنهل لم تحقق كامل أهدافها فقد إستنفذت مواردها. شعرت إنه في تلك النقطة كانت مؤسسة التعاون الأقتصادي بحاجة لإختراع نفسها من جديد. استمرار العمل على مواضيع الحل الدائم لم يعد ذا أهمية بعض الشيء. مؤسسة التعاون الأقتصادي ساعدت على خلق الهيكلية الضخمة, جمع المعلومات و تصنيفها لأفكار الحل الدائم. كان هناك ما هو بحاجة لعمله على كل من هذه المواضيع، ولكني شعرت أنه بالفترة ما بين كامب ديفيد و حتى طابا، حتى 2001 ،كنا قد جمعنا المعلومات الكافية و بادرنا وقدنا فعاليات كافية بحيث تسنى لي أن أغادر وأترك للآخرين المتابعة. كتل البناء هذه خلقت أساساً، ولكن ليس فقط، على أيدينا بعد هذا، في رأيي كان على مؤسسة التعاون الأقتصادي أعاده هيكليتها و تحديد أهدافها. حتى ذلك الوقت رأينا أنا و يائير عيناً لعين هذا التصميم لمؤسسة التعاون الأقتصادي، وكان لنا الكثير الكثير من النقاشات المثمرة حول كيفية تحقيق أهدفنا. في ذلك الوقت كان الشعور أن طرقنا تأخذ إتجاهات مختلفة، هو أراد الأستمرار في شيء، و أنا أردت الأستمرار في شيء مغاير كلياً وظننت أننا بدأنا بالتسوية حول موضوع بالغ الأهمية بالنسبة لي و هو بُعد المجتمع المدني وبُعد بناء السلام. مثلاً، مؤسسة التعاون اليوم دخلت النقاش الداخلي الأسرائيلي كالحوار مع المستوطنين أو اليمين و العمل مع العرب في إسرائيل وكل الأمور ذات الصلة. من وجهة نظري كل هذه الأمور لا يجب أن تكون على مسار مؤسسة التعاون الأقتصادي. ولكن يائير أرادها هكذا.

عندها جاءت هذه الفرصة, استدعاني شمعون بيريس للقدوم و قيادة مؤسسة مركز بيريس للسلام. شعرت أنه كان الوقت المناسب للتحرك بعد تسع سنوات و الوقت الذي شعرت فيه أننا أتمننا هدفنا الأستراتيجي. عندما و صلت إلى هنا وجدت منظمةً في حالة فوضى، منظمة على شفا الدخول في غيبوبة. من ناحيةٍ كانت منظمة جيدة جدا ًوراسخة و ذات هيكلية جيدة, ولكن حدث أمران وضعا المؤسسة في وضع صعب. بدأت الأنتفاضة وقررت المنظمة إن حياتها قصيرة. كان هذا قرار إستراتجياً، كان يمكن أن يحدث في إي منظمة، وقررت المنظمة أن تقف مكتوفة الأيدي حتى نهاية الأنتفاضة و تتابع العمل مجدداً في اليوم التالي. شخصياً كان موقفي هو أن الأنتفاضة ستستمر، وما علينا فعله هو خلق مشاريع جديدة و طرق جديدة للتعامب مع الموضوع و إيجاد شركاء جدد...الخ

ماذا كانت بعض الاختلافات في توجهاتك عندما انضممت إلى مركز بيريس للسلام ؟

على سبيل المثال، في الماضي كانت منظمة تعاملت على المستوى العملي اليومي مع السلطة الفلسطينية، بمعنى إنها عملت مع أفراد في السلطة الفلسطينية، وطورت تحالفات إستراتيجية مع عدد قليل من المنظمات الغير حكومية في الجانب الفلسطيني. أما أنا فجئت بتوجه مغاير كلياً؛ قلت إنه يجب أن توسع الأفق و الحاجا إلى شركاء كثر و التركيز على المجتمع المدني و ليس على الحكومة, لا يجب أن نفقد الأتصال مع الحكومة ولكن ليس من الضروري أن نرى الحكومة كشريك لنا. الحكومة هي إحدى الخيارات الواسعة كشريك ولكنها ليست الوحيدة. أيضاً، فقد مزجت في توجه العمل بين العمل من القاعدة للقمة و من القمة للقاعدة. في ذلك الوقت كانت المشاريع واسعة الأفق نتيجة للحوار في أعلى المستويات. قلت إنه يجب أن نعمل بشكل رئيسي من القاعدة و عمل أمور كبيرة لإننا منظمة كبيرة. آمنت أننا يجب أن نستمر في المحاولة للحصول على المعونة من الأعلى و إستخدامها لتقوية وإعلاء فعالياتنا. عندما ولدت هذه المنظمة، كانت في فترة فكرة الشرق أوسط الجديد بمفاهيم و رؤية رجعية انتهى زمانها. لذا توجهت للعمل في المشاريع على المستوى القاعدي كما قلت، على الأرض، مع شركاء حقيقيون. لذا فإنه توجه مغاير كلياً ولكنه يأتي من نفس الجذر. الجذور التي بنيت هنا في بداية الأعوام 96و 97 بيد أوري سافير المدير العام السابق، الذي وضع أساساً متيناً و منظمة جديدة .الوقت أملى على المنظمة الأنتقال من مكان إلى آخر.

