مقاطع في مقابلة التزام مـُرّار

في عام 2003، لم أكن حقيقة أعرف الكثير، فلم أعرف ما هو الجدار، وكيف سيكون تأثيره على حياتنا. لم تكن وسائل الإعلام تهتم كثيرا بهذه المنطقة، ولم نسمع قط عن مسيرات ضد الجدار.

من الناحية الأولى، إذا كنت تدعي أنك تسعى لتحقيق الأمن – ومن حق جميع الناس أن يحموا بيوتهم – وأردت أن تبني جدارا فليكن على أرضكم. فليس من المعقول أن تدعي أنك تريد حماية نفسك وتبني جدارا على أرض جارك. ففي هذه الحالة أنت تستخدم ملك الغير وليس ملكك.

بدأ بناء الجدار في القرية عام 2003. في هذا العام بدأت حركة التصدي من قبل أهل بـُدرس ضد بناء الجدار. كنت في الصف العاشر وكان عمري 15 عاما. والدي كان المسئول عن اللجنة الشعبية لمقاومة بناء الجدار, فكانت كل اجتماعات اللجنة تجري في بيتنا, فوجدت أنه من واجبي كفتاة ومن حقي كذلك أن أتصدى لبناء الجدار.

وبالفعل كانت المسيرة وكانت المشاركة مذهلة، والحماس رائع. عندما توجهت النساء إلى المكان الذي يجري فيه بناء الجدار، كن متحمسات، وكان لدينا إحساس بالتحدي وبأننا سنفعل شيئا. ومنذ ذلك الوقت لم تخرج أي مسيرة بالرجال وحدهم دون النساء، إذ أصبحت المسيرات تضم الرجال والنساء على حد سواء.

في كل مسيرة كنت أخاف، لكنني أقول في نفسي في المرة القادمة لن أكون خائفة. لكن عندما أرى الجيش، يعود الخوف. لكن الشعور بالخوف لم ينسني أن ثمة واجب يجب أن نقوم به. حين ترى الجرافات والجنود للوهلة الأولى تبدأ العمل تلقائيا. كنت أمسك العلم أو مكبر الصوت قبل كل مسيرة وأمضي ببساطة. الخوف موجود دائما لأن كل شيء ممكن، فالجنود لا يعرفون الرحمة ولا الشفقة، وقد يضربوك، وقد يطلقون النار عليك، وقد يعتقلوك. لكن هناك واجب ينبغي على المرء أن يؤديه.

في إحدى المظاهرات، وقف حوالي 200 جندي حائطا بشريا حول الجرافات ولم يستطع أي منا أن يخترق ذلك الحائط. عثرت على فجوة ضيقة ظننت أن بإمكاني المرور منها. وفجأة وجدت نفسي خلف صف من الجنود وفي مواجهة الجرافة. كنت مرعوبة تماما ولم أعرف ماذا أفعل. راودتني فكرة وهي أن أقفز أمام الجرافة. كانت الجرافة تحفر خندقا نتيجة اقتلاع الأشجار لكنه لم يكن عميقا جدا. فقفزت داخل الخندق. حين رأيت الجرافة، أدركت أني وحيدة وأنني مرعوبة. قلت في نفسي: "ماذا عساني أفعل في مواجهة جرافة؟" فمجرد أي حركة منها يمكن أن تؤذني. خشيت أن يتصرف السائق باندفاع. بالطبع تاريخ الجرافات لم يكن مطمئنا – فقد قتلت راشيل كوري بجرافة في غزة. نظرت إلى عيني سائق الجرافة وأعتقد أنه لم يكن يعرف كيف سيتصرف. نظر إلى الجنود وقرر أن يتوقف لأنه لم يستطع أن يفعل شيئا.

حين كنت طفلة كنت أذهب لزيارة والدي في السجن ولم أقابل من الإسرائيليين سوى الجنود. الجنود هم الذين أتوا إلى قريتنا وأصابوا الرجال بجراح، وآذوا قريتنا وسلبوا الأراضي. صورة الإسرائيلي كانت عبارة عن ذلك الجندي المحتل. لكن من هذه المظاهرات اكتشفت أن هناك جانب آخر للإسرائيليين، وأنه ليس كل الإسرائيليين جنودا ومحتلين. وهذا غير وجهة نظري. أظهروا لي أن بعض الإسرائيليين يمكن أن يكونوا أصدقاء لنا وأنه ليس كل الإسرائيليين جنودا.

تجربة بدرس كانت مهمة جدا وفعالة لأنها ضمت الجميع. من ناحية أهالي القرية، فقد شارك أناس من مختلف الأعمار، أطفالا، وشبانا، ومسنين. شارك الرجال والنساء. شاركت كافة التنظيمات السياسية دون استثناء. ومن ناحية أخرى، فقد تواجد نشطاء دوليون وإسرائيليون، وهذا بالطبع جعل المظاهرات في بدرس فريدة من نوعها. كنا بمثابة جسد واحد في المظاهرة نعمل سويا.

أؤمن بحتمية الحرية. مهما طال الأمر، ومهما اقتضت الضرورة من تضحيات، فاننا حتما سوف ننال حريتنا في نهاية المطاف.

مشكلاتنا مع الإسرائيليين لا علاقة لها بالدين. المشكلة الوحيدة بيننا هي الاحتلال. إسرائيل احتلت أرضنا،

من خلال تجربتنا في بدرس، أؤمن أكثر بالمقاومة اللاعنفية والسلمية لأنها ساعدتنا في تحقيق شيء. في الحقيقة كان ما حققناه إنجازا مهما. كانت مساحات شاسعة من أراضي بدرس معرضة للمصادرة، ولكن نتيجة لهذه المظاهرات، لم يتمكنوا سوى من مصادرة جزء بسيط من الأراضي التي كانوا يخططون لمصادرتها، وقاموا بنقل مسار الجدار إلى الخط الأخضر. هذا إنجاز كبير. أية نظرية هي بحاجة إلى أن تختبر فإذا نجحت فمعنى ذلك أنها فعالة. ومن خلال هذه الإنجازات تزداد قناعتنا بأن اللاعنف فعال حقا بدليل ما فعلناه في بدرس.

إن بـُدرس من خلال تجربتها أثبتت أمرا واحدا وهو أن الإنسان بالتصميم الأكيد يمكنه تحقيق أي شيء يرغب في تحقيقه، وأنه ما من قوة تستطيع الحيلولة دون تحقيقه، وأن يضع بـُدرس كمثال نـُصب عينيه فإذا استطاعت قرية صغيرة أن تحقق إنجازا كهذا، فبمقدور الجميع أن يفعل ذلك.