مقابلة مع يعاد شبيطة

من أين أنت وكيف وصلت لنشاطاتك الحالية في هذا المجال؟

حسنا ، ولدت في الطيرة. عائلتي من ناحية الأب أتت من قرية هُجّر سكانها في 1948 من "مسكة" وهي قرية صغيرة بالقرب من الطيرة. وأنا أعتقد بأن كل شيء بدأ هناك. بالتأكيد لم أكن أعلم وأنا في العام الأول من عمري بأنني ابنة عائلة مهجرة، وحين كبرت بدأت أفهم ذلك. كما بدأت عائلتي تهتم بذلك لهذه الأسباب. أنا أيضا ابنة لوالدين نشيطين نسبيا في هذا المجال، والدتي نشيطة جدا، وهي ناشطة ضمن منظمة النساء الدولية للسلام والحرية WILPF، وكذلك في "جسور من أجل السلام " Bridges For Peace، وهي منظمة تعمل في مناطق الصراع في أرجاء العالم. WILPF هي حركة نسوية فلسطينية إسرائيلية، ولكنها تضم نساءً ناشطات في أرجاء العالم. "جسور من أجل السلام“ منظمة فلسطينية إسرائيلية أخرى، أنا لا أعرف ماذا يفعلون اليوم ولكنني أعرف أنها كانت فاعلة هناك. كما أنها عضو في الحزب الشيوعي; لقد كانت مرشحة لعضوية الكنيست عن "حداش" الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة.

بدأت هذا الأمر في مرحلة الدراسة الأساسية، من خلال الترهات التي كانت تقوم بها المدارس اليهودية من لقاءات تعارف بين المدارس العربية واليهودية، لكنها كانت حقا سخيفة.

لماذا كانت لقاءات التلاميذ ترهات؟

لأنني غير مؤمنه بهذه اللقاءات. أدرك أننا كنا صغاراً جدا، ولكن هذه اللقاءات كانت تنتهي باستضافة أحدنا للأخر، لتناول الطعام. في ذلك الوقت نجحوا في خداعنا، ولكن هذا الأمر لم يعد ناجحا الآن لأنني لا أعتقد بأنه حل لأي شيء، بل زاد في بعض الأحيان من الكراهية بين الأطراف. بدأت نشاطي بشكل جدي في الصف الثامن، لأنني ابنة لعائلة شيوعيه كنت ناشطة في اتحاد الشبيبة الشيوعية. في الصف الثامن بدأت بحضور لقاءات " رعوت- سدكاه ".

ما هي رعوت – سدكاه ؟

رعوت-سدكاه حركة عربية يهودية تؤمن بالتعايش من خلال الحوار، وأنا متطوعه هناك. إنها لقاءات للحوار، كأن تلتقي مثلا مجموعة الطيرة/ كفار سابا مرة في الأسبوع بشكل دوري، فالحركة تؤمن بأن لقاءاً واحدا أو اثنين، أو لقاءات لمرة واحدة، غير مجدية. يوجد في المجموعة مرشد عربي وآخر يهودي وطوال العام نتحدث عن معظم الأمور، طبعا لا يمكن الحديث عن كل شيء! ونحن أساسا نعمل مع طلبة في المرحلة الثانوية. انضممت إليهم في سن صغيرة جدا، إذ كنت في الصف الثامن، ولكن ربما لأنني من عائلة كهذه، وربما لأنني وصلت بإرادتي، واصلت حضور اللقاءات حتى الصف الثاني عشر.

هل لك أن تخبريني ما هو الأمر الذي كان الأكثر صعوبة بالنسبة لك، أو هل تذكرين شيئا شكل مفاجأة لك في مجموعة الحوار الأولى التي اشتركت فيها؟

لا اذكر أشياء من السنوات الأولى، ولكنني أذكر أنني كنت سألتقي خلال اللقاءات مع أشخاص يمينيين بمعنى الكلمة. وقد ضمت المجوعة تحديدا أشخاصا نوعا ما ليسوا يساريين بما يكفي، ولكن في بعض الأحيان كنت أتفق مع شخص ما في كل شيء، وفجأة وحين نصل للحديث عن المسائل الجدية، يتوقف كل شيء، وتتأزم الأمور، ولا يبقى مجال لمواصلة الحديث.

ما هي الأمور الجدية التي كانت تطرح خلال الحوار؟

على سبيل المثال موضوع اللاجئين، وجميع المشاكل الموجودة حاليا بهذا الخصوص، وأيضا حين نتحدث عن الجيش– ورغم أنني أسكن حاليا مع يهود، في بيئة مختلفة – حتى الآن لا أستطيع استيعاب شخص يأتي إلي ويقول: " أنا ذاهب للتجنيد ".

{Empty title}

الآن في الوضع الحالي قضية اللاجئين والجيش هي أكثر المواضيع التي أتحسس منها. ربما أتحسس كثيرا من موضوع اللاجئين بسبب وجود أقرباء لي من اللاجئين وربما بسبب عدم وجود حل لهذا الموضوع حتى الآن.

{Empty title}

أذكر أنني جلست جانبا خلال اللقائين الأول والثاني و شاهدت. لاحظت أن جميع الحضور من البالغين، وفكرت فعلا ماذا سأقول؟ بالتأكيد أقول الآن ترهات، فجميعهم بالغون – في المرحلة الثانوية – وأنا مجرد طفلة صغيرة. ولكن في الوقت الراهن سأحضر، وأشاهد، وأستمع. بعد ذلك لاحظت بأنني دخلت إلى صلب الأمور، ولم أستطع الجلوس جانبا أكثر وأكتفي بالمشاهدة. تلك كانت الخطوة الأولى. وأمي شجعتني، وهي رغبت في أن أذهب إلى هناك. في النهاية، حين وصلت إلى المرحلة الثانوية، وكان لدي الكثير من الدروس والواجبات المنزلية التي احتجت التنازل عنها،

{Empty title}

لكن تلك اللقاءات كانت أولى أولوياتي، كنت مستعدة للتنازل عن أمور كثيرة ولكن ليس عن هذه اللقاءات، خاصة حين رأيت الفرق بين بداية العام ونهايته عند بعض الأشخاص. لا أذكر تماما ماذا حدث ، ولكنني أذكر بأنه وفي عامي الأول أو الثاني حضر أشخاص بداية العام يحملون آراءً معينة، وفي نهاية العام تغيرت لديهم أشياء كثيرة. ومنذ ذلك الوقت وأنا مقتنعة بأن هذا يمكنه أن يغير شيئا بالفعل.

وماذا عنك؟ هل بإمكانك تذكر شيء تغير عندك خلال الحوار؟

عندي أنا؟ هذا سؤال يوجه إلي كثيرا. لست أدري. بالطبع تغير الكثير! ولكنني لا أشعر بذلك. لا أتذكر نفسي في الصف الثامن، إذا ما كنت متطرفة... أذكر فقط نشاطا حضرت إليه يهودية واحدة مقابل 5-6 عرب، طلبوا منا خلال النشاط رسم الخارطة وتقسيمها كيفما نريد. بالطبع كان عملا أحادي القومية! الطفلة اليهودية جلست جانبا ورسمت تصورها فيما أخذنا نحن نتجادل فيما بيننا. عدد من أفراد المجموعة أرادوا أن تكون الخارطة دولة فلسطينية فقط، وأنا لم اتفق معهم بأي شكل، وقلت أنا وشخصين أو ثلاثة آخرين: "حسنا نقوم بذلك وحدنا". وما قمنا به لم يكن حقيقة ينم عن ذكاء! قسمنا الخارطة إلى جزأين جنوبي وشمالي. وضعنا اليهود في الجزء الجنوبي والفلسطينيين في الجزء الشمالي.

وحين عدت إلي البيت أخبرت أمي بما حدث في النشاط، دائما كنت أخبرها بما يحدث في المجموعة، وقالت لي: "ماذا؟ لماذا؟ وبدأنا نتحدث عن هذا الأمر. لماذا يكون هذا طموحك؟ بأن يسكن كل واحدا في مكان مختلف، إذا كان هذا المكان سيؤول إلى شعب واحد وانتهى الأمر. "حينها اقتنعت، لقد كنت في الصف العاشر ولم تكن قد تبلورت لدي آراء فاقتنعت بما قالته، وكان الشيء الأول الذي قلته خلال اللقاء التالي:
"أريد أن أقول شيئا يتعلق بما جرى في اللقاء السابق، لقد غيرت رأيي والآن أنا أفكر هكذا،" لقد رغبت في قول ذلك أمام المجموعة.