لماذا تظن إنه من المهم العمل داخل منظمات المجتمع المدني و ليس من خلال الحكومة ؟

حسناً أظن أنه في نهاية الأمر، المطلوب هو خلق رباط قوي بين المجتمعات المدنية. إذا لم نقنع الشعوب في الجانبين ولم نستخدم هيكلية المجتمع المدني لعملية اللسلام، المصالحة، المعرفة و التفاهم إلخ...فإننا نستطيع توقيع الأتفاقيات إلى اللأبد و لكنها لن تدوم أبداً. عادةً أقارن العملية برمتها لطاولة ذات أربع أرجل؛ كل رجل مهمة. يمكن أن تحيا برجل أقصر أو أطول لكنها يجب أن تقف على أربعة أرجل. الأرجل الاثنتين الأولتين هما الأتفاقيات السياسية بين الحكومات و الحوار الأمني لدعمهم. الأرجل الاثنتين الأخرتين، اللتان أظن أننا مسؤولون منهن هن البعد الاقتصادي. أعني تنمية ترتكز على حوار صريح بين المجتمعين إن كان في العمل، التجارة، الصناعة أو التكنولوجيا. هذا هو الجزء الحاسم في تقوية قابلية النمو لجيراننا، لأنه بحسب تفكيرنا فالشريك القوي هو شريك جيد. الرجل الأخيرة هي تعاون المجتمع المدني، عامل الشعب إلى الشعب، والتي لديها أبعاد النظر إلى المستقبل. من خلال المجتمع المدني يمكن إشغال ليس فقط النموذج الخفي، أي ليس فقط النموذج التقليدي لمصالحة الشعوب. نحن نصر إنه هناك حوار بين المحترفين بدون محاولة تعريف إنتمائِهم السياسي. على سبيل المثال إذا أخذنا المصرفيين في الجانب الاسرائيلي والمصرفيين في الجانب الفلسطيني، لانسألهم إذا كانوا يصوتون للعمل أو ميريتس أو الليكود نحن نحضرهم فقط للمشاركة في حوار حول المصارف، هذه أيضاً طريقه لخلق حوار الشعب للشعب. الشيء نفسه في مجال الصحة، الطب النفسي، العلم النفسي، الرياضة وما إلى ذلك. بعملنا هذا نقرب المجتمعات، ونحصل على الفائدة المضافه من الحورات.

ما هو التحدي الأكبر في التقريب بين المجتمعات الآن ؟

أن نقوم بهذا العمل. التحدي الأكبر هو أن نجعله يحدث. من السهل اليوم القول أن ذلك مستحيل لأن كل فعاليةٍ اليوم هي كعبور المحيط، بالتصاريح، منح الفلسطينيين الامكانية لدخول اسرائيل، بالاتصال، كل فعاليةٍ مليئة بالعقبات، المتوقعة وغير المتوقعة. بالرغم من ذلك نجد أننا نستطيع القيام بها حتى عندما لا ننجح، نحاول في نفس الموضوع، وفي أغلب الحالات في نهاية الأمر ننجح في كسر الجمود.

ذكرت أنكم تُحضرون أُناساً يختلفون في الجهة التي يصوتون لها أو ليس لهم نفس التفكير السياسي. هل يُشكل ذلك تحدياً للناس بأن يتحدثوا عن الأعمال أو عن الموضوع المطروح؟

ذلك يعتمد. سأُعطيك مثلاً آخر، نحن ضالعون في حوار بين ما نسميهم السياسيون الصغار، القادة الصغار. قبل عدة أسابيع عقدنا اجتماعاً لحوالي 20 شاباً اسرائيلياً وفلسطيبياً في ميلانو، ايطاليا. اثنان منهم كانوا من اليمين الاسرائيلي المتطرف، من الليكود وحزب الاتحاد الوطني، من أقصى اليمين. أظهروا عِداءً للفلسطينيين قبل أن يصلوا، ولكن الحوار كسر هذا الفهم الخاطىء. بسرعةٍ كبيرةٍ أُزيلت هذه العقبات وكان الحوار صلباً، كان الحديث قاسياً، ولكنه كان بروحٍ طيبةٍ وجدِّي. إذن هذا ما نحاول أن نفعله، أن نجعل ذلك يحدث. حتى وإن كان الطرفان غير سعيدين مع بعضهما البعض، نحاول الأبقاء بِقدر الأمكان، على جوٍ من الحوار الجاد. نحن لسنا هنا لِنُقنع الجميع

لقد كنت مشاركاً مباشراً في عملية أوسلو. ما هو تصورك لما حدث في أوسلو، ولماذا نحن في ما نحن الآن بِما يتعلق بعملية السلام؟

أعتقد أن هناك أسباب وجيهة عديدة لما نحن عليه الآن. أظن أن الطرفين دخلوا فترة التطبيق بنوايا غير صافية—الطرفين. لأنه لم تُبنى الثقة وكان هناك محاولةٌ جاهدةٌ لتأجيل الأمور إلى الجولة الثانية من المحادثات. ولكن مع قولي هذا أظن أننا نحن، الأسرائيليين، ارتكبنا العديد من الأخطاء بالطريق. أظن أن الأخطاء نبعت في الأساس أنه غداة أوسلو, أعني من الرابع عشر من أيلول 1993، إسرائيل لم تكون صورةٌ واضحةٌ عن أين أرادت الذهاب في علاقاتها بالفلسطينيين؛ لم يكن واضحاً على الاطلاق إذا كانت اسرائيل ستُلزم نفسها بِحل عادل ، مبني على المكونات الوحيدة التي يُمكن لحلٍ حقيقي وعادل أن يحتويهاوهي: دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، تحيا جنباً إلى جنب مع اسرائيل، على قدم المساواة، على أساس حدود 67. أظن أنه حتى آخر أيام المفاوضات في كامب ديفيد لم تقبل اسرائيل بعد هذه المعادلة.لم أقُل أن اسرائيل لم تُرد السلام؛ بالعكس، أظن أن اسرائيل أرادت السلام مثل أو حتى أكثر من الفلسطينيين – أنا أتكلم عن القيادة - ولكني أظن أن الفلسطينيين كانوا مستعدين أكثر لِحل وسط وكانوا مُدركين كامل الأدراك ما الحاجة لجعل ذلك يحدث. لهذا السبب سمحنا لأمور فظيعة كثيرة بالحدوث على الأرض، كتوسيع وبناء المستوطنات، مصادرة الأراضي، بعث الرسالة الخاطِئة للفلسطينيين عما ستحتويه المرحلة النهائية.

كنا متشددين في شأن السجناء، الاقتصاد وكل شيء تقريباً – ليس لأننا أردنا تخريب العملية، ولكن لأنه من وجهة نظرنا، كل هذا كان سيؤدي الى دولة فلسطينية، ما لم نستطيع التفوه به بصوتٍ عالٍ - على سبيل المثال، تقسيم القدس، الواجب فعله في أي اتفاقية. إذا استمرينا بالقول أن القدس ستبقى دائماً تحت السيطرة الاسرائيلية، فنحن نُهمِّش النشاطات الفلسطينية المشروعة ونبعث الرسالة الخاطئة عما نريد أن يكون. بالمختصر المفيد، نحن أفسدنا الموضوع.

ماذا يجب أن يَحصل ويكون مُغايراً في المرة القادمة في عملية المفاوضات ومن يجب أن يقوم بهذا التغيير؟

من؟ أي رئيس وزراء عنده الشجاعة الكافية للقول للشعب ماذا سيحصل. يمكن أن يكون من اليمين أو من اليسار، ويجب أن يقول للشعب ماذا سيحصل، ماذا سندفع وماذا سنجني – الأمر الذي هو الأهم والأكبر هو كم سندفع. يجب أن يكون قادراً كفاية. ليس من الضروري أن يكون قائِداً من الجيش، ولكن ذا قدرة وقوة كافية، قدرة اقناع وموثوقٌ به. أظن أنه اذا أتى من اليسار أو اليمين فيمكن أن يقوم بذلك. وما يجب أن يحدث هو أن شخص كهذا سيتسلق السلم ويُنتخب أو يقود حِزباً.

واضح أنك تتحدث عن المستوى السياسي، ولكنك تعمل على مستوى القاعدي. كيف ترى العلاقة بين الأثنين؟

أنا شخصياً، وليس كممثل لمركز بيريس للسلام، أعمل أيضا على المستوى السياسي. كنت واحداً من أعضاء الفريق الأساسي لمبادرة جنيف، لا كممثل لمركز بيريس للسلام، ولكن كفرد لذا لا أزال أطوف بين المسارين، المدني والسياسي على حدٍ سوا. من داخل المسار المدني، ما أراه، ما يُشجع، أنه بالرغم من كل شيء، وبالرغم من كل القتل، لم يفقد الجانبان الأمكانية – أعني فقدوا الكثير من الثقة والكثير من الأمل، ولكنهم لم يفقدوا جوهر الأمل أنه بالامكان أن يكون هناك حل.