ماذا كان حلك لقضية تقسيم الخارطة حينها، في مجموعة الحوار في المرحلة الثانوية؟

حلي حينها كان -- لم أقم تماما بتقسيم الخارطة. لم تكن في رأيي حدود معينة، ولكن بكل تأكيد كان الحل حدود 1967، ولا زلت مؤمنة بها حتى الآن، من يذهب بأحلامه بعيدا، يحلم بدولة واحدة لشعبين. ولكن كما هو مفهوم هذا مجرد حلم، وتحقيقه.... حقا مستحيل، حسب رؤيتي للوضع. أعتقد أن حلي كان حدود 1967. لو كنت في عام 1948 لدعمت فكرة أن تبقى هذه الدولة فلسطينية مع إيجاد حل بديل لليهود. ولكن حاليا لا أرى حلا آخر لليهود. ولأنني لا أرى حلا الآن، ولا أريد أن أطردهم كما طردونا، من الأفضل أن نعيش سويا في نفس المكان. لو كان لنا أن نختار بين دولة فلسطينية، ودولة إسرائيلية، أو دولة واحدة للشعبيين، كنت سأختار الدولة الواحدة ولأن هذا الأمر لم يعد عملي فإنني أختار الحل التالي: دولتين لشعبيين.

ما شكل الحل الذي ترتئيه عائلتك للصراع ومكان سكنهم في هذا الواقع؟

من ناحيتي لم أرغب مرة في السكن في دولة أحادية القومية، حتى لو قامت الآن دولة فلسطينية لا يهمني أين أسكن، ولكنني أريد تحديدا أن أبقى هنا. أينما يصنفون الطيرة سأكون هناك، أنا لا أقرر أين سأسكن، ولكن إذا بقيت هنا فانه سيكون رائعا، ولكنني بالطبع لا أرغب في استمرار الوضع الحالي، وأنا غير راضية تماما عن وضعي كفلسطينية تسكن دولة إسرائيل.

هل يمكنك أن تحدثيني قليلا عن مشاعرك كفلسطينية تسكن في إسرائيل؟

كفلسطينية في هذه الدولة لا أشعر تماما بمواطنتي في الدولة. ولا أشعر بأن الدولة تمنحني المواطنة التي أستحقها. في البداية حين سكنت في البيت مع عائلة تي في الطيرة تحدثت عن ذلك دون أن أشعر به حقا. و لكن وقعت أمور في عدة أوقات صعبة للغاية، شعرت خلالها حقا بهذا. الآن وأنا أتواجد في تل أبيب أعيش هذه التجربة يوميا، أدرك في كل يوم ماذا يعني أن تكون عربيا أو فلسطينيا في هذه الدولة ...

هل من مثال على ذلك؟

يوجد مثال من الفترة التي سبقت انتقالي إلى يافا. في صيف 2002، سافرت عائلتي في نزهه مع أربع أو خمس عائلات أخرى من الأصدقاء، وذهبنا إلى شاطئ البحر. ونزهه كهذه لم نقم بها من سنوات طويلة، أعتقد لأسباب أمنية، ولعدم وجود الإرادة والقوة لأي منا، ولم تكن الحالة المزاجية مناسبة للذهاب في نزهه، ولكن قررنا حينها الذهاب إلى شاطئ البحر، وأن نشوي اللحم وما إلى ذلك. جلسنا هناك طويلا، وكنت الأكبر بين الأطفال، لقد كان وقتا ممتعا.

حوالي الساعة الحادية عشرة ليلا، وصلت مجموعه من الشبان، خمسة أو عشرة أو عشرين شابا. كنا نجلس على العشب وكان معنا أطفال صغار جدا "ما بين سنة وسنة ونصف". وسأل أحد الشبان: ماذا! هل أنتم عرب؟ أجابته والدتي نعم، وهل لديك مشكلة مع هذا؟ وحينها هاجمونا. لقد حدث هذا في منطقة "جفعات أولغا"، وهذه لم تكن المرة الأولى التي يحدث فيها مثل ذلك الأمر في نفس المنطقة، وكانت النتائج خطيرة.
في النهاية انصرفت مجموعة الشبان، حين شاهدونا نرد عليهم، ولكن يد أحد الأشخاص الذين كانوا معنا كسرت وبقيت في الجبص لأربعة أشهر تقريبا. وتلقى أبي طعنة في بطنه، وبمعجزة لم تكن الطعنة خطيرة، ناهيك عن الصدمة التي تلقاها الأطفال الصغار الذين كانوا معنا.
مثل هذا يحدث... بسبب الوضع السياسي الناس أصبحوا ... يحدث مثل هذا. لكن سؤالي كان – الشرطة، أين كانت؟ لم تقم بأي شيء نهائيا. مثل هذا الأمر وقع سابقا لأشخاص آخرين قبل أن يحدث لنا وحدث عدة مرات بعدنا في نفس المكان، وبكل تأكيد كانت نفس العصابة ولكن الشرطة لم تفعل شيئا، ولأن عائلتي لديها بعض العلاقات وصل الأمر قليلا لوسائل الإعلام. لكن لو حدث هذا مع عائلة يهودية؟ هل كان سيمر بهدوء؟ أنا لا أعتقد. رغم وجود محامين معنا، الأشخاص الذين كانوا معنا تدخلوا بشكل جدي في الأمر، لقد ضغط المحامون لعمل شيئا ما، لأنه لا يتعلق بنا وحدنا، إنه أمر مألوف هنا. حتى الآن لم يحدث أي شيء قطعيا. استدعتنا الشرطة عدة مرات لمعاينة بعض الصور ولكنني على قناعة بأن الشرطة لو أرادت العثور عليهم حقا لفعلت منذ زمن.

هذا مثال واحد أتذكره دائما. لقد صدمني بقوة، وفي كل مرة أتحدث عنه أتذكر تحديدا هذا الأمر. لم أتذكر مطلقا أمورا حدثت قبل ثلاث أو أربع سنوات، وكيف حدثت، ولكن هذا الأمر أتذكره جيدا. في حديث استكمالي في نوفمبر 2004 أغلق الملف دون الوصول إلى نتائج.

{Empty title}

بعيدا عن ذلك، وكما قلت لك، إنني ابنة عائلة مهجرة وأذهب لزيارة قريتنا بين الفينة والأخرى. حين أرى القرية مهدمة تماما، دون أن يفعلوا لها شيئا، فقد أخذوها وطردوا السكان منها لزراعة بعض البيارات هناك ليس إلاّ، فانني أشعر بالغضب لأن هذا أمر فظيع. أنت تعرفين كيف تجري الأمور عندنا، يمتلك الأشخاص أراض أراض ويبنون عليها وهكذا تستمر حياتهم. الآن، إخوتي يحتاجون مكانا يبنون عليه بيوتهم ووهذا ليس مثل استئجار شقة في تل أبيب أو القدس. تواجه عائلتي الآن مشكلة جدية حيث طردنا من قريتنا وليس لدينا أراض . وهذا ليس السبب الوحيد لغضبي. أنا موجودة هناك في "مسكة" وأشاهد المكان مدمرا تماما. يأتي الناس إلى هناك وأسمع جدتي تقول: "سكنت هنا، بيتي كان هنا،" هذا فظيع ومحزن. حدثت نكبة عام 48 والآن أرى أن ما حدث في بعض الأماكن كان دون أي مبرر أو سبب.

لو كان لاجئ من يافا يسكن ذات يوم مكان جارنا اليهودي حاليا لم أكن مطلقا لأقول للجار اليهودي أن يعيد للاجئ مسكنه لأنني لا أريد أن أصنع له نكبة. ولكن في القرى المدمرة ، أكثر من 400 قرية غالبيتها في وضع متشابه، طرد وا الناس، من أجل ماذا؟ تبا! لماذا فعلتم هذا؟ ماذا أردتم؟ ماذا يعني طرد الناس وقتلهم دون أي مبرر؟ ماذا يعني تنفيذ نكبة فظيعة؟ أعتقد أن ما يؤثر فيّ أكثر وأكثر هو هي الأمور الشخصية. حين وصلت إلى هنا "يافا" بدأت آخذ الحياة بصورة أصعب قليلا. في البداية كنت أرى هذه الأمور نظرياً. أما الآن فأعاني منها عملياً.

هل تتحدثون عن هذه الأمور مثلما تتحدثون عن موضوع اللاجئين في مجموعات الحوار؟

أجل، لكن ليس حين أكون مرشدة، بل حين أشترك كمتعلمة.

كيف أثر عليك الحديث عن مواضيع مثل اللاجئين؟

يتوقف على عدة أشياء، في الكثير من المجموعات تكمن المشكلة في وجود آراء مسبقة لدى المشاركين، هذا العام في معسكر Building Bridges for Peace "بناء جسور السلام" كان الأمر مختلفا قليلا. حين تحدثت إليهم شعرت حقا بأنني أنقل لهم شيئا، حضرت فتاتان متدينتان "يهوديتان" لم تعرفا شيئا، قدمن من منطقة "يبنا"، من مكان لم تعرفا فيه شيئا غير الأمور المتطرفة التي يقولونها لهن. في مرحلة ما شرعن عن بالبكاء وقلن: "نريد الذهاب إلى البيت، لا نستطيع التحمل أكثر، نحن نسمع أشياء أكثر مما ينبغي. نسمع من البنات الفلسطينيات اللواتي يعشن في إسرائيل ومن ساكنات المناطق الفلسطينية أشياء نسمع عنها للمرة الأولى! نحن لا نعرف ماذا نفعل! إنها تشبه الهجوم علينا".

حينها أنا فهمتهن، أنا أعرف من أين جاء هذا، هذا ليس ذنبهن، بل ذنب من ينقل لهن هذا في وسائل الإعلام والبيئة المحيطة بهن. ولكن أيضا لم يكن من السهل علي أن أقول لهن: "لا بأس، هذا جيد لا أريد أن أقول لكن المزيد، " أو "أنا لا أريدكن أن تسمعن المزيد" لأنه من المهم لي أن أنقل هذه الأشياء لهؤلاء الناس تحديدا. من المحزن أن نسكن على بُعد ساعتين من بعضنا البعض وهن لا يعرفن أين أسكن، ولا يعرفن كيف أعيش. قبل وصولهن للمعسكر، لم ي عرفن كيف يعيش الناس هنا في يافا، أو لماذا يعيش الناس هنا هكذا بهذا الشكل، لماذا يبدو الحي الذي نعيش فيه حاليا هكذا. إنه حي مهمل تماما.

في بعض الأحيان حين أفكر في مجموعة الحوار يمنحني ذلك بالفعل شعورا جيدا ولكن حين أتذكر مثل هذه الأمور أشعر بحزن شديد، أما الآن فعندما أستذكر هذا يراودني شعور رائع، لان هؤلاء البنات الآن مطلعات على أمور كثيرة. مثلا واحدة منهن تنوي المواصلة معنا هذا العام في المعسكر، و أخريات كن قد شاركن في الحوار طيلة العام رغم معارضة عائلاتهن. لقد واجهن بعض المشاكل في البداية مع والديهن، ولكنهن أدركن أنه ليس بمقدورهن الاستمرار أكثر في هذا الوهم والفراغ الذي كن فيه.

إنهن مجبرات، في الخارج يوجد واقع مختلف، لأسفي الشديد، قررت إحداهن التجند بعد الثانوية، وهي متدينة، وبالتالي غير ملزمة بالتجنيد، وهي لم تدرس هذا الأمر في البداية. ولكنها تعتقد الآن أنها تريد أن تتجند. ما علاقة هذا الأمر؟ لم أفهم العلاقة، لأن هذه نقطة حساسة بالنسبة لي، لم أستطع أن أتحدث في أية مرة مع الناس عن هذا الموضوع المتعلق بالجيش، وأن أخرج بنتائج جيدة. كلي أمل "في مجموعة الحوار" أن تجعلها تعدل عن ذلك فيما بعد.

حدثيني قليلا عن المعسكر. ماذا ستفعلين خلال الصيف؟

بدأت الاشتراك بالمعسكر عام 2002. وصلت إلى هناك بسبب صديقتي اليهودية التي كانت ناشطة في منظمة "رعوت-سدكاه"، لقد كانت مشاركة في المعسكر. في البداية فهمت بأنه سيكون هناك في الولايات المتحدة فتيات فلسطينيات، وفلسطينيات – إسرائيليات وكذلك إسرائيليات، وهذا بدا ساحرا، كونه في الولايات المتحدة، ويتعلق بموضوع سبق وقمت به. بدأ المعسكر، وبدأت الأمور الصعبة. في سنتي الأولى كانت الكثير من المشاكل الفنية في المعسكر من ناحية الميزانية –الأموال– لذلك كانت معظم البنات اليهوديات في المعسكر مشاركات للمرة الثانية، أو الثالثة. أما وفدي وهو فلسطينيات من إسرائيل، فكانت المرة الأولى بالنسبة لغالبيتنا وكذلك الأمر بالنسبة لوفد الفلسطينيات، باستثناء فتاتين.

كما هو مفهوم يحاولون في البداية جعل هذا الأمر ممتعا، نلعب وتتعرف الواحدة على الأخرى، وبعدها ندخل في صلب المواضيع الصعبة جدا.
وأتذكر أن أصعب ما في الأمر كان وجود بنات متطرفات جدا في وفدي، في حين لم يكن في الوفد اليهودي متطرفات، بل بنات لسن باليساريات المتشددات، أو لسن ممن أتفق معهن تماما، ولكن لم تكن متطرفات تماما. لقد كان أمرا صعبا وفظيعا! حيث توجب علي التواصل والارتباط بهذه المجموعة، التي أشترك معها بمعتقداتها. أنا من ضمن الوفد ولست مستعدة للتنازل عنه. كما أنني لست مستعدة للتنازل عن كيفية تقييمي لنفسي. وفجأة أجد نفسي متفقة مع الكثير مما تقوله المجموعة اليهودية ! يوجد عدد من بنات الوفد الفلسطيني... لم أستطع الاتفاق مع ما قلنه رغم أنني همت كل ما قلنه.

أنا أتفهم كل شيء تقوله فتاة من جنين ولماذا تقوله ، لماذا تقول لهن: "حين أكبر سأذهب وأفجر نفسي داخل حافلة،" كان سماع ذلك غاية في الصعوبة لكنني أتفهمه تماما.

هل تذكرين الأشياء التي اتفقت عليها مع المجموعة اليهودية؟

ليس تماما، لا أتذكر أمورا محددة، وبشكل عام لا أعرف لماذا لا أتذكر الأشياء التي وافقتهن عليها! – اكرر مجددا المواضيع التي طرحناها: قضية الجيش التي تحدثنا عنها كثيرا، لوجود بنات على أبواب التجنيد في الصف القادم أو الذي يليه، و قضية اللاجئين ... لم نتجادل مرة حول وجود دولة فلسطينية في حدود 1967. الأشخاص الذين يحضرون دائما يتفقون على هذا الامر، ولا يوجد لديهم مشكلة مع هذا، ولكن حين ندخل في صلب هذه الأمور مثل، ماذا تريدون أن يكون داخل حدود 67؟ هل تريدون مواصلة الحياة كما هي الآن؟ أم تريدون تحسين الأحوال المعيشية لمن يسكنون فيها، وجعل الناس يشعرون بإنسانيتهم بعيدا عن 67؟ كيف ستقوم الدولة الفلسطينية؟ هل تعتقدون بأن الناس قادرون على إقامة الدولة لو ترك الجيش المنطقة الآن؟ مثل هذه الاسئلة تستفزني .....

لم أذهب إلى الضفة منذ فترة، سنوات طويلة لم أزر المناطق، ولكنني على الأقل أعرف الوضع، لدي أصدقاء يسكنون هناك، وأشاهد ذلك في التلفزيون. أرى كيف هو الوضع هناك وأنا مقتنعة بعدم إمكانية قيام دولة هناك دون مساعدة. الناس يقولون لك: "اسمعي، لماذا لا ينظمون انتخابات ويغيرون رئيس الحكومة، وزعيمهم؟" سحقا! ماذا؟ كل ما يحدث هناك هو بسبب زعيمهم؟

ما هذه الترهات؟ لقد حاصروا زعيمهم شهرين داخل مكتبه، ماذا تريدون منه أن يفعل؟ حين نأتي على ذكره "عرفات" تنفجر الأمور! والناس يناقشون الأمور وكأن الحديث يدور فقط عن عرفات وشارون! وكأنهم يطلبون من عرفات إيجاد حل الآن.

"تعالوا الآن نجد حلا. نريد الآن أن يجلس عرفات وشارون مع بعضهم. ولا علاقة لهذا بأي جيش، ولا بالأشخاص الذين قتلت عائلاتهم، وهدمت بيوتهم، وليس مرتبطا بمشاعر الناس، عرفات يرسل من يفجرون أنفسهم وهذا ذنبه، وهو ملزم الآن بوقف هذا." هذا ما يقولونه لي وهذا يغضبني جدا.

هذه الأمور طرحت طوال الوقت في المعسكر في سنتي الأولى. أمور لا أفهمها، سحقا، ماذا تريدون مني!عن أي شيء تتحدثون؟ ويوجد لديكم نماذج من بنات حضرن من هناك وأخريات يعشن مع هذا كل يوم، وتأتي إحداهن فتقول لكم: "هذا أملي، أن أكبر لأفجر نفسي"- ماذا تريدون منها أن تفعل؟

هذه أمور كانت تطرح باستمرار. رغم شعوري في بعض الأحيان في المعسكر بأنني أميل لهذه المجموعة أو تلك، دائما شعرت بالانتماء للمجموعة الفلسطينية، ولكن ثمة أمور قالتها المجموعة اليهودية وتفهمتها، أشياء لا يمكن للمجموعة الفلسطينية أن تفهمها لأنه بالنسبة لهن هذا هو اللقاء الثاني مع يهود، والمرة الأولى مع الجيش! ماذا أتوقع أن يكون شعورهن؟

أي نوع من المشاعر هذه- انتمائك إلى هذه المجموعة وتلك في نفس الوقت؟

أشعر وكأن المجموعة الفلسطينية التي تعيش في دولة إسرائيل غير موجودة، وكأنه ليس لدينا مشاكلنا الخاصة، وكأننا نعيش في وضع جيد: نحن الفلسطينيين الذين نعيش في وضع جيد. أوضاع اللاجئين ليست بالجيدة، وكذلك الحال بالنسبة للفلسطينيين في الضفة وغزة، أما نحن فأوضاعنا جيدة! ولكن في حياتي اليومية لا أشعر بذلك حقيقة. وهو غير صحيح! نحن أيضا لدينا مشاكلنا: ربما تكون أقل بروزا، فعمليا لا يأتون في كل يوم ويهدمون لنا بيتا، وهذا لا يعني أنهم لا يقومون بذلك، إنهم يقومون بذلك ولكنه ليس كما في رفح مثلا.