أين ترى أن الناس لم يفقدوا الأمل بامكانية الحل؟

في كل مكان. بالرغم من الوضع الصعب الفظيع، ليست هناك كراهية. عندما تحضر العائلات الثكلى معاً، عندما تحضر اسرائيليين وفلسطينيين قد عانوا معاً، لا تأخذ الأمور أكثر من ساعة حتى يقولون " وإذن، نحن لسنا بعيدين عن بعضنا البعض"، ولا يهم اذا كنت تتكلم عن تقنيين، أشخاص للبحث و التطوير، أكاديميون أو أطباء، لا يأخذ الأمر أكثر من يوم. هم تقريباً دائماً يقولون أنه لو تُركت المهمة لهم, للفلسطينيين أو الاسرائيليين على مستواهم، لن يستغرقهم وقت لحلها. وما زال ذلك يحدث اليوم. أستخلص من هذا أن الشعوب تؤمن بأن هذا ممكن، يُريد الشعب أن يرى ذلك يحدث. الشعوب تُدرك بأن المشكلة لا تكمن بين الطرفين، بل في قوى أكثر سياسية. مع أنه يبدو غير مُلائم، لكني أقول من تجربتي الكبيرة في فعاليات مركز بيريس للسلام، أظن أننا لدينا اليوم فلسطينيون أكثر، وأستطيع القول اسرائيليون أكثر، الذين يريدون المشاركة في حوار فلسطيني-اسرائيلي وفعاليات أكثر مما كان لدينا قبل الانتفاضة.

كيف تُفسر أنه منذ بدء الانتفاضة يريد أُناسٌ أكثر المشاركة في الحوار؟

أظن أن الشعب في المجتمع المدني قد ملَّ من الوضع الحالي ويدركون في أعماق قلوبهم أن الطريق الوحيد، في نهاية المطاف، هو عن طريق حلٍ سياسي وحوار. هناك الكثير من الكبت والمشكلات وهنالك الكثير من الأمتعاض، ولكن مع ذلك فهنالك امكانية.

هل ذهب بك عملك إلى الضفة الغربية؟

قبل الانتفاضة كنت هناك أقلها مرتين أو ثلاثة أسبوعياً، في الضفة الغربية وغزة. كنت أتردد على المدن الكبيرة. بعد الانتفاضة، وبالتحديد بعد السنة الثانية على ما أظن، لم يدعنا الجيش أن ندخل إلى المدن. لا زلت أذهب الى المدن، هنا وهناك، ولكن كما ترون ليس بنفس الوتيرة كما كنت في السابق. أذهب الى الرام وأماكن أُخرى ما زال مسموحاً أن نذهب اليها. كنت قبل شهرين في أريحا. ولكن كما قلت ليس بنفس الوتيرة كما في السابق. في السابق كنا نأخذ وفوداً إلى نابلس، ونمكث يومين ونظمت في رام الله اجتماعاً كبيراً لضباط شرطة اسرائيليين كبار لمدة يومين. قضوا لياليهم في رام الله؛ حاولوا التصور في تلك الحقبة! ضباط اسرائيليون وفلسطينيون ذهبوا إلى الملاهي الليلية معاً ورقصوا معاً!

هل يعمل الفلسطينيون في مركز بيريس للسلام؟

يوجد عندنا فلسطينيون من اسرائيل، الذين يُدعون أيضاً عرب اسرائيل، وعند الفلسطينيين يُدعوْن بأهل أل-48. هذه منظمة اسرائيلية، لذا لدينا يهود وعرب، ولكننا لا... أعني يوجد لدينا العديد من الفلسطينيين الذين يعملون معنا، ويزوروننا حتى اليوم. ولكننا لم يكن لدينا، إن صح التعبير "غرباء" هنا.

ماذا تعمل ضمن المنظمة لضمان العدالة والتفاهم بين أفراد الطاقم؟

عدالة بين أفراد الطاقم؟ ماذا تقصدين؟

هل هناك تنسيق بين أفراد الطاقم لنقاش الأمور التي قد تتقدم...

لا، ليس هناك داعي لذلك هنا. كل من يأتي هنا يأتي ليس فقط لأنه مكان عمل، ولكن لأنه يحمل عقيدةً تتناسب وعقيدتهم. هؤلاء الذين ليست لديهم عقيدة راسخة بعد بضعة مواجهات، اجتماعات وفعاليات فإن هذه العقيدة ترسخ. هنا وهناك نقوم بفعاليات لتعريفهم بالمشاكل، بالمواضيع عن طريق زيارات الى القدس الشرقية للقاء فلسطينيين الخ... أحاول أن أضمن أن كل طاقمنا يشارك بالفعاليات مع الفلسطينيين، لانه اليوم يمكن لأيّ ممن يعملون هنا أن يحيوا كل حياتهم من دون أن يروا فلسطينياً غير أولئك الذين يزورون مركز بيريس. في السابق كانت الفعاليات تعقد في المناطق (المحتلة)، لذا نقوم ببعض المحاولات لتنسيق ذلك. المشكلة هنا أننا منظمة كبيرة. نحن حوالي ثلاثين شخص نعمل يومياً ويوجد لنا مستشارين دائماً. مثلاً أقمنا فريق كرة قدم للَعب الداخلي، والذي ندفع له راتباً. إنهم ليسوا ضمن طاقم العمل ولكنهم جزءٌ من أحد مشاريعنا. يوجد لدينا فعاليات كبيرة في مجال الزراعة - يوجد لدينا سبعة مستشارين زراعيين يعملون معنا على مشاريع عدة. إنها منظمة كبيرة فعلياً. مشاكلها كمشاكل منظمةٍ كبيرةٍ، مع درجات ورتب، علاوات—ولكن ليس لدينا المشاكل على المستوى العربي اليهودي تُذكر.


 

كيف أثر الصراع على حياتك، حياتك الخاصة؟

هذا سؤالٌ صعبٌ لأنه الآن "الصراع" وحله جزء من حياتي. أعني أنه منذ 1993 لم أعد مشاهداً من الجانب. أنا منخرط بشكل كبير فيه، لذا لا أستطيع أن أشرح كيف تغيرت حياتي، ولكني أدري أن ذلك قد حصل. أنا ظاهر أكثر، منتَقَدٌ أكثر، مُهَدَدٌ أكثر، ولكن في نفس الوقت راضٍ وسعيد أكثر.



لماذا أنت سعيدٌ أكثر؟

أتدري، أنا سعيدٌ أكثر لأني أصنع شيئاً أؤْمن أنه ضروري لحماية بلدي. أرضى أكثر في كوني جزءاً منه، ولكني مُحبط لأننا في وضعٍ فظيع، وأنا مُنتَقَد ممن يُعارضونه.



 

أي نوع من النقد تواجه؟

أعني، الجناح اليميني مثلاً، هؤلاء اللذين يظنون أن الحل هو ترحيل كل الفلسطينين من الضفة الغربية، تصور إنهم يظنون أني خائن. كانت هناك أوقات عندما كانت أوسلوا أكثر شعبية وكان الناس أكثر إيجابية. لم أدع ذلك أبداً أن يتدخل في حياتي، ولكن أيضاً وعندما نتكلم بموضوعية، هنالك تدخل. أنا أحاول اللا أدعها تدخل حياتي الخاصة.

هل ترى علامات نجاح؟

أرى علامات نجاح كبيرة في ما نعمل ،إذا قارنت ما عملة مركز بيريس قبل أن آتي مع عدد الفعاليات الناجحة،مع كبر البرامج التي نقوم بها اليوم .أرى هذه الأمور كنجاح للمنظمة، و ليس لي. أنت تدري، لدينا برنامج صحة كبير. قمنا ببعض هذه الأمور في مؤسسة التعاون الاقتصادي، لكن معظم النشاط الصحي انتقل الآن من مؤسسة التعاون الاقتصادي. كانت مؤسسة التعاون الاقتصادي ضالعة في بناء القدرات الفلسطينية عبر أخذ أطباء متدربين فلسطينين للدراسة أو العمل أو التدرب في مستشفيات إسرائلية. نظمت مؤسسة التعاون الاقتصادي ورشات عمل وحوارات. في مركز بيريس نحن نقوم بأكثر مما قمنا به في مؤسسة التعاون الاقتصادي .الآن المستشفيات و الأطباء ذوي علاقة أكثر. على المستوى اليومي لدينا أكثر من 20 طبيب فلسطيني يتدربون في مستشفيات إسرائيلية لفترات تتراوح ما بين  ستة أشهر و أربع سنين. هذا مُرضي للغاية. خلال الست إلى سبع أشهر الماضية بدأنا مشروعاً جديداً، والذي أصبح أحد أعلام مشاريعنا. هذا مشروع إنساني أكثر، وندعوه "إنقاذ الأطفال" بسبب إنعدام الامكانيات في الجانب الفلسطيني في مجال علاج الأطفال، هناك مشاكل صحية جادة. والتي ليس لهم إمكانية معالجتها،كجراحة الدماغ، جراحات القلب المفتوح، جراحات الصدر، ونشاطات  تشخيصات معينة. نحن نجد الموارد المخصصة لهذا المشروع. خلال الست إلى سبع أشهر الماضية، أجرينا جراحات لحوالي المئة طفل فلسطيني، اي أننا منحناهم الحياة. بصريح العبارة، بدوننا هؤلاء المئة طفل أو عدد أقل بقليل بسبب أن بعض الأطفال ماتوا بالرغم من هذا الاجراء كانوا قد ماتوا. إني أتحدث عن أطفال و الذين، على سبيل المثال، ولدوا و لديهم مشاكل في القلب. أنهم يُدخلون إلى المستشفيات الاسرائيلية و يعالجون و بعد أسبوع يعودون إلى بيوتهم كأطفال جدد. مع الأخذ بالاعتبار إنه من غير هذا سيموتون. أشعر بالاكتفاء من أننا نفعل هذا. التكلفة باهظة. انها تكلفة ضخمة جدا ً لذا نحن نركز على جمع الأموال لهذا الغرض بالذات. أظن إنها تبعث رسالة مختلفة عن إسرائيل ، معيار  أخلاقي مختلف إنه يظهر إننا نُعنى بالآخر و نعم، إننا نقتل، ونعم، ويمكن أننا نقترف إنتهاكات فظيعة، ولكن من ناحيةٍ أخرى هناك إسرائيل مختلفة.

كمدير لمنظمةٍ ضخمة ،هل لديكم إستراتجية للتعرف على أجزاء المجتمعات التي أنتم بأمس الحاجة للوصول إليها في الجانب الاسرائيلي ؟

لسوء الحظ، هذا مبهم اليوم أكثر من أي وقت مضى. فكرتنا هي الوصول للجمهور الذي هو ضد الحوار. لا أود القول ضد السلام، لإن الجميع كما يقال"مؤيدبن للسلام ". ولكن فكرتنا هي الوصول إلى أولئك الذين هم ضد الدولة الفلسطينية. اليوم ،ولسوء الحظ، وبسبب نتائج الانتفاضة وانعدام الثقة، أظن أن الجمهور الاسرائيلي بحاجه إلى تحول. بعد أن قلت هذا، ما تزال العديد من فعاليتنا تحاول الوصول إلى ما ندعوه "المحيط". على سبيل الثال، في برامجنا الرياضية لدينا إستراتجية. الجانب الاسرائيلي في الفعاليات الرياضية هم في سديروت، اوفاكيم،كريات شمونا، بئر السبع... ليس في تل أبيب، حيفا، رعنانا. نقوم بهذا لأننا نريد أن نزيد عدد الجمهور ليضم المناطق المحيطة. نحن أيضاً نشارك في فعاليات لتشجيع الحوار بين نابلس و ريشون لتسيون كمدن "أخوات". ريشون لتسيون تمثل الخط الرئيسي في إسرائيل. أظن إنه أذا صوت التيار الرئيسي في إسرائيل 50% لليكود و 50% للعمل.  يمين و يسار، مصوتوا العمل التقليديون لا يزالون في حاجةٍ ماسةٍ لرؤية"الآخرين"و أدراك إنه هناك خيار آخر.

كيف باعتقادك يمكن أن يكون المجتمع الدولي مشاركاً بناءً؟

السؤال هو، ما هو الجمهور؟ أولاً كإسرائيلي، على المجتمع الدولي أن يفرق بين سياسة الحكومة الاسرائيلية ووجود إسرائيل. يجب على الشعوب أن تنتقد الحكومة اياً كانت. أي حكومةٍ يجب أن تُنْتَقد أو تُؤيَد، هذا المشروع. ولكن إنتقاد حكومة إسرائيل يجب أن يُفرّق عن إنتقاد شرعية ووجود دولة إسرائيل أظن أن فعالياتنا يجب أن تكون معدة لذلك، أعني إنه يجب أن ننقل رسالة مغايرة للعالم. ليس الأمر أننا أحسن من غيرنا؛ نحن لسنا أحسن من غيرنا. الشعوب يجب أن تعي دائما أنه ليس كالشيء كامل التراص أو التجانس، وهذا مجتمع ككل المجتمعات. أود أن أرى اللاعبين الدوليين يصبحون مشاركين أكثر في محاولة زيادة تقدم إمكانياتنا في إستخدام أدواتنا.كل فعالياتنا ترتكز على التبرعات من منظمات غير الحكومية  كمثيلتنا ،منظمات غير سياسية... لا نحصل على فلس واحد من الحكومة الاسرائيلية، ونحن نعتمد على مساعدات قادمة من حكومات أخرى، أو مؤسسات، أو أفراد متبرعين.

يجب أن نُنَمي الصورة الأوسع للسلام، لا سلامي، أو سلامهم أوسلام هذه الحكومة. أومن أن السلام يُملى عن طريق الشعوب. نحن دائماً بحاجة إلى السياسيين لدفعها خطوة إلى الأمام، و لكن السياسيين يستمعون للجمهور وإذا كان الجمهور، بمعناه الجيد، يطالب بذلك،فنحن بحاجة إلى سياسي شجاع لقيادتهم ودفعها للأمام. هذا ما حدث لرابين، كان لديه أغلبية،كما كان مع بيغين. إذن ما أقوله أنه يمكن تعزيز هذا النوع من المشاريع التي نعمل عليها هنا، و التي هي مشروعة للجميع.

ماذا تعني لك كلمة سلام ؟

هذا مصطلح عام و شامل جداً لشيء لايمكن لأحد أن يعرِّفه. أظن إنه يجب أن يكون لها الكثير من التعاريف، ولكني أومن أن للسلام يجب أن يكون نوع من النهاية الشمولية. يمكن أن يكون لنا سلام أكثر أو سلام أقل، ولكننا يجب أن نصوب تجاه السلام الكبير... السلام الكبير هو ما ساد في أوروبا، بين هولنا و الدنمارك مثلآً. لديهم علاقات عادية، لا يهددون أحدهما الآخر، وكل طرف يسمح للآخر أن يفعل ما شاء. هناك استقلالية في مواضيع لا تتعلق بالوطن، ولكن متعلقة بالفكر والبحث؛ هناك اعتماد متبادل في كل الأمور التي لها علاقة بالوطن، مثلاً، هناك إعتماد متبادل في ما يتعلق في الاقتصاد .ليس هذا هو النوع الوحيد من السلام؛ أظن أن السلام هو ما لدينا اليوم مع مصر، والذي هو عُشر ما وصفته عن أوروبا. لذا أقول أن السلام مصطلح شمولي لعملية هي سكةٌ طويلة فيها الكثير من المحطات على الطريق، و لكن من المهم أن نعرف أنه هناك هدف مطلق.

لذا اتفاقية سلام مع الفلسطينين لا تعني إنه لن يكون هناك متطرفين من الجانبين الذين سيحاولون تخريبها. وهذا لا يعني إن الحدود ستُفتح مباشرةً وسأستطيع أن أبني في نابلس والفلسطينيون سيتمكنون من بناء بيوتهم في تل أبيب. في نهاية الأمر، السلام يمكن أن يؤدي إلى شيء ليس هو بالعالم المثالي، ولكن شيء واقعي؛ إنه شيء نراه يحدث في باقي الأماكن. إذا فحصت تاريخ الحروب في أوروبا، فإن حروبنا لا تقارن.

هل لديك مخاوف متعلقة بالصراع؟

لا، ولا بأي شكل، لا على المستوى الشخصي ولا الوطني. إنها ليست مخاوف، ولكن هناك عدة تصورات مختلفة، والتي أظن أنها قد تحدث، تصورات أفضل و أسوأ. في بناء التصورات هناك شرعية فقط للتصورات الممكنة تِبعاً لمجموعة المكونات والتفاهمات التي لديك في لحظةٍ معينة؛ لا يعني ذلك أنها ستحدث، ولكن تكمن فيها إمكانية الحدوث. لذلك فهي ليست مخاوف، ولكني أظن أنه في أحد التصورات هؤلاء القاطنون في مستوطنة ارائيل والمناطق سيستمرون في المعاناة وقتل بعضهم الآخر حتى اللحظة التي لن يستحمل غالبية الاسرائيليين والفلسطينيين ذلك. إنه ليس خوف، ولكن من ناحيةٍ تاريخية، هنالك خطر على الطرفين إذا لم نختار وبسرعة المسار نحو عملية تقود الى سلامٍ صغير أو سلامٍ كبير.

ما هو تصورك لأسوأ الحالات؟

تصوري لأسوأ الحالات سيء جداً ولكنه ليس الأسوأ لأنه دائِماً يمكن أخذه خطوة الى الأمام. يمكن أن تحضر عوامل غير متوقعة، كقنبلةٍ ذريةٍ من هنا أو من هناك، أو أسلحة بيولوجية. ولكني أظن أنه من السيء جداً استمرار اسرائيل على نهجِها الآن،ودخولها في ما أدعوه بالوضع "السبارتايد". "السبارتايد" هو مزيج لمدينة سبارتا و"أبارتهايد"(سياسة الفصل العنصري)، دولة تستمر في القتال وتثقيف شعبها على القتال وكل هذا يصب في مجتمعٍ حربي. داخلياً، تتبع سياسة الفصل العنصري ضد أقلياتها، لأن ذلك حتماً سينتقل الى اسرائيل. لذا ستكون نوع من المجتمع العنصري ولن يكون هناك سلام مع مصر والأردن وسيستمر التهديد. سننتقل من مناوشات الى حربٍ صغيرة والى ما شابه. أُكرر، هذا ليس التصور الأسوأ لأن هذا التصور يمكن أن يؤدي الى ما هو أسوأ. ذلك يعتمد على القوى التي ستصطف لمنع مثل هذا الوضع. وهذا أيضاً سيدفع علاقاتنا مع أوروبا والولايات المتحدة الى الأسوأ. لذا إنه سيء بما فيه الكفاية، وما أقصد أن أقوله أنا لسنا بعيدين عن ذلك، هذا ما يزعجني. أنا لا أتكلم عن أشخاص من المريخ يأتون لتولي الأمور. أنا أتكلم عن شيء بدأنا بالتوجه اليه.


هذا يبدو سلبياً. ولكنك قلت أنك متفائل.

الجانب الإيجابي هو أنه إذا نظرنا الى النقطة التى كنا فيها 1992، قبل أوسلو، وتنظر الى الصورةحيث وقف هذان المجتمعان بالنسبة لاتفاقية الحل الدائِم، وتقارنها بما نحن عليه الآن، نحن الآن في وضعٍ أفضل بالنسبة الى الأمور الأكثر أهمية من حيث المواضيع والمفاهيم الجوهرية. تاريخياً، بدون شك، نحن في وضع أفضل. ولكن على الأرض نحن في وضع أسوأ. قبل اثني عشر عاماً، لم يُقتل هذا العدد من الأشخاص، الاحتلال لم يكن بهذا السوء، والاقتصاد لم يكن سيئاً. ولكن عندما قلت أننا بدأنا المسير نحو مُجريات أسوأ، عنيت ذلك سياسياً. في نفس الوقت، تاريخياً، هنالك عملية أقوى من لاعبيها، ونحن نتوجه اليها بسرعة وهي الحل النهائي. الحل الذي يرتكز على دولتين.

هل تعني أنه بالإمكان اليوم المناداة حل الدولتين، بعكس ما كان في السابق؟

ليس فقط أنه يمكن القول. إذا سألت اسرائيلي ، أو لنقل مجموع الاسرائيليين ومجموع الفلسطينيين وتقول لهم أنه أمر من الله بأن لا يكون هناك قتال ولا تهديد والحل يرتكز على حدود 1967 و قلع معظم المستوطنات و تقسيم القدس و اتفاقية عادلة مع اللاجئين الفلسطينيين و غيرها مما نصت عليه مبادرة جنيف، هل أنتم مع أم ضد؟ 70-75% من الجانبين سيكونون مع هذا. هذا ما أظن لم يكن ليكون الحال في الأعوام91‘ – 92‘. ليس سيئاً، نحن نتقدم الى الأمام. الشعوب مستعدة أكثر، ولكن ذلك لا يعني أننا سنصل. أظن أن الحياة السياسية والمناخ السياسي وتصرفات السياسيين من الجانبين تقودنا الى مكانٍ آخر. على سبيل المثال لنأخذ مبادرة السلام العربية في مؤتمر العربية السعودية، والتي أُقرّت وأُكدت في بيروت من قِبل القادة العرب، قبل سنتين تقريباً. كان هذا حلم 56 سنة، أن يعلن العالم العربي أنه سيطبع العلاقات مع اسرائيل إذا انسحبت لحدود 1967. هذا تغيير جوهري؛ يعني أنهم أخيراً يقبلون بنا، ليس لأنهم يحبوننا، ليس لأنهم يحبون الصهيونية، ليس لحبهم لليهود، انهم يقبلوننا كما قبلت الدول الأوروبية بعضها البعض ليس لحبهم بعضهم البعض. هذا مؤشرٌ جيد, و الآن بحاجة الى ترجمته الى إنجازات حقيقية.

ما هو الشيء الأهم إنجازه بالنسبة لك؟

لم أُفكر أبداً ما هو أهم شيء يجب أن أنجزه. أكون سعيداً بأن أُساهم بهدف الوصول الى السلام بالنهاية. أظن أنه كان في الامكان الوصول الى السلام في العام 2000، ولا أزال أظن أن ذلك ممكن الآن.