ولكنني كنت دائما أفهم مصدر ذلك ومن أين أتى شعوري بالانتماء للمجموعة الفلسطينية، رغم أنني نظريا لا أعيش هناك. بالذات أنا أعيش مع البنات اليهوديات وربما يوجد لدي مصلحة في الانتماء إليهن، لأنني أسكن معهن! إذا كان هناك شخص يمكنه مساعدتي، فهو تلك البنات. ولكن لم أفكر مرة بهذه الطريقة، بأنني أريد أن أكون هكذا، لم أفكر مرة بأنه يتوجب علي السير حسب مصلحتي. إنه لمن الصعب الارتباط بما قلنه، وترك ما تقوله البنات الفلسطينيات، فالظروف التي يعشنها، هي ذاتها التي أعيشها أنا، ولكن ربما بصورة مختلفة قليلا.
في السنة الثانية اختلفت الأمور قليلا. نجحت بعض البنات في التواصل مع المجموعة الإسرائيلية. كنت حينها في طور التأهل للإرشاد لذلك ساعدت المرشدين وكان الأمر صعبا. لقد كانت سنتي الثانية في المعسكر، أنا والفتاة التي قالت إنها مستعدة لتفجير نفسها في جنين، وهي الأخرى كانت مرشحة لتصبح مرشدة في ذات السنة. سمعت كيف أن كثيرا من الأمور تعيد نفسها. إنها الأمور ذاتها التي سمعتها السنة الماضية من أشخاص آخرين.
وقعت ذات مرة حادثة معقدة بالفعل: في كل سنة كانوا ينظمون لنا ثلاثة نشاطات، وكل مجموعة ذهبت إلى نشاط مختلف. وطبعا أخذوا المجموعة الإسرائيلية" وأيضا البنات الفلسطينيات اللواتي يسكن في إسرائيل" إلى متحف المحرقة النازية، وهو ما فعلوه معنا أيضا في السنة الأولى.
في تلك السنة كتبت إحدى الفتيات الفلسطينيات "د" باللغة العربية: " ليمت جميع اليهود". يوجد في نهاية المتحف كتاب الضيوف وكتبت الفلسطينية فيه " ليمت جميع اليهود، لا يهمني الصور الكثيرة التي أراها هنا لأنني أشاهد في حياتي نفس المناظر التي تتكرر منذ خمسين أو ستين سنة".
حينها قرأت طفلة يهودية تعرف العربية تلك العبارة وقبل أن ندرك بأنها قرأتها أشاعتها بين الجميع: "اسمعوا، تلك الشابة كتبت كذا وكذا ويجب أن لا نسكت على ذلك."
كان معسكرنا في ولاية نيوجيرسي فيما كنا نحن بمدينة واشنطن، لذا استغرق الأمر وقتا حتى طرح. وحين وصلنا إلى المعسكر كان قد فات الأوان.الطفلة اليهودية التي قرأت العبارة كانت متدينة، وتحمل آراءً غريبة لم أستطع فهمها حتى الآن، وقررت أن تتحدث بنفسها مع الفلسطينية التي كتبت تلك العبارة.
الطفلة الثانية (الفلسطينية) قالت بداية الأمر: سألتزم الصمت، ولن أرد على ذلك." وبعد ذلك قالت: "اسمعيني، هذا ما أشعر به وأريد أن أقوله حتى وأنتن معنا هنا."
وبطريقة أو بأخرى فتح الأمر للنقاش فجلسنا جميعا في الغرفة. كان الوقت متأخرا جدا في الليل، وفي اليوم ذاته استفقنا في الخامسة صباحا ولم ننته حتى الواحدة أو الثانية ليلا. وضع طاقم المرشدين التابع لنا نفسه جانبا، ونحن جلسنا وبدأنا نتحدث عن هذا. في البداية انحصر الأمر بين فتاتين أو ثلاثة، ومن ثم أدركنا أن الأمر مرتبط بنا جميعا.
أنا لم أكتب ذلك لكن لدي ما أقوله بهذا الشأن. ولأننا كنا كثيرات العدد فإننا نحتاج شخصا يدير النقاش وهذا ما قامت به جولين.
في البداية كان نقاشا بين فتاتين "لماذا كتبت هذا؟" وكأنها كتبت هذا نكاية بها بشكل خاص لذا قالت: "أنا غاضبة جدا." في مرحلة ما كنت عصبية! وقلت لها: "اسمعي، أنا أعرف لماذا أنت عصبية وأنا أتفهم هذا ... أنا أيضا لم أكن على استعداد لأقول تلك العبارة ولكنني أعرف أن "د" لديها الكثير من القصص الشخصية التي تمتنع عن روايتها وأن شيئا ما أدى بها إلى قول ما قالت."
قبل ذلك كان الجميع يبكي، لم يستطعن تحمل هذا، حينها قلت: " امنحوا "د" الفرصة لتعبر عن نفسها لأنها طوال المعسكر لم تقل شيئا ولم تخبرنا بأية قصة شخصية رغم أنني أعرف أن في جعبتها الكثير مما تقوله. تعالوا قبل كل شيء لنفهم لماذا قامت بهذا العمل فربما تفهموا حينها مصدره.
حينها بدأت في رواية قصتها الشخصية: "قبل قدومها بشهر أطلق جندي النار على عمها وأرداه قتيلا ." بعد هذا تغير مسار النقاش وأخذ الحضور يحدون من تفسير الأمور من منظور شخصي وشرعوا يتحدثون بصورة جدية.
كان من الصعب عليهن الاستمرار مع تلك الفتاة. حتى فتيات مثل "أ" التي خضعت للتأهيل معها وكانت معنا في المعسكر. كان صعبا حقا معها، رغم أن "أ" إنسانة حقا يمكن التعامل معها بسلاسة ومن السهل عليها أن تندمج وترتبط مع المواضيع وهي تفهم معظم الأشياء التي يقولونها، وهي لم تعارض مرة واحدة شخصا معينا، ولم تواجه صعوبة مع "د". بعد يومين رأى المرشدون بأنه لا يمكن الاستمرار بهذه الصورة، مولدي " فلدمان" المسئولة عن المعسكر قالت بحدة شديدة: "اسمعوا! لا يمكننا الاستمرار بهذا المعسكر هكذا. لا تتحدثن بما يكفي عن الأمور التي ينبغي أن تتحدثن عنها، ونحن نمنحكن الوقت الحر ليس للجلوس واللعب إنما من أجل حل هذه الأشياء! سوف تمكثن هنا أسبوعين بالمجمل، وقد لا يعود بعضكن مرة أخرى، لذلك عليكن استغلال هذه الفرصة."
كانوا يمنحوننا ساعتين عبارة عن وقت حر وهو الأطول الذي كان لي طيلة حياتي "أريد أن أشاهدكن تستغلن هذا الآن. لن أقسمكن لمجموعات، ولن أعطيكن توجيهات ولكن أريد أن أقول لكن إن الطاقم لا يمكنه العمل بهذه الطريقة. أنتن لا تتحدثن بجدية، ولا تنفتحن على الأمور الجديدة، وليس لأجل هذا أتيتن إلى هنا."
وما حدث أن كل واحدة أمسكت بأخرى تعرفها وتريد التحدث إليها. وهذا كان جميلا جدا، وانقسمنا جميعا لأزواج أو ثلاثيات دون أن يقوم أحد بتقسيمنا، لقد كان مساءً مميزا جدا سيكون من الصعب علي نسيانه. وأنا أعتقد أن أمراً كهذا كان سيحدث آجلا أم عاجلا وإذا لم يحدث، كانت الفتيات سيعدن أدراجهن دون تحقيق ما حضرن لأجله، وهو التحدث بصدق وإخلاص. بعد ذلك لم تحضر الفتاة الفلسطينية لقاءات أخرى طيلة العام. تحدثت إليها عدت مرات وفجأة حضرت إلى لقاء وكان الأمر غريبا لأنني لم أعرف فيما إذا غيرت رأيها أم أنها فكرت في ذلك مرة أخرى وأدركت أن ما قامت به كان خطأ. وقد رشحت نفسها للوصول إلى وظيفة المرشد هذا العام.
ورغم أنها لم تقبل كمرشدة إلاّ أن خطوتها كانت في غاية الأهمية.

هل تذكرين شيئا قيل تلك الليلة بشكل خاص؟

أتذكر أن “د" تحدثت بالألغاز، ولكن في تلك الليلة نجحنا بجعلها منفتحة وأن تتحدث عن كل شيء. تحدثت عما دفعها لكتابة تلك العبارة، وحكت لنا ما حدث مع عمها. أنا لا أتذكر التفاصيل لكنها قالت أنه قتل على يد الجيش الإسرائيلي قبل أشهر من قدومها للمعسكر. قبل ذلك كانت ترى الإسرائيليين أعداءا وتكرههم ولا تريد التحدث معهم. ولكن في تلك الليلة جعلناها تتحدث لأنني أنا وهي نعرف كيف تشعر، ولكن الأخريات لا يعرفن شيئا، ونحن مجبرات على تعريفهن وإفهامهن. بعد أن انفتحت أعتقد أنه أصبح من الأسهل على المجموعة أن تتفهم لماذا كانت تتصرف على ذلك النحو. كانت في مجموعة مع "أ" وطوال الوقت حدثت مشاكل بينهن، ولكن بعد تلك الليلة تحسنت الأمور، لدرجة أنها شعرت براحة أكبر. وبعد سنتين أعتقد أن شيئا ما تغير فيها ولكن يبدو لي أنها تخاف أن تعبر عنه.

لمن لا يعرف طبيعة الوضع، كيف تفسرين أهمية الحوار إلى هذا الحد؟ لماذا تقومين بذلك؟

أقوم بما أقوم به لأنني أرغب به من أجلي ومن أجل شعبي، لأنني أعتقد أن هذه الأمور بإمكانها يوما ما أن تحسن شيئا، أن تفعل شيئا. لا أعتقد أن جلوسي في البيت، واهتمامي بالدراسة والحصول على شهادة، حتى وإن كانت درجة بروفسور، والعمل في نطاق تخصصي فقط دون أن أقوم بشيء أخر سيغير شيئا. من أجل هذا حين كنت في التوجيهي، وكانت هناك مظاهره فكرت في ذلك عشر مرات "أن أذهب إلى المظاهرة أو أن أجلس في البيت للدراسة ؟" رغم أن أمي دائما كانت تقول: "هذا ما سيساعدك في الحياة، أن تحصلي الآن على شهادة التوجيهي، تشقي طريقك من خلال ثقافتك وتعليمك." فهمت الآن عن أي شيء كانت تتحدث. ولكن حينها كان صعبا علي استيعاب وفهم ذلك- المذبحة التي حدثت في جنين، "اسمعي، الناس ذاهبون للتظاهر وأنت تريدينني أن أجلس في البيت وأدرس للتوجيهي؟ أي جو دراسي هذا؟" الآن أصبحت أفهم، ونادمة على الكثير من الأمور التي حدثت، رغم حصولي على درجات جيدة. أعتقد أن ما أقوم به الآن ... أقوم به من أجل نفسي، لأنني أفهم وأرى أن ثمة أشخاص لا يهمهم ما يجري هنا، ولا يهمهم أن يغيروا، لقد ملوا، مثل غالبية الناس الذين يسكنون هنا في يافا. نحن نعمل معهم منذ ثلاث أو أربع سنوات، نحن موجودين هنا وبالكاد يعرفنا الناس. جيراننا هنا بالكاد يعرفوننا.

ماذا تفعلون مع الناس في الحي بيافا؟

بالأساس غالبية عملنا ليس في يافا. نحن نتطوع في مختلف الأطر، ونحاول الاندماج بالعمل الجماهيري ضمن الأطر الموجودة هنا، وهي ليست بالأطر الكثيرة.الآن نخطط لمعسكر عمل تطوعي مثل الذي كان في يافا قبل سنتين. في العام الماضي كان في قرية بدوية غير معترف فيها بالنقب، هذا العام قررنا القيام بذلك هنا، في حينا، لأنه حي يعاني من وضع ليس بالجيد، ولأننا نريد أن نحافظ على الاستمرارية. إن عملا على مدى أسبوعين ليس بإمكانه تغيير كل شيء، لكن نريد معسكر العمل... لنشعر بالانتماء لهذا المكان وأنا أقوم بتطوعي هذا نهاية كل عام .

أنا من الطيرة، والوضع هناك ليس جيدا إلى هذا الحد، وأنا أحضر إلى يافا لأرى أن الوضع أسوء بمليون مرة، وأنا أتي لأحسن مستوى معيشتهم! هذا يبدو مضحكا! آتي من مكان وضعه متردي، لأحسن وضع الناس هنا؟! أفهم بأن اليهود يأتون للقيام بهذا، ولكن لماذا يوجد طالب ممن يسكنون معي، مستعد للتنازل عن عدد كبير من الدروس ليقوم بما نقوم به هنا، يبدو غريبا، إنه من كفار مندا، وهي قرية في دائرة الخطر أو الخط الأحمر باستمرار، فمن وجهة نظر الدولة هي قرية سكانها متورطون بالإرهاب ... إنها قرية تتعرض للهجوم، مثل غالبية القرى والمدن العربية هنا.

إذا لماذا قررت السكن هنا في نمط تعاوني بين اليهود والفلسطينيين؟

تحديدا لأننا نحن من نعيش مثل هذه الأمور، بالذات نحن من يعتقد بضرورة القيام بهذا. نحن نعيش هذه الأمور ونود تغيرها! يبدو هذا غريبا. لماذا لا أحاول أنا تغيير شيء في الطيرة بدلا من قدومي إلى هنا. لست أعلم ماذا يمكنني أن أحسن في الطيرة، لا يوجد لدي هذا الإطار هناك.

حدثيني كيف يبدو العيش المشترك في بيت تابع لرعوت-سدكاه؟

نحن نعيش هنا في تعاونية تابعة لحركة رعوت-سدكاه. نسكن سويا سبعة متطوعين، بشكل عام أشخاص بعد المرحلة الثانوية. اليهود الذين يتجندون يؤجلون بشكل عام خدمتهم العسكرية لسنة، وبعضهم لا يذهبون للتجنيد، وهذا ينطبق على كل يهودي موجود هنا الآن.

"من خلال المتابعة في نوفمبر 2004 تبين أن جميعهم رفضوا الخدمة العسكرية، جزء منهم أجلوا الخدمة لكن في النهاية رفضوا أن يخدموا."

إنها سنة من الحياة يستثمرونها للقيام بما يؤمنون به. نحن أربعة عرب وثلاثة من اليهود. ولكن تبدو الحياة صعبة، من ناحيتي هذا صعب، أنا أستثمر نفس السنة التي يستثمرها اليهودي لكن بالنسبة لي صعب جدا استثمار سنة لأنني أعرف أنه في العام القادم سأذهب للتعليم بينما لا يفكر اليهود الموجودين معنا في هذا، وهو لا يقلقهم لأن بإمكانهم أن يعيشوا حياتهم ومن ثم يتوجهون للدراسة لاحقا، هم يريدون أن يدرسوا، ولكن لا يهمهم متى، فما أهمية ذلك بالنسبة لهم؟ الأهم بالنسبة لهم هو القيام بما نقوم به حاليا، القيام بما يؤمنون به وهكذا مواصلة حياتهم، هكذا بهدوء، أما أنا فلا أستطيع.

ما الفرق بين تجربتك وتجربة الأصدقاء اليهود في سنة الخدمة؟

الفرق هو أنني، كأقلية، كفلسطينية في هذه الدولة، لا أستطيع التقدم دون تعليم. ومن الصعب أن أقبل في الجامعة... إنها حكاية يطول شرحها...

{Empty title}

وهذا مهم جدا بالنسبة لي. بالنسبة للدولة ليس مهما أن أتلقى تعليما عاليا وهي لا تريد حقا أن أتلقى التعليم، أما أنا فأريد ذلك. أريد القيام بهذا التغيير. أعتقد أنني إذا واصلت عملي التطوعي طيلة حياتي، أو حتى غير التطوعي، فلن أتطور ولن أصبح مهمة، أعتقد أن أي شخص في وضعي سيفكر بنفس الطريقة أيضا. في البداية يجب امتلاك الأدوات حتى نغير الواقع. هذه السنة بدأت أفهم هذا بالفعل، قبل ذلك لم أفهمه، ومن أجل ذلك أنا موجودة هنا، وأيضا حين أحتاج إلى تحسين علاماتي لأنني أريد أن أتعلم شيئا أرغب به فعلا سأجد صعوبات في الوصول إلى الجامعة بسبب كل هذه المعيقات. أن ندرس لامتحان القبول للجامعة هو أكبر المشاكل التي تواجهنا، وهذه أمور يجب علي أنا فقط القيام بها وهي تجعل حياتي أنا بالذات صعبة الآن أما زميلتي في الغرفة فلا يقلقها ذلك. إنني الآن متوترة وأقول في نفسي: "ماذا أتعلم وماذا لا أتعلم في العام القادم؟" أين سيقبلونني؟ ماذا سيحدث معي؟ سأكون حزينة جدا إذا لم يقبلوني للدراسة العام القادم. زميلتي لا تراودها أفكارا كهذه. هي تفكر لنفسها: "أريد الآن أن أعمل هذه السنة، وأن أعمل في السنة القادمة، وفي السنة التي تليها سأذهب لدراسة الفنون !" وفكرت أيضا أن أدرس الموسيقى لأنني أعزف على الكمان منذ ثماني سنوات. ولكن ماذا يمكنني أن أفعل في الحقيقة مع الموسيقى؟ هناك الكثير من الأمور التي تقيدني لذلك يجب أن أتوجه إلى المجالات التي من شأنها أن تدفعني إلى الأمام.
حقا ليس من السهل أن اقبل للدراسة مجال يمكنه ضمان تقدمي. إذ ثمة قيود على خياراتي الدراسية. هذا فظيع ومحزن، ويسبب التوتر. إنه يثير الغضب أكثر مما يثير الحزن.كما أنني إذا لم أستطع اختيار ما أريد أن أدرس ، فكيف أرغب في مواصلة حياتي؟ ماذا؟ أنا لا أستطيع أن أقرر ماذا يحدث معي؟ هذا محزن ومثير للعصبية، وأنا لا أعرف ماذا أفعل بهذا الخصوص لأنني موجودة حاليا في هذا الوضع" هل سأقبل في التعليم أم لا أقبل؟ نعم سأتعلم، لا لن أتعلم!"
من ناحية يضغط والدي علي من أجل أن أتعلم السنة القادمة، ومن ناحية أخرى أنا أريد أن أبدأ، ولا بد لي أن أجمع بين الأمرين هذه السنة.

ما الذي فكرت أن تدرسيه؟

في الحقيقة أفكر في دراسة الهندسة المعمارية، ولا أعرف إن كان ذلك ممكنا أم لا. وقدمت مؤخرا طلبا لمنحة دراسية من خلال صندوق شجرة الزيتون التربوي Olive Tree Educational Trust في لندن، إنجلترا حيث يقدمون عشرة منح دراسية للفلسطينيين ومثلها للإسرائيليين.
إنها منحة جيدة ولكن حتى الآن لم أقرر إذا ما كنت معنية في الدراسة خارج البلاد. بالأمس أبلغوني أنني اجتزت المرحلة الأولى وأنني مرشحة للمقابلة. سجلت للهندسة، ولم أسجل هندسة هنا لأنني واثقة بأنهم لن يقبلوني، وأنا أفضل في مجال الأرقام منه في مجال الكلمات. والدتي تريدني أن أدرس القانون ولكن في النهاية سجلت هذا كخيار ثالث من الممكن أن يتم قبولي، إذا اجتزت المرحلة الأولى – حقيقة أنا لا أعرف إذاما كنت أرغب بالدراسة في الخارج.
"نوفمبر 2004: يعاد لم تتلق المنحة. وتخطط هذا العام لتقديم امتحان قبول حتى يتسنى لها دخول الجامعة. وهي تفكر في دراسة الهندسة. وحين تنهي دراستها تفكر أيضا في دراسة الموسيقى بشكل مهني."

لماذا أنت غير متأكدة من رغبتك في الدراسة خارج البلاد؟

من ناحية أعتقد أنه من السهل علي أن أترك هذا الوضع وهذا يسرني خاصة وأنني متأكدة من عودتي إلى هنا. أن أتحرر من هذا الوضع لعدة سنوات... ومن ناحية أخرى يبدو أنه من الصعب علي أن أترك كل شيء هكذا. لا أعرف إن كان ذلك مناسبا لي أم لا. أعرف شخصا مقربا جدا مني ذهب للدراسة في الخارج وهذا لم يناسبه وعاد. هذا زرع خوفا داخلي، كما أن أمي دائما تقول لنا: " لن يذهب أي منكم إلى الخارج لدراسة البكالوريوس." اتفقت هي ووالدي على ضرورة إنهاء البكالوريوس هنا –أنا وإخوتي- "في الماجستير أو الدكتوراه افعلوا ما تريدون." لكنها هي من حدثتني عن تلك المنحة.

ما رأي والديك فيما تقومين به ضمن حركة رعوت-سدكاه؟

كان الأمر صعبا عليهم بداية العام، خاصة بالنسبة لوالدي لأنني الأصغر بين إخوتي وأنا البنت الوحيدة. لقد كان صعبا عليه حين تركت البيت: " ستسكنين سنة خارج البيت؟" هذا حقا كان الأمر الوحيد الذي أزعجه هو وأمي. أنا لا أتحدث معهم طيلة الوقت عن هذا، لكنني أعتقد أنهم سعداء بما أقوم به فهم من دفعوني للقيام بهذا. والدتي دفعتني كي أبدأ مع رعوت-سدكاه منذ كنت في الصف الثامن وهي من أوصلني هنا.

أصدقاؤك في الطيرة وأصدقاء العائلة، ماذا يقولون عما تفعلينه هنا؟

صديقاتي المقربات يدعمنني ولكن كثير من الأشخاص الذين أعرفهم من بعيد يقولون: "لماذا تقومين بهذا؟ لماذا لم تذهبي مباشرة للعمل لتوفير المال للدراسة في العام القادم؟ لماذا لا تجلسي وتستثمري مزيدا من الوقت في امتحان القبول كي تحصلي على درجة تمكنك من دراسة ما ترغبين؟" هذا ما يقوله غالبية الناس! وفي بعض الأحيان حتى أنا أفكر بهذه الطريقة." سحقا! لماذا قمت بذلك؟ لماذا لم أبق في البيت وأتعلم وأعمل؟ حين أكون هنا لا أوفر شاقلا واحدا ..." وفي كثير من الحالات أقول في نفسي: "لا. ما أقوم به مهم. يجد الناس صعوبة في فهم ذلك لأنه ليس الشيء الأكثر طبيعية بالنسبة لهم، بالنسبة لي هو كذلك. أنا أفهم من أين أتاهم هذا الموقف. وأدرك الحاجة للعمل، والحصول على درجات جيدة والذهاب للتعليم. هذا الخيار الوحيد المتوفر لنا. وكيف لي أن أغير هذا الخيار إذا لم أجبر نفسي على العمل بجد وجهد كبيرين الآن. كنت سأفقد أيضا خيار الدراسة العام القادم. لكن سيأتي عليهم يوم يفهمون هذا الأمر، رغم وجود أشخاص لا يعرفونني جيدا، ولا يعرفون ماذا أعمل، وبعد أن أبلغهم يقولون: "جميل."

ماذا يقول أصدقاؤك في الطيرة حول التعايش، ورعوت-سدكاه، والمخيم الصيفي؟

يبدو لي أنهم في نهاية الأمر يتقبلون هذا بشكل عادي، هم يقبلون هذا – رغم أنه ليس سهلا عليهم- وهم لا يحبون بشكل خاص سماع شيء عن هذا، خاصة الأشخاص الذين لا توجد لديهم مواقف كافية حول الواقع الحزين وضرورة تغيره من ناحيتهم. أنا أعمل مع اليهود، وبالفعل أصطدم بأشياء قاسية وأخرى لا يمكنني قبولها، لكن لا بأس! أنا أعمل مع اليهود، وقادرة على اعتياد هذا الوضع. أقوالي هذه من الصعب سماعها، ثمة جدل بينهم حول الأمور التي أتحدث عنها، مع ما أشعر به وأعرفه. أنا أفهم الأمور التي غالبية الناس هنا لا يفهمونها.

بعد أحداث أكتوبر 2000 نظم "اتحاد الشبيبة الشيوعية الإسرائيلية" طيلة الوقت تظاهرات، واعتصامات، ومناوبات في الشارع، وأحزنني أن سكان الطيرة البالغ عددهم 24,000 لم يتواجدوا في الشارع. هذا يمسني ويمسهم، وربما يمس بعض الناس أكثر. ولكن القضية بأسرها قضية مواقف وآراء، كل شيء يتعلق بما تريد الحكومة والدولة بثه لهم. ما تبثه وسائل الإعلام. يوجد أناس يخافون الخروج وقول أشياء كهذه وهذا ما عملت الدولة جاهدة لتحقيقه. الدولة أرادت الوصول إلى هذا الوضع .
من المحزن أن أسمع أناسا يتحدثون هكذا ولكنني الآن أعمل على هذا. أنا مرشدة المجموعة في حيفا، حيث يفترض أن يعيش العرب واليهود سويا هناك. في بداية العام أردت أن أسالهم "ما رأيكم بحياتكم هنا؟" فأجاب معظم العرب: "إننا نتعايش في حيفا.... كل شيء ممتاز هنا .... إن حياتنا أفضل ما يكون في الدولة." ومع استمرار اللقاءات يبدأون باكتشاف أن الواقع مختلف حتى فيما يتعلق بأصغر الأشياء، اليافطات، اللغة، وضع اللغة العربية في الدولة. حينها سألتهم: "أخبروني يا أصدقائي، بداية العام قلتم إن الحياة جيدة هنا، تعالوا نحصي عدد اليافطات باللغة العربية الموجودة في حيفا، المدينة المختلطة...." أخذوا يفكرون في ذلك بشكل حقيقي، أين هذه الأشياء، وأين يقفون؟"
أنا أحمل هذه الآراء ربما لأنها جاءت معي من البيت، وربما مما أمر به حاليا. من المهم بالنسبة لي أن أصل إلى الناس كي أنقل إليهم هذه الأمور.

ما هو الشيء الأكثر أهمية الذي تريدين تحقيقه لنفسك وللأجيال القادمة؟

أكثر ما يهمني هو تغيير الوضع في حياتنا، وأن أحصل على الحقوق التي منعونا إياها طيلة سنوات وجود هذه الدولة هنا.... وقف الأشياء التي تحدث هنا! إن الأمور هنا تزداد تعقيدا، رغم أنني توقعت أن يتعلم الناس شيئا بعد 56 عاما مما كان. وهذا لم يحدث! لم يحدث ولو مرة واحدة، الحكومة لا تتعلم، المواطنون لا يتعلمون مما يفعلونه وما يجري لهم، الوضع آخذ في التدهور وليس بمقدور أحد أن يوقف هذا. أم العالم والولايات المتحدة، تتدهور أيضا وتتسبب في تدهور الوضع، الوضع في العالم يؤثر جدا، أنا أرى الوضع هكذا، الولايات المتحدة تسيطر على العالم، الولايات المتحدة تسيطر على ابنتها المدللة إسرائيل، وتمارس الإرهاب على كل العالم. بدأت في أفغانستان، ثم العراق، وقريبا في كل العالم. إذا كان باستطاعة أحد وقف إسرائيل فهي الولايات المتحدة لكن الدولة والحكومة هناك لا تريد هذا، وهذا يعني أننا لا نعرف متى سينتهي الوضع وأنه آخذ في التدهور. من الصعب علي قول مثل هذه الأمور لأن ما أقوم به هنا يهدف إلى تغيير الوضع، من ناحية أعمل جاهدة لتغيير هذا، ومن الناحية الأخرى أتساءل إن كان هذا فعلا سيغير الوضع.

لست أدري. في الماضي كنت أقول إنها مسألة وقت فحسب، ولكن هذا ليس صحيحا، لو كانت مسألة وقت فقد مر ما يكفي من السنين، وحدث ما يكفي من الأشياء التي أمكن أن نتعلم منها، إنها ليست مسألة وقت، هذا غير صحيح, المسألة تتوقف على الناس، أفيقوا!.

إن حقيقة تولي رئيس وزراء مثل شارون بعد كل ما حدث تمثل خيار غالبية الشعب! أنا لا أعرف ماذا أتوقع من هذا الشعب أن يفعل! إنهم يعرفون من هو شارون. شارون ليس شخصا ظهر فجأة وأصبح رئيسا للوزراء وحينها بدأنا باكتشاف من هو وماذا فعل، معروف ماذا فعل في صبرا وشاتيلا، وكل المذابح التي ارتكبها، يصعب علي أن أقول إنه إنسان. وفي النهاية غالبية الشعب قرر فوزه بعد كل تلك السنوات الطويلة.

{Empty title}

يجب أن نتعلم من التاريخ. وليس فقط من تاريخ الدولة بل من تاريخ الشعب كذلك: الشعب اليهودي عايش الكثير من الأشياء. عشتم وجربتم التاريخ لماذا تريدون نقل تجربتكم لشعب آخر؟ صحيح أنكم عانيتم من هذا، وكذلك أنا، من الصعب علي سماعهم يتحدثون عن الكارثة. ولكن من الصعب علي أن أسمع شخصا يقول: "أنا ذهبت للتجنيد.” ويأتي ليحدثني عن الكارثة، ما الذي تريده مني؟ أنت الآن تقوم بالشيء ذاته، ماذا تعتقد؟! هل أنت أفضل من الجندي النازي الذي كان هناك؟" فيجيبني: "إنهم يرغمونني." الجندي النازي الذي كان هناك ألم يجبروه على القيام بما فعل؟ ولكن لا يوجد لديك هتلر ليقتلك لو لم تذهب للتجنيد.

{Empty title}

من الصعب علي أن أرتبط مع الكثير من الأشياء هنا. لماذا يحدث هذا... ليس لدي أدنى فكرة كيف نصل إلى وضع أفضل... أو للوضع الذي أرغب في الوصول إليه، أنا فعلا أرغب في الوصول لهذا الوضع لذا لا أجلس في البيت، ولا أعمل، ولا أدرس لامتحان القبول للجامعة. أريد لهذا الوضع أن يتغير. أنا فقط ابنة 19 عاما، جدتي ابنة 80 وعاشت النكبة كلها. جدتي ما زالت مستعدة لتقبل ما أقوم به. ربما لا تتقبل أن نسكن فتيات وشبان معا، ولا سكني خارج البيت، ولكنها تتقبل أننا نعمل على هذه القضية، تتقبل حضور يهود إلي بيتنا، وأننا نذهب إلى المظاهرات، إنها في الثمانين من عمرها، طردوها من قريتها وهي مستعدة لتقبل ما نقوم به! "قوموا بذلك" هكذا تقول، حتى أنه كان لها أصدقاء يهود في 48 وحتى اليوم لا تزال الصداقة قائمة.
كان هناك عائلة ساعدت عائلتها وقريتها في الكثير من الأشياء قبل 48 وحتى اليوم نحن على اتصال معهم.
في تل أبيب من المفترض توفر فرص عمل كثيرة، في النهاية أين يمكنني أن أعمل؟ ماكدونلدز، أدخل هناك ولا أجد غير العمال الروس والعرب، جميع العرب يعملون في ماكدونلدز، لماذا؟ لأنني حين أدخل إلى دكان أحذية يسألونني: "هل أنهيت الخدمة في الجيش؟" هذا لا يحدث فقط في تل أبيب بل في كافة أرجاء الدولة. الآن أعمل في ماكدونلدز،

{Empty title}

ذات مرة دخلت سيدة عجوز وسمعت عاملين يتحدثان بالعربية، قبل أن تكتشف بأنني عربية، جاءت إلي وقالت: "أخبريني، هل العرب يعملون هنا؟!" فقلت لها: "بالتأكيد." حينها قالت: "اخجلوا من أنفسكم !إنهم يقتلوننا ونحن نوفر لهم العمل!" لم أجبها، لم أعرف بماذا أجبها، هل أجادلها؟ هل أخاصمها؟ لم أعرف ماذا أفعل! فهي امرأة عجوز وأنا متأكدة بأنها عاشت الكارثة. لماذا؟ لماذا تفكرون بهذه الطريقة؟ تحديدا هذا الشعب يجب عليه أن يتعلم مما حدث، لأنه شعب مر بما لم يمر به شعب آخر تقريبا، إنه أمر محزن، كأننا لم نتعلم شيئا مطلقا.
أخي يتعلم في كلية تل أبيب، دخل أحد المحاضرين عليهم إلى الصف... لا أدري كيف وصلوا إلى هذا، كيف توصل في درس هندسة إلكترونية إلى أن جميع الفلسطينيين حيوانات." حينها توجه أخي إلى مدير الكلية الذي بدأ بتدبير الأمر وتحدث مع المحاضر وحينها قال المحاضر لأخي: "أنا ابن ناج من الكارثة، وأنا بالذات أفهم ما تقوله." هذا ما قاله لأخي، فأجابه أخي: " لهذا السبب أنا لا أفهم لماذا تتحدث بهذه الصورة. ما الذي يدفعك لتكون هكذا؟ أنت يجب أن تتعلم من هذا.

{Empty title}

لا أطرح موضوع الكارثة في كل نقاش أشارك فيه، لبعض الأشخاص الحديث عن هذا فظيع، حتى في المجموعة التي أسكن معها حاليا، لدينا لقاءات أسبوعية، جلسات لمجموعة التعايش، تطرقنا إلى هذا الموضوع – كم من الكوارث مرت على العالم، بدأنا في الحديث وتطرقنا إلى مائة موضوع، أيضا المجموعة اليهودية تبادلت في البداية معنا بعض الأفكار. وبعد ذلك نظرنا إلى ما فعلنا، وأحد أكثر الأمور التي استفزتنا كان ردهم على شيء طرحناه أنا وعربي آخر يسكن معنا - قلنا إن الانتفاضة التي تحدث الآن في المناطق، بالنسبة لي وله نوع من الكارثة. ويبدو أن هذا أغضبهم وأثارعصبيتهم! نعم أنا أفهمهم، وأفهم من أين جاء هذا، ولكن من الناحية الأخرى.... أنا فعلا أعتقد أن الأمر هكذا، أنا أعرف أنه لم يكن هناك أي نوع من المقاومة أثناء الكارثة لأن الوضع كان مختلفا، أنا أفهم ذلك.

أدرك استحالة المساواة بين الأمور، من المستحيل القول إن ثمة تشابه تام بين أمرين. لكن من ناحيتي هذا أمر فظيع وتهديد، وحتى أكثر فظاعة مما حدث خلال الكارثة، لأنني لا أعتقد بوجود تاريخ للألمان كان يتوجب عليهم أن يتعلموا منه خلال الكارثة. أما الآن، فيوجد هنا الشعب الذي عاش أمورا، وكان من الواجب أن يتعلم منها وهو لا يفعل ذلك. لهذا من وجهة نظري ما يحدث الآن أسوء بكثير مما حدث سابقا.

لماذا فشلت عمليات السلام في الماضي؟

لا أعرف من الطرف الذي تسبب بذلك، ولكن أحد الأطراف أو الطرفيين لم يرغبا بذلك، أو لم يعملا بجد من أجله. لست ضالعة في التاريخ إلى هذا الحد. لا أتذكر التواريخ، أنا أتذكر خارطة الطريق. حاولت بنفسي، قررت أن أدرسها، أردت قراءتها وأن أعرف ماذا يحدث هناك. قرأت الاتفاقية ووجدت الكثير من الأمور التي لا أوافق عليها. لو كنت زعيما فلسطينيا فلن أوافق على الخارطة، فهي تتجاهل اللاجئين، وتتجاهل قضية القدس، وهذه الأمور التي نتجادل حولها كثيرا. وفي النهاية، ما حدث أن الطرف الفلسطيني قبل بها والطرف الإسرائيلي لم يقبل. وأنا لا أعرف إذا كان هذا ما حدث مع جميع الاتفاقيات.الآن أفهم بأن الطرف الفلسطيني لم يكن يريدها ، ولكن لم يكن أمامه خيار، لأن الطرف الفلسطيني مل من الوضع ويبحث عن حل بأي ثمن. ومع ذلك عاد عرفات الآن لـيقول: "لن نتنازل عن قضية اللاجئين بأي شكل من الأشكال."

أعتقد أن هذا الأمر أكبر من مجرد لقاء بين شارون أو باراك وعرفات. عرفات الآن لا يمثل أحدا. واضح أنني أحترمه لأنه رمز قيادي وأنا أحترم ما قام به طيلة هذه السنين. ومن يسمعني أتحدث عن عرفات سيقول على الفور: "هذا الفاسد الذي سرق طيلة الوقت الأموال له ولزوجته سها ومن ثم سافر إلى فرنسا !؟" حسنا! هو فاسد! وهذا ليس بالأمر السار، لكن بالنسبة لي هو إنسان يمكنه تمثيل الشعب الفلسطيني. وهو رمز هام بالنسبة للكثير من الفلسطينيين، وربما لجميع الفلسطينيين. لقد بقي رمزا مثل ملكة انجلترا، هكذا هو عرفات الآن.

أعتقد أن اتفاقية بينه وبين أي زعيم إسرائيلي لا تساوي شيئا. وحتى اتفاق مع رئيس وزراء فلسطيني الآن – لن يساوي هو الأخر شيئا – لأنه إلى الآن لم يستطع أحد أن يفهم أن هذا الشعب ليس دولة. إنه شعب عانى ولا زال يعاني، وإذا لم تتوقف هذه المعاناة بكل بساطة لن يحدث شيئا هنا، وسيبقى الوضع على ما هو عليه. حينها ستضطرون لأخذ كل الشعب إلى أوسلو أو واشنطن حتى تقرروا ماذا يريد! لأنه لا يوجد شخص بإمكانه أن يقرر نيابة عن الشعب في الوضع الحالي، وأنا أعتقد أن هذا هو السبب الواضح لفشل الاتفاقيات.

ماذا تعني كلمة "سلام" بالنسبة لك؟

هذه كلمة يحب الجميع استخدامها، وليس هناك الآن من يعرف معناها، وحتى شارون، "قائد السلام" لا يتحدث عن السلام. هذه كلمة يتلاعب الجميع بها. كلمة فعلا غير واضحة، أو لا يمكن استخراج تفسيرها من القاموس حتى يتسنى لنا أن نفهم ماذا تعني، أنا شخصيا أؤيد تغيير هذه الكلمة التي يتلاعبون فيها أكثر مما ينبغي. الكلمة ترمز لأشياء كثيرة: اليسار المتطرف يتحدث عن السلام، اليمين المتطرف يقول سلام. ربما الفلسطينيون الذين ينفذون العمليات هم أيضا يقولون هذه الكلمة. بالنسبة لهم هذا أيضا نوع من السلام. بالنسبة لي، السلام مجرد كلمة يستغلها الجميع، رغم أنه من المفترض أن تكون كلمة ايجابية. لكنهم يفعلون بها كل شيء... رغم أنها جميلة جدا كمجرد كلمة.

أين تشاهدين مؤشرات تدعو للأمل؟

في اللقاءات مع مئات الأشخاص، الذين يسكن بعضهم الآن معي، عندما التقي بهؤلاء الناس، او عندما التقي منظمي المظاهرات.... قبل أسبوع كنت في مظاهره بمنطقة رفح. لم أكن أعلم أن هناك من يكترثون فعلا: كان هناك مئات العرب. لا أعرف إن كان في ذلك ما يدعو للأمل كثيرا، لكنه الأمل الوحيد الذي أمتلكه. ولكن أيضا ظاهرة رفض الجنود والضباط للخدمة العسكرية التي بدأت تتسع وتظهر. أتمنى أن يكون هذا نوعا من الاستفاقة لدى بعض الناس، وأن هذه الاستفاقة ستستمر. يبدو أن هذا هو الأمل الوحيد والشيء الوحيد الذي يمنحني الأمل والشعور الجيد.

كيف يؤثر الخوف برأيك في الصراع؟

إنه يؤثر كثيرا. يؤثر في الجميع، حتى عليّ حين تقع حوادث في المناطق. مثلا حين قتلوا أحمد ياسين، كنت في الصف تحديدا أتلقى درسا في التربية: مخيف أن تسمع الأطفال، والآراء المغلوطة التي يحملونها عن العرب. حينها خرجت من الصف وقالوا لي بأنه قتل فلم أرغب في الاستمرار بدرس التربية، لقد خفت جدا من الصعود إلى الحافلة لعدة أيام، رغم أنني لم أفكر هكذا مطلقا، وقلت لنفسي طيلة الوقت إذا كنت سأتفجر داخل حافلة فليكن،لا أكترث، هذا هو الوضع، لن أقول لشخص يريد تنفيذ عملية أن لا يقوم بذلك.

{Empty title}

أنا أعارض التفجيرات، وأعارض قتل المدنيين ولكنني لا أمتلك الحق في أن أقول لأي شخص أن لا ينفذ عملية. أنا أعرف مصدر هذا، رغم أنني أسافر في الحافلات، ورغم أنني ضد العمليات – وأقصد العمليات داخل الدولة طبعا- أنا لا أتحدث عن المستوطنات، ولا أتحدث عن الجيش، والأهم بالنسبة لي معرفة ما مر على هذا الإنسان. معظم الذين يصلون إلى هذا الوضع لا يصلونه هكذا بكل بساطة لأنهم يرون الجيش داخل مدنهم. يصلون إلى هذا نتيجة اليأس. الإنسان يقول في نفسه: "أريد أن أموت"، ويتسبب بموت نفسه، هذا ليس بالأمر السهل. لذلك نعم أنا أخاف: حين ينظر الناس داخل الحافلة بحثا عن شخص يثير الشبهات، لا آبه إذا حدث ذلك لأنه مقدر أن يحدث، وإذا لم يحدث لي سيحدث لغيري. أفضل أن لا يحدث لي طبعا! ولكن عدم صعودي للحافلة ليس حلا، ولن يكون حلا ذات مرة، وعدا ذلك فأنا لا أملك المال لأستغني عن الحافلة.

يخيفني أن يأتي اليوم الذي لا أرى فيه أي طالب عربي في الجامعات. وهذا يمكن أن يحدث، خاصة هذا العام، إذ أنهم يسعون لذلك جادين. م كانوا يعتمدون الملحق، لكنهم ألغوه لأنه تبين لهم أن كثيرا من الطلاب العرب يدخلون الجامعات بسببه. والجامعة تقدم التفسير ذاته بعد أن الغوا الملحق.

ماذا يعني الملحق ؟

الآن يقبلوننا بناءً على علامة امتحان القبول. في العام الماضي عملوا طريقة معينه تسمح بقبول الطلبة استنادا لعلامات التوجيهي، وهذا يساعدنا كثيرا لأننا نواجه مشكلة مع امتحان القبول الجامعي، خاصة بسبب اللغة الإنجليزية - وهذا ليس السبب الوحيد، ولكن السبب الاقوى .حينها كثير من الطلبة العرب قبلوا لدراسة مواد لم يكونوا يحلموا بها، وقالوا في الجامعة ات: "انظروا في الصحيفة، انظروا كم عربيا كان يقبل سابقا، وكم أصبح عددهم الآن." في نهاية العام الغوا هذا.

ما يخيفني هو أن أرى بعد عدة سنوات عربيا واحدا أو اثنين نجحوا في التسجيل للجامعة. ويخيفني أن من يذهبون للدراسة في الخارج يعودون، ويكونوا ا قد تنازلوا عن كل شيء. وبسبب هذا حين أدرس إمكانية السفر للدراسة في الخارج لا أفكر في البقاء هناك. حتى لو استلمت أفضل عمل وأعلى أجر. لست مستعدة للذهاب من هنا حتى تنتظم الأمور بالفعل.

كنت أتمنى لو أنني ولدت في كندا، أو في السويد، وبذلك أستطيع أن أتنقل من دولة الى أخرى كل بضع سنوات. أتمنى لو كان الأمر كذلك، لكنه ليس كذلك.

NOTES
We have done our best to provide accurate, fair yet succinct footnotes to help you navigate the interviews. Our research team comprises more than 6 individuals, including Palestinians, Israelis and North Americans. Still, we recognize that these notes cannot capture the full complexity of this contested conflict. Therefore, we encourage you to seek additional sources of information, we welcome your feedback and appreciate your openness